لذّة الإفناء
الثلاثاء / 18 / شوال / 1447 هـ - 20:16 - الثلاثاء 7 أبريل 2026 20:16
في ظلّ انهيار الإيمان بالعلم وقدرته على تحقيق رفاه الإنسان، وفي أزمة خيبة التعويل على السيادة المطلقة للعقل، يبدو الإنسان هائما فاغرا فاه، مندهشًا، في حال من البهتة والصدمة، وقد تداعت كل القيم وتهاوت كل السرديّات الكبرى التي كانت تحميه من غوائل اليأس وتصنع له أوهامًا يعلُق بها ذهنًا وعاطفةً.
لقد عوّل الإنسان في فترة ماضية قريبة، على العقل، وعلى العلم وعلى التكنولوجيا أدوات يُمكن أن تُخرجه من أثر الطبيعة القاسي، وأن تُوفّر له حياةً أكرم، عوّل الإنسان على محدثات العلم ليُقاوم الأمراض وليبدّد شبح الجوع ولينعم بالرفاه الذي لا ينعم به الحيوان، فالإنسان عبر عهود قد بذل جهدًا جهيدًا وعقلاً ليخرج من دائرة الحيوان، حتّى أصبح نعت الإنسان بالحيوان سُبّة ومعرَّة، فإذا به يعود على بدءٍ، يعود إلى حياة الحيوان، التي فارقها بإثبات إنسانيّته والسعي إلى تحقيقها، أصبح الإنسان يجفو المحبّة، يميل إلى المكائد، يصنع أسباب هلاكه، وما به صار الكون في خطرٍ، الأمراض والجراثيم ويبثّها في الكون، وأضحت الطبيعة في حاجة إلى حماية وعناية، يصنع حروبًا تقتل، وينفق الجهود الذهنية والمالية للتسلّح ولصناعة آلات لا فائدة منها سوى تقتيل الإنسان، الطبيعة التي صارت تُدمَّر كل حينٍ وآنٍ، لا الفضاء سالم ولا الشجر ولا الحجر ولا الحيوان.
يُسمِّم الإنسان الكونَ، يبعث فيه الدمار، ويلوّثُه بآلاتٍ للحرب يُمكن أن تبيد عشرين أرضًا وعشرين سماءً، في حين لو توجّهت هذه الأموال والأذهان إلى مجال الصحّة لَصنع العالم نعيمًا وجنّة في الأرض، ولو توجّهت للقضاء على الجوع لأنقذت أنفُسًا وأرواحًا.
الإنسان القاتل يغلب ويسود ويؤمّ ويملك الكون ويوجّهه ويُحوِّل الإنسان إلى قاتل أو مقتولٍ، إلى شريعة الحيوان التي يبقى فيها الأقوى، وينسحب منها الأضعف. فَقد الإنسان هويّته التي بناها عبر عهود وعقود، هويّة الإنسانيّة الباحثة عن مفاهيم العدل والجمال والمساواة ومقاومة الفقر والظلم وقانونيّة الغاب.
الخطاب السياسيّ الكونيّ اليوم مُخيف ومرعب، دفع البعض إلى الاحتماء بالصوفيّة تعلُّقًا بآخر جذور الإنسانيّة، ودفع البعض إلى العودة إلى الحيوانيّة في العمل على اصطياد البشر وأكل لحومهم، واقعًا ورمزًا، ودفع البقيّة المؤمنة بالإنسانيّة إلى الانسحاب من الوجود، والصمت في عالم صاخب، يحتفي، خطابًا ومشهدًا، بجماليّة جديدة هي جمالية الإفناء والتدمير والقتل، وكم تكرّرت هذه العبارة في خطابات رئيس الكون ترامب، الذي كثيرًا ما يربط في عباراته بين الروعة والجمال والتدمير والقتل.
هل هذا هو العالم الجديد الذي بشّرونا به؟ نحيا اليوم وُجودًا نعته أدورنو «انتحار التنوير»، فيه تحوّلت العقلانيّة إلى التمتّع بما ابتكرته من أدوات قتل ممنهج، وما «جماليّة الإفناء» التي يسعد بها ترامب وأعضاده وما ينشأ عنهما من خطاب مؤسّس لِعقل سائد إلاّ بيان لحداثةٍ لم تُردها الإنسانيّة وأرادها تُجّار العالم الحديث وصُنّاع الأسلحة والأدوية، هل علينا أن نقبل ما أتت به الدرمولوجيا (علم السرعة أو التسارع) من أنّ كلّ تطوّر تكنولوجي يحمل في أحشائه «حادثه الخاصّ»، فاختراع السفينة يقتضي أن يأتي من جرّائه فعل الغرق، وكذا اختراع الطائرة التي تُيسِّر السفر والانتقال عبر المكان ينتج عنها قبول فكرة سقوط الإنسان من أعلى الفضاء والموت تهاويًا، ولكن في حالنا نحن لا نثير هذه القضايا، فكلّ فعل في الطبيعة يقتضي نقيضه، وليست كلّ حداثة، فالصعود على الشجرة يقتضي قبول فكرة السقوط منها، وقس على ذلك، نحن نتحدّث في هذا المقام عن خطاب يُمجّد ويُجمِّلُ ويحتفي بالدمار والموت، خطاب سياسي يرى في الدمار جمالا، وصرتُ أخشى أنّنا نحن المتفرّجون الواقعون تحت سطوة الخطاب وسلطة الصور التي تُظهر كل ساعة أنماطًا وأنواعًا من الدمار والخراب أن نُدمن هذه المشاهد وأن نألفها وأن نفتقد ظهورها! عالم اليوم لا يقتصر على قتل الجسد، وإفناء البشر، بل فاعلوه ساعون إلى محو طبعِ الفجيعة فينا، على قبْر الشعور بالألم لرؤية الدمار، إنّنا تجاه «حداثة سائلة» كما وسمها باومان، جفّفت فينا منابع التعاطف، وحوّلت الإنسان من «أداة أخلاقيّة» إلى مستهلك للمشهد.
وإذا كان عالمهم الجديد الذي بشّرونا به هو عالم الدم والتدمير والتقتيل الذي يفخر به دُعاة الحرب النظيفة، فهو عالم لا خير فيه، ولا يُمكن أن تنتهي البشرية إلى إحلال التقاتل والتفاخر بالقتل وتحطيم البنيان والقضاء على بقايا الإنسان.
بالنسبة إليّ مشهد غزّة وهي مدمَّرة على عروشها، ومن بعْدها لبنان وإيران، هو تطبيع مع التخريب والتدمير، وتصالحٌ مع التقتيل وإفناء البشر، واعتداءٌ صارخٌ على عينِ الجمال التي عمل الإنسان على اكتسابها وترويض ذائقته عليها، بالنسبة إليّ فإنّ قيام خطاب عالمي سياسيّ يفخر بهذه المشاهد ويعيد عرضها علينا مُنْجَزًا إنسانيّا «جميلاً»، وفعلاً لمعاقبة «الأشرار»، في كونٍ تداخلت فيه المفاهيم واختلطت، ولم يعد التفريق بيّنا بين الخير والشرّ، بين الجميل والقبيح، بين البناء والتدمير، هو فعلٌ خطير، مربكٌ لأجيال جديدة تعوّدت آذانها الخطاب المُسيْطر بعنفه المتعالي ببطشه، المتكابر بقوّته، المعتدّ بقدرته، القاتل بما اكتسب من أدواتٍ وتقنية ومالٍ.
أبناؤنا في خطرٍ جسيم من سيادة هذه المشاهد التي يتداولونها جدّا أحيانًا وفكاهةً أحيانًا أخرى، فمن الخطر القاتل لمشاعر الأجيال القادمة، أن ترامب تحوّل إلى ظاهرة مُضْحكة، يهزأ منها الأطفال والشباب، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهذه المشاهد المُضحكة الساخرة باعثة لثقافة تُغرَس وتهيمن على عقول الناشئة، ثقافة القويّ المستقوي بقوّته، المدمّر في مشاهد مباشرة للبنيان، المفني للبشر، ونحن الذين نعلّم أبناءنا أنّ القوّة تحملنا على التواضع، وأن الغنى يفضي بنا إلى الإحساس بالفقر والحاجة، وأنّ الأخلاق أهمّ من البلطجة واستعراض القوّة. لقد تربّينا في عالمٍ قديم نعرف فيه الشرّير رمزا وحقيقةً، ويكاد يُجمع الرأي الإنسانيّ على حدّ الشرّ، ونعرف أيضًا الخير والخيّرين، كان المُستعمِرُ شرًّا، والطاغي شرًّا، والقاتل شرّا، ومدمّر الأوطان مفسد الطبيعة شرّا، وكان فاعل الحسنى مشكورًا، وطالب الإنسانية أخلاقًا وعدلاً وحقًّا محمود الفعل مُقدَّر الفعل، أمّا اليوم فنحن في لونٍ ضبابيّ، رماديّ، نستحسن الدمار ونمرح لأرواحٍ تُزهَق، ولإنسانيّة تذوي وتحتضر، فكيف لا يهيمن علينا الذكاء الاصطناعي، ولمَ نخشَ أن يفتكّ منّا المصنوعُ المطبوعَ؟