الاقتصادية

هل يعيد الذكاء الاصطناعي ملامح الوظائف وتعريف المهارات؟

 


يتسابق سوق العمل العالمي على اقتناء تقنيات الذكاء الاصطناعي، لتسهيل المهام الوظيفية التي باتت تعتمد بشكل كبير على التقنيات الذكية، لتحقيق السرعة والسهولة، مع الدقة والكفاءة، والعمل على تسهيل اقتناص التقنيات والتحكم بها في إدارة الأنظمة وتوجيهها.
هذا التحول السريع في التقنيات الذكية يضع المؤسسات والأفراد أمام مسؤولية إعادة تعريف أدوارهم سواء من حيث طريقة التفكير أو بناء القيمة، مما يقود هذا التحول إلى سوق عمل أكثر كفاءة واستدامة، ذات سرعة وإنجاز أكبر.
فيما، تنذر تقنيات الذكاء الاصطناعي بتأثر بعض الوظائف التي تقوم على معالجة البيانات وإدخالها، ووظائف خدمة العملاء، وبعض المهام المحاسبية الأساسية، مع إعادة تشكيل هذه الوظائف لتصبح أكثر ارتباطًا بالأنظمة الذكية وتحليل مخرجاتها.
كما أوجد الذكاء الاصطناعي، وظائف جديدة مثلا: هندسة الأوامر، وتطوير الوكلاء الذكية، وتحليل البيانات المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وأدوار تتعلق بإدارة وتدريب النماذج.


'عمان' حاورت الخليل بن أحمد العبدلي، مؤسس أكاديمية تقنيات الذكاء الاصطناعي للوقوف على التقنيات الذكية ومدى أهميتها، مع مدى تقديم قراءة تحليلية من واقع الممارسة، والتحول في الوظائف، والمهارات المطلوبة، ونماذج الأعمال الجديدة، إضافة إلى تقييمه لجاهزية سوق العمل في سلطنة عُمان لمواكبة هذه التغيرات، فإلى الحوار..
- كيف تصف التحول الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في سوق العمل عالميا؟
يمكن توصيف ما يحدث اليوم بأنه تحول هيكلي في طبيعة سوق العمل، وليس مجرد تطور تقني عابر. فقد أعاد الذكاء الاصطناعي تعريف كيفية إنتاج القيمة داخل المؤسسات، حيث لم يعد التركيز على تنفيذ المهام بقدر ما أصبح على إدارة الأنظمة الذكية وتوجيهها.
كما أصبح امتلاك أداة ذكاء اصطناعي مخصصة لإدارة مشروع معين يسهم بشكل مباشر في تحسين تنفيذ الأعمال المجدولة، وقياس الأداء بناءً على خطط تشغيلية واضحة.
وجاءت أبرز ملامح هذا التحول تتمثل في تقليص الاعتماد على الوظائف الروتينية، مقابل تصاعد الطلب على الأدوار التحليلية والإشرافية، إضافة إلى بروز نماذج عمل أكثر مرونة تقوم على التكامل بين الإنسان والتقنية.
بحيث ينشغل الإنسان بتحسين الخطط التشغيلية، بينما تتولى الأنظمة الذكية مهام المتابعة، والتذكير، وقياس التقدم وفق مسارات عمل محددة مسبقًا.
- إلى أي مدى يمثل الذكاء الاصطناعي تهديدًا للوظائف التقليدية؟
الذكاء الاصطناعي لا يمثل تهديدا مباشرا للوظائف بقدر ما يمثل تحديا للمهارات التقليدية المرتبطة بها، حيث أن الوظائف التي تعتمد على التكرار أو القواعد الثابتة هي الأكثر عرضة للتأثر، وفي المقابل يسهم الذكاء الاصطناعي في خلق فرص جديدة تتطلب مهارات أعلى، ما يعني أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الأفراد والمؤسسات على إعادة التأهيل والتكيف مع متطلبات المرحلة القادمة، ويمكن فهم 'التهديد' هنا بشكل مختلف، حيث قد يتحول لاحقًا إلى تطوير لنفس الوظيفة.
على سبيل المثال، محلل البيانات الذي كان يعتمد على قراءات متعددة، أصبح اليوم مدعوما بأداة ذكاء اصطناعي تقوم بالبحث، والتلخيص، وإرسال التنبيهات وفق معايير يحددها هو بنفسه، وبالتالي فإن الخطر يكمن في عدم امتلاك الأدوات المناسبة التي تعزز أداءها.
- برأيك ما أبرز الوظائف التي ستتأثر خلال السنوات القادمة نتيجة طفرة التقنيات الحديثة؟
من المتوقع أن تتأثر الوظائف التي تقوم على معالجة البيانات بشكل نمطي أو تقديم خدمات معيارية، مثل إدخال البيانات، وخدمة العملاء التقليدية، وبعض المهام المحاسبية الأساسية، وطبيعة التأثير لن تكون بالاختفاء الكامل، وإنما بإعادة تشكيل هذه الوظائف لتصبح أكثر ارتباطًا بالإشراف على الأنظمة الذكية وتحليل مخرجاتها.
فمثلا، موظف خدمة العملاء سيتحول إلى خبير يشرف على تدريب الأنظمة الذكية لتحسين جودة التفاعل مع العملاء، كما أن مدخل البيانات سيحتاج إلى مهارات مثل هندسة الأوامر والتحكم في الوكلاء الذكية لإدخال وتصنيف كميات كبيرة من البيانات بكفاءة عالية.
ومن المهم التأكيد على أن التأثير المتوقع هو تأثير إيجابي في جوهره، حيث ستتسلح الوظائف بالذكاء الاصطناعي أكثر مما ستتأثر به سلبًا، بشرط تطوير المهارات التقنية المرتبطة بكل مجال.
- ما الوظائف الجديدة التي بدأ الذكاء الاصطناعي في إيجادها في سوق العمل؟
شهدنا خلال الفترة الأخيرة ظهور وظائف جديدة مرتبطة بشكل مباشر بالذكاء الاصطناعي، مثل هندسة الأوامر، وتطوير الوكلاء الذكية، وتحليل البيانات المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى أدوار تتعلق بإدارة وتدريب النماذج.
كما بدأت تظهر نماذج أعمال جديدة، مثل بيع أو تأجير النماذج اللغوية، أو ما يمكن تسميته 'بيع خبرة النموذج' عبر بيانات التدريب المتخصصة.
ونفرض مثلا، يمكن تطوير نموذج لغوي مخصص لقطاع معين مثل عيادات الأسنان، يتم تدريبه على الإجراءات والعلاجات والوصفات، ثم يباع أو يؤجر للجهات المستفيدة، وفي مجال الوكلاء الذكية، أصبح هناك تنوع في الأدوار؛ فهناك من يقوم ببناء الوكيل، وهناك من يعمل كمستشار لتحليل احتياج العميل وتحديد ما إذا كان يحتاج إلى نظام متكامل أو إلى مهارات محددة ضمن النظام.
وقد يكون النموذج على شكل اشتراك، أو بيع كامل 'للكود' مع دعم تقني مستمر، وهذا التوجه بدأ يظهر فعليا في سلطنة عُمان، حيث تبنّت بعض المؤسسات هذا النوع من الخدمات وبدأت في إدماج الذكاء الاصطناعي داخل بيئة العمل.
- كيف تقيّم جاهزية وظائف الذكاء الاصطناعي في سوق العمل بسلطنة عُمان؟
تُظهر سلطنة عُمان توجها واضحا نحو تبني التحول الرقمي، ويتجلى ذلك في المبادرات الحكومية والاهتمام المتزايد بتأهيل الكوادر الوطنية، كما نشهد ظهور مؤسسات عُمانية بدأت في تقديم خدمات متقدمة مثل تطوير الوكلاء الذكية والنماذج اللغوية المخصصة، سواء للاستخدام الداخلي أو للتأجير والبيع، وهو مؤشر إيجابي على جاهزية السوق وقدرة الكفاءات الوطنية على الدخول في هذا المجال.
إلا أن التحدي الأساسي يكمن في تسريع وتيرة التطبيق العملي، وتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، حيث لا يزال حجم التبني محدودًا مقارنة بعدد المؤسسات، وهذا يتطلب تعزيز المهارات التقنية لدى الأفراد لتمكين المؤسسات من تنفيذ مشاريعها الذكية بكفاءة أعلى.
ما أهم المهارات التي ينبغي تطويرها لتواكب التقنيات الذكية؟
تتجه المهارات المطلوبة نحو مزيج من القدرات التقنية والمعرفية، من أبرزها التفكير التحليلي، والقدرة على التعلم المستمر، وفهم أدوات الذكاء الاصطناعي وآليات عملها، كما برزت مهارات جديدة مهمة، مثل رسم خرائط تدفق العمليات وتدفق المعلومات، وهي مهارات أساسية في تصميم الأنظمة الذكية داخل المؤسسات، إضافة إلى مهارة كتابة الكود وتحليله، ليس بالضرورة من منظور برمجي كامل، ولكن لفهم كيفية توجيه الأنظمة وتنفيذ الأتمتة.
وبرزت مهارة هندسة الأوامر، والتي تطورت لتشمل عدة مستويات، مثل صياغة المعلومات، وكتابة التعليمات، وبناء المطالبات، وهي مهارات تعكس قدرة الفرد على فهم كيفية تفكير النظام الذكي والتعامل معه بشكل فعّال.
- كيف يمكن للمؤسسات تحقيق التوازن بين الإنسان والذكاء الاصطناعي؟
يتحقق التوازن عندما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز قدرات الإنسان، وليس بديلاً عنه.
فالمؤسسات الناجحة هي التي تتبنى أتمتة المهام المتكررة، مقابل الاستثمار في تطوير مهارات الموظفين، مع إعادة توزيع الأدوار، بحيث يركز الإنسان على الجوانب الإبداعية واتخاذ القرار، ونشير هنا إلى العامل النفسي والوعي بالتقنية يلعبان دورا مهما، حيث يؤدي فهم الإنسان لطبيعة الأنظمة الذكية وآلية عملها إلى تطوير أسلوبه الخاص في التعامل معها، وعند هذه المرحلة، تصبح جودة النتائج مرتبطة بشكل مباشر بجودة صياغة الطلبات والتوجيهات المقدمة للنظام.
- كيف ترى مستقبل الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل اليومية، ومدى تأثيره على سرعة الإنجازات؟
من المتوقع أن تتجه العلاقة نحو نموذج تكاملي، يصبح فيه الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيا من بيئة العمل اليومية، مما يرفع كفاءة الأفراد ويمكنهم من إنجاز مهام أكثر تعقيد بموارد أقل، إلا أن هذه العلاقة يجب أن تبنى ضمن بيئة آمنة، خصوصًا عند التعامل مع البيانات الحساسة والتشغيلية، فاعتماد المؤسسات على أنظمة ذكاء اصطناعي مرتبطة بمراكز بيانات خارج نطاقها، قد يطرح تحديات تتعلق بالسيادة على البيانات، ومن المهم في بعض الحالات بناء الأنظمة داخل بيئات محلية أو إقليمية، لضمان التحكم في البيانات وموثوقية العلاقة بين الإنسان والنظام الذكي.