التعلم.. مِن أكتاف الإبل إلى الآيباد
الأربعاء / 19 / شوال / 1447 هـ - 19:19 - الأربعاء 8 أبريل 2026 19:19
«فالمهم هو التعليم حتى تحت ظل الشجر».. السلطان قابوس بن سعيد(ت:2020م) مخاطباً شعبه بتاريخ: 18 نوفمبر 1972م، وقد تحولت عبارته إلى شعار تداوله العمانيون بلفظ: (سنعلم أبناءنا ولو تحت ظل الشجر). منذئذٍ استقر في عقول العمانيين أنَّ التعليم هو المبدأ والمنتهى، فغدا الكل يتعلم أطفالاً وشباباً وشيوخاً، رجالاً ونساءً.
ستة وخمسون عاماً.. إلياذةً في طلب العلم، استطاعت عمان أنْ تواكب التحولات العالمية في التعليم عبر وزارات نفذت فلسفته في كل مرحلة وفق رؤيتها، ليستقر في مؤسسة جامعة باسم «وزارة التعليم». وقد وجّه مولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق أعزّه الله لهذه المرحلة في خطابه بتاريخ 23 فبراير 2020م قائلاً: «وإنَّ الاهتمام بقطاع التعليم بمختلف أنواعه ومستوياته، وتوفير البيئة الداعمة والمحفزة للبحث العلمي والابتكار سوف يكون في سُلّم أولوياتنا الوطنية، وسنمده بكافة أسباب التمكين؛ باعتباره الأساس الذي مِن خلاله سيتمكن أبناؤنا مِن الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة».
المقال لا يَسَعُ تفصيل ما قامت به الدولة مِن منجزات، وهذا مِن حقه أنْ يدوّن فيما أسميّه بـ«تاريخ الدولة العمانية»، وإنَّما يروي لأبنائنا ولمَن بعدهم جانباً مِن التاريخ الاجتماعي الذي عشناه تلك الحقبة التي شهدت تحولاً سريعاً وجذرياً في النهضة التعليمية مختصرها أنَّ التعليم قطع شوطاً كبيراً منذ التعلّم على أكتاف الحيوان كالإبل والبقر حتى استعمال الذكاء الاصطناعي.
دخلتُ المدرسة في العام الدراسي 75-1976م بعد خمس سنوات مِن انطلاق النهضة العمانية الحديثة، وكانت هذه السنوات الست كفيلة بأنْ يتخلى الطلبة عن أكتاف الحيوان وتعمّ الدفاتر الورقية كل عمان. لم أتعلم على الأكتاف؛ بيد أنَّ الجيل الذي سبقنا -لا يزال كثير مِن أفراده أحياء بيننا- مدين لهذه الطريقة مِن التعليم. كان على الطالب أنْ يحصل على كتف بعدما يُهيأ مِن قِبَل القصابين. لكل طالب كتفه، وعليه أنْ يعد مداد الكتابة بنفسه، وكلما امتلأ الكتف بالكتابة أزاله الطالب بلسانه أو ثوبه، ليعيد الكتابة عليه، ويعتبرون ذلك تقديراً للعلم، وتأكيداً على رغبتهم في طلبه، وتسمى عادة إزالة الكتابة باللسان «المولحس».
مع بداية التحاقي بالتعليم في مدرسة بلعرب بن سلطان ببَهلا منتصف السبعينات الميلادية درسنا الصفوف الثالثة الأولى في الخيام التي نصبت تحت النخيل في البساتين المجاورة للمدرسة، فهي وإنْ عانينا من برودتها شتاءً إلا أنَّها كانت تصنعنا بصلابة للمستقبل، واليوم نشعر بامتنان أنَّنا تعلمنا تحت ظل الشجر.
كنت أقطع الكيلومتر تقريباً الفاصل بين بيتنا والمدرسة جيئةً وذهاباً حاملاً بيدي أو على رأسي حقيبة مليئة بالكتب والدفاتر والأقلام، وكنت أدس الخبز المدهون بالسمن في مخبأ دشداشتي مباشرةً مِن دون أنْ يوضع في كيس؛ فالأكياس حينها شحيحة، ولا توجد أكياس نايلونية تقي ثيابنا زهومة السمن. قد لا يستوعب جيل اليوم هذه الطقوس اليومية، لكنها كانت شعائر تعبدنا في محراب العلم.
عندما نعود إلى البيت نتغدى، ثم نلعب ونرتع، أو نقضي الحاجات التي يأمرنا بها أهلنا، ولم يكن مِن الوارد أنْ نذاكر خلال النهار؛ لأنَّنا لن نتمكن مِن اللعب ليلاً لعدم وجود المصابيح الكهربائية. عندما يؤوب أبي مِن المسجد بعد صلاة المغرب نتعشى، ثم نفتح الحقيبة ونخرج «الواجب المدرسي» تحت ضوء ذبالة السراج الذي يوقد بحل التراب «الكيروسين». و«الواجب» عبارة عن تمرير القلم على الحرف المكتوب بالنقط، ثم تطور عبر سنوات الدارسة الأولى لنكتب الدرس ما بين ثلاث وعشر مرات بحسب أمر المعلم، وما بقي مِن وقت نحل فيه أسئلة الحساب المتدرجة مِن وصل نقاط الأرقام إلى حل المعادلات الأولية بالجمع والطرح. ما بين تلك السنوات الدراسية كنا في الإجازة الصيفية نذهب إلى مدرسة القرآن التي ركزت على نطقنا السليم لقصار السور مِن «جزء عمَّ»، وكتابة البسملة وبعض العبارات القرآنية.
دخولنا الصف الرابع الابتدائي نقلة فارقة؛ فقد انتقلنا مِن الخيام إلى غرف إسمنتية، وبدأنا ندرس اللغة الإنجليزية، وفي الرياضيات ندرس العمليات المتقدمة في الحساب مِن الضرب والقسمة، ونحفظ بعض سور القرآن في التربية الإسلامية. وأمتع الدروس كانت في اللغة العربية؛ حيث تملأ خيالنا بالقصص المشوقة. كان المعلم يعاني مِن تخلفنا عن حل «الواجبات» وحفظ جداول الضرب وسور القرآن، ونحن نعاني مِن عصاه الغليظة؛ فهي الوسيلة الوحيدة لـ«نتقدم» في العملية التعليمية. كنت حينها ضعيفاً في الدراسة، ويبدو أنَّ الوالد يتابع ذلك، فرأى الحل بتعلّمي القرآن، فدفع بي إلى مدرسة القرآن بجامع بَهلا العتيق، فقرأت القرآن على يد المعلم كاملاً، وكنت حريصاً على أنْ أنطق وراءه الآيات سليمة، ولمَّا أرجع إلى البيت أكرر ما قرأته مِن الآيات، حتى أتقن نطقها، وكان أبي يصوّب لي خطأ نطقي رغم أنَّه لا يجيد كثيراً القراءة والكتابة، لكن باستماعه القرآن في حلقة المسجد أَلِف نقطه، وأصبح يستهجن اللحن فيه؛ ولذلك طلب مني أنْ أنضم إلى الحلقة.
نجح أبي فيما دفعني إليه مِن تعلّم القرآن، فلمَّا كان الفصل الخامس حصلت على المركز الأول على مستوى الصف، ثم تواصل تقدمي الدراسي. وعندما لاحظ أبي هذا التحسن حرص على أنْ يشتري لي الكتب، وكانت بَهلا حينها مجدبة مِن المكتبات، فأخذ يحضر لي الكتب كلمَّا ذهب إلى نزوى أو مسقط أو مكة والمدينة. وما أنْ وصلت الصف السادس الابتدائي حتى بدأت تتشكل لدي مكتبة صغيرة في أحد أرفف البيت، لكنها عظيمة في قلبي.
هذا الجدب مِن المكتبات في بَهلا دفعني أنْ أتبادل الكتب مع الصديق عبدالله بن خميس العبري، فكنا نتبادلها في المدرسة، أو أذهب لأخذها مِن بيته مشياً على الأقدام أو ركوباً على الدراجة الهوائية قاطعاً حوالي ثلاثة كيلومترات، والعكس بالعكس؛ حيث أيضاً هو يأتي إليّ. كنت أدخر النقود التي أحصل عليها، فأشتري كتاباً مِن حافلة وزارة التراث القومي والثقافة التي تمر على مدرستنا، وببعضها أشتري جريدة «عمان».
عام 1983م حصلت نقلة أخرى؛ حيث افتتحت مكتبة الغبيراء التجارية في سوق بَهلا، فحرصت أنْ أشتري الجديد مِن الكتب. وتأثير هذه المكتبة لم يقتصر عليّ، وإنَّما تعدى إلى عمان عندما نشرت بعض الكتب العمانية الفقهية والفكرية.
لمّا التحقت بجامعة السلطان قابوس عام 1987م كانت المكتبة الرئيسية بها كنزاً معرفياً لا ينضب. ورُبَّما وجودي فيها واستعارتي مِنها أكثر مِن مذاكرتي المقررات الجامعية، بيد أنَّ العاصمة مسقط فتحت لي آفاقاً قرائية أوسع؛ حيث أخذت أقتني الكتب مِن مكتباتها بمختلف توجهاتها الفكرية والمذهبية.
ثم دخل عقد التسعينات الميلادية، فكان عقد معارض الكتاب الدولية، فسعيت إليها في مسقط والشارقة وأبو ظبي، وما أنْ حل منتصف العقد حتى أسسنا في بَهلا مكتبة الندوة العامة، وقد تطورت لتصبح «مركز الندوة الثقافي» عام 2022م، ويعد المركز اليوم المؤسسة الثقافية الأولى على المستوى الأهلي بعُمان.
بدخول الألفية الجديدة انتشرت الإنترنت بسرعة مذهلة، فأتاحت لنا مصادر معرفية جديدة بدايةً مِن المواقع الحوارية، ثم نوافذ التواصل الاجتماعي، وحل الآيباد الرقمي محل الكتاب الورقي، وأخيراً الذكاء الاصطناعي. والآن نقرأ بآذاننا أكثر مِن قراءتنا بأعيننا، فالعالم الرقمي يزخر بما لا يحصى مِن المواد العلمية مِن الكتب المصدرية حتى البرامج الوثائقية والحوارية.
هذه لم تكن مسيرتي وحدي في طريق العلم وفهم الحياة، وإنَّما هي مسيرة جيل بأكمله عاش التحولات الكبرى في عمان، وأسهم في صناعتها، ورسم خارطة سير المستقبل لأجيالنا القادمة. لقد كثفت عمان في مسيرتها التعليمية خلال نصف قرن ما قطعته البشرية في أكثر مِن مائتي سنة.