أعمدة

بين رحى الحرب وصوت الحياة

منذ انطلاق الضربات الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لم تتوقف الرسائل التي ترد إلى هاتفي من أصدقاء وزملاء في مختلف أنحاء العالم، يسألون بقلق عن الأوضاع في منطقتنا، وكأننا نعيش تحت وطأة قصف يومي متواصل. وتزداد حدة هذه التساؤلات مع تداول أخبار عن استهدافات محدودة طالت مواقع حيوية في بعض دول الخليج، ما يعزز لديهم صورة ذهنية مضخمة عن واقع يعتقدون أنه يقترب من حافة الانفجار.

المفارقة اللافتة هي أنني عندما أحاول طمأنتهم بأن الحياة تسير بوتيرتها المعتادة، دون تغيّر يُذكر في تفاصيلها اليومية، وأن إيقاع الحياة لم يختل كما يتخيلون، عندها يتسلل إليهم قدر من الدهشة، وربما الشك، بين ما يرونه عبر شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، وبين ما يسمعونه من رواية مغايرة على الأرض. هذا التباين الحاد يكشف عن فجوة متنامية بين الصورة المنقولة والواقع المعاش، حيث تبدو المنطقة في الإعلام وكأنها ساحة مفتوحة للفوضى، بينما تظل في حقيقتها أكثر تماسكًا واتزانًا، رغم كل ما يحيط بها من توترات. 

قد يكون ما يراه الآخر عنا، هو ذاته ما نراه نحن عن الآخر الذي يعيش تحت القصف؛ إذ تميل مخيلتنا، بدافع إنساني وعاطفي، إلى تصور أن الحياة في مناطق الصراع قد توقفت تمامًا، وأن الشوارع خلت من المارة، وأُغلقت المحلات التجارية، وتحول المشهد إلى مشهد خوف وترقب.

غير أن هذه الصورة، على قوتها، لا تعكس كامل الحقيقة بقدر ما تعكس جانبًا منها. فالحياة، حتى في أقسى الظروف، تملك قدرة لافتة على الاستمرار، وإن بإيقاع مختلف تحكمه الحيطة والتكيّف، فيستمر الناس في الذهاب إلى أعمالهم، وممارسة أدوارهم اليومية، والانشغال بتفاصيلهم الصغيرة التي تمنحهم قدرًا من الاتزان وسط الفوضى.

يخبرني صديق من لبنان، يعيش تفاصيل القصف المتكرر على العاصمة، أن الحياة لم تتوقف كما يُعتقد، بل أعادت تشكيل نفسها وفق شروط الواقع القاسي؛ تسمع دوي انفجار، فتلتفت للحظة لتحديد مصدره، ثم تواصل طريقك أو تستأنف عملك، وكأن الخوف بات جزءًا من الإيقاع اليومي. ومع الوقت، لا يختفي القلق، لكنه يتحول إلى حالة من الاعتياد الحذر.

لا يختلف هذا المشهد كثيرًا عما عاشته مدن أخرى واجهت القصف، ووجد سكانها أنفسهم أمام خيار واحد هو الاستمرار والبقاء والصمود في وجه المصائب التي حلت بهم. والتاريخ يخبرنا كشاهد عيان عما حدث في برلين خلال الحرب العالمية الثانية، وفي لندن أثناء الغارات الجوية، وفي اليابان التي تعرضت لقصف مكثف؛ فلم تتوقف الحياة في تلك العواصم بالكامل كما قد نتصور، بل تراجعت حدّتها وتكيّفت مع الخطر.

كان الناس يهرعون إلى الملاجئ عند سماع صفارات الإنذار، ثم يخرجون بعد انتهاء الغارة ليتفقدوا بيوتهم وأهلهم، قبل أن يعودوا إلى أعمالهم أو يفتحوا متاجرهم من جديد. في لندن، على سبيل المثال، وخلال الحرب العالمية الثانية وتحت القصف النازي، تحولت محطات المترو إلى أماكن يقضي فيها الناس ليلهم، ينامون على الأرض أو يتبادلون الأحاديث، ثم يخرجون صباحًا إلى أعمالهم وكأن يومًا جديدًا يجب أن يبدأ مهما حدث.

وفي اليابان، رغم قسوة الدمار، ظل الناس متمسكين بما يمكن إنقاذه من تفاصيل حياتهم اليومية، من العمل إلى التواصل مع الآخرين. وحتى في طهران التي تتعرض لوابل من القصف الأمريكي الإسرائيلي شبه اليومي، استمرت الحركة في الشوارع والأسواق، وإن بحذر واضح.

هذه التجارب تذكرنا بأن الإنسان، حين يواجه الخطر، لا يملك ترف التوقف طويلًا؛ فهو يختبئ حين يشتد القصف، ثم يعود ليكمل يومه، يسأل عن أحبته، ويتابع شؤون حياته، لأن الاستمرار بالنسبة له ليس خيارًا، بل ضرورة.

لن تتوقف الكوارث والأوبئة والحروب عن هذا العالم؛ فهي سنن تتكرر عبر الزمن، تحمل في طياتها الكثير من العبر والدروس للإنسان، وتضعه دائمًا أمام اختبار قدرته على الصبر والتكيّف والاستمرار. ومع ذلك، لم يتوقف البشر يومًا عن السعي في هذه الحياة، ولا عن التمسك بها، رغم إدراكهم العميق بأن كل ما يمر بهم، مهما اشتد، هو عابر بطبيعته. يمضي الزمن، وتتغير الأحوال، وتبقى الحياة قادرة على تجديد نفسها، سواء بقي الإنسان شاهدًا عليها أو أصبح جزءًا من ذاكرتها.

هذا الإيمان العميق بديمومة الحياة هو ما يدفع الإنسان إلى الاستمرار، إلى العمل، وإلى التمسك بتفاصيل يومه، حتى في أكثر اللحظات قسوة. فليس التحدي في النجاة فقط، بل في القدرة على مواصلة البناء رغم كل ما يحيط به من صعوبات.

وهنا يحضرني المعنى العميق في الحديث النبوي الشريف: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، في إشارة واضحة إلى أن عمارة الأرض لا تتوقف، وأن الأمل يظل حاضرًا حتى في أكثر اللحظات ظلمة. إنها دعوة للاستمرار، لا بوصفه خيارًا، بل كقيمة إنسانية أصيلة، تؤكد أن الحياة، مهما اشتدت قسوتها، تبقى جديرة بأن تُعاش، وأن هنالك من سيأتي من بعدنا وسيجد ما يستحق أن يحيا من أجله.