بينما يدمر ترامب إيران.. يدمر القوميون الإنجيليون النظام العالمي
الاحد / 16 / شوال / 1447 هـ - 22:34 - الاحد 5 أبريل 2026 22:34
ترجمة - أحمد شافعي
في هذه الأيام، لا نسمع كثيرًا نشيد «إلى الأمام يا جنود المسيح»، برغم أن هذا النشيد القتالي كان في يوم من الأيام أثيرًا في المحافل الكنسية والفعاليات المدرسية، كتبه الكاهن والعالم الإنجليزي سابين بارنج جولد سنة 1865، وفيه لازمة قتالية متكررة تحث المؤمنين على القتال والنصر والغزو: «إلى الأمام يا جنود المسيح... ماضين نحو الحرب... حاملين صليب يسوع ...ماضيًا أمامكم».
وتلك نبرة عسكرية ملائمة لروح العصر الفكتوري لكنها صارت تثير القلق بعد ذلك في نفوس الأجيال التالية (وإن استمر غناؤها في مدرستي الابتدائية حتى أوائل ستينيات القرن الماضي)، وفي أيامنا هذه، باتت هذه النزعة الانتصارية إساءة إلى الدين.
وهذا ما لا يمكن أن يوافق عليه قطعا بيت هيجسيث وزير الدفاع الأمريكي، والجندي المسيحي البارز؛ فلعله يدندن بهذا النشيد وهو في طريقه إلى العمل.
ففي قداس مسيحي أقيم في البنتاجون ـ وهو أمر غير معهود في ضوء كراهية هذه المؤسسة لأي شيء فيه شبه بدين للدولة ـ دعا هيجسيث على إيران مستعملا كلمات «العنف الطاغي ضد من لا يستحقون الرحمة»، وعقيدة هيجسيث هي القتل، وهو يصف الإيرانيين بـ«المتعصبين دينيا». وهو أعلم بهذا؛ فالقومية المسيحية الإنجيلية المتعصبة التي ينتمي إليها قومية متطرفة حتى بموجب المعايير الأمريكية، لكنها مع ذلك تحظى بدعم دونالد ترامب. ولقد كان ترامب مسيحيا حتى عام 2020 حين أعلن فجأة أنه لم يعد كذلك. ولا يعلم إلا الله على أي ملة هو الآن.
والحق أن استغلال الدين المسيحي لأغراض سياسية وعسكرية هو ممارسة أمريكية قديمة، غير أن لها جانبا خفيا كريها؛ ففي النهج الرسمي لشيطنة الأمة الإيرانية وتجريدها من إنسانيتها يندرج ضمنيا خوف من الآخر وازدراء له، والآخر في هذه الحالة يتمثل في المسلمين الشيعة. وكان أحد أوائل قوانين رئاسة ترامب سنة 2017 أنه حظر الهجرة من العديد من البلاد ذات الأغلبية الإسلامية، ثم استمر على نهج الكراهية هذا.
يرى أغلب المسيحيين المتدينين أن السطو على الدين وتشويهه وتسليحه لتبرير الموت والخراب وغرس بذور الفرقة وتبرير جرائم الحرب وقصف إيران حتى «ترجع إلى العصور الحجرية» أمر باعث على حزن عميق. إذ يؤمن المسيحيون ـ الذين احتفلوا بالفصح يوم الأحد ـ أن صلب يسوع كان من أجل الإنسانية كلها، غفرانا للخطايا، وليس من أجل الانتقام الحقود والكبرياء والهيمنة. ولقد تحدث البابا ليو باسم الكثيرين ممن لا ينتمون إلى الكنيسة الكاثوليكية خلال قداس أحد الزعف في روما، حينما رفض بشدة محاولات المتعصبين لتجنيد المسيحية». وقال مستشهدا بإشعياء: إنه «لا يمكن لأحد أن يستعمل يسوعا لتبرير حرب» وإن صلوات دعاة الحرب لن تستجاب فـ«أيديكم ملطخة بالدم».
لا يعارض المسيحيون كلهم حرب ترامب وبنيامين نتنياهو الاختيارية على إيران. غير أن في بريطانيا من يشتركون مع البابا ليو في غضبه ومنهم روان وليمز أسقف كانتربيري السابق، كما أن لهذا الغضب صدى لدى المسلمين في أرجاء العالم الإسلامي ولدى اليهود في أرجاء العالم.
ويعكس هذا الغضب معركة أكبر كثيرا مع الطريقة التي يتجاهل بها القادة المستبدون في عالمنا اليوم القانون الدولي ويشجعون تفكك «النظام العالمي القائم على القواعد» منذ عام 1945 بل يستغلونه. وعادة ما تقاس تكلفة هذا الانهيار على أساس الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية، وتفكك التحالفات، والأفعال أحادية الجانب المحصنة من العقاب، من قبيل غزو أوكرانيا والإبادة الجماعية في غزة في حين أنه لا بد من حسبان إضفاء الصبغة الوحشية الشيطانية على النظام العالمي مسألة أخلاقية أيضا؛ فانهياره يمثل أزمة أخلاق أساسية ومطلقة.
ولعل عالم الصراعات الذي نعيشه بحاجة الآن أكثر من ذي قبل إلى أصوات مستقلة لا علاقة لها بالسياسة ذات عزيمة، وعلى قدر كاف من الشجاعة لأن تجهر بالحقيقة في وجه السلطة، ولأن تقف في مواجهة المتنمرين المستبدين، ولأن تدافع عن الأضعف، وتفضح الظلم وخروج الدول على القانون. وحينما تخفق القيادة الدنيوية، وتتبدد الثقة في الحكومات العلمانية وفي رجال السياسة، وحينما يتلاشى الإيمان بالديمقراطية، ويتهدد الناس في أمنهم الأساسي والمادي والمالي بسبب قوات لا سيطرة لهم عليها؛ فمن في هذه الحالة سيقف في وجه الاستبداد؟ وبيأس متزايد، وفيما تكون المجتمعات المأزومة معلقة على صلبان هي من صنع أيديها، فإنها تجأر طلبا لملاذ روحي.
في هذا الصراع العالمي مع الفوضى، لا بد أن يكون للأديان جميعا دور. غير أنه في أحدث تجليات تلك الفوضى، أي في حرب إيران، بدا رد الفعل في الغالب حذرا ومنقسما؛ ففي المملكة المتحدة تجنبت سارة مولالي ـ التي نصبت الشهر الماضي أسقفا لكانتربيري ورئيسا للكنيسة الأنجليكانية العالمية ـ ذكر الحرب في أول عظة لها.
وفي المقابل، أدان جولي فرانسيس ديهقان، أسقف تشيلمسفورد إيراني المولد، الحرب باعتبارها غير شرعية، أو أخلاقية، أو عادلة.
وكان اغتيال إسرائيل خامنئي ـ القائد الإيراني الأعلى وصاحب السلطة الدينية الرفيعة على المسلمين الشيعة في كل مكان ـ استفزازا استثنائيا وغير قانوني.
غير أن ردود الفعل الإقليمية انقسمت على أسس طائفية، وبرغم أن الحرب لها شعبية لدى الإسرائيليين اليهود فإن أغلبية الأمريكيين اليهود يعارضونها؛ إذ يقول 77%: إن ترامب لا يملك خطة بحسب استطلاع أجرته جيه ستريت. والانقسامات نفسها قائمة فيما يتعلق بأوكرانيا؛ حيث حظرت كييف المؤسسات الدينية المرتبطة بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية الموالية لبوتين والمؤيدة للحرب.
ولا جديد في هذه الانقسامات والانشقاقات. غير أنه في مواجهة الانهيار الجيوسياسي العالمي، تقع على عاتق القادة المسيحية من شتى المشارب مسؤولية أخلاقية واضحة بالتوحد في حركة كفاحية متحدة واضحة في مناهضة الحرب ومناصرة العدالة. والحقيقة أن بإمكان القادة من أصحاب جميع العقائد، لا المسيحية وحدها، أن يلجأوا إلى العمل الجماعي، بل إن ذلك واجب عليهم.
فرواد المساجد في طهران وبيروت وغزة، والمعابد في تل أبيب والقدس وشمالي لندن، والكنائس من كانتربيري إلى سينسيناتي، وأبنائهم ـ أعني أبناءهم المماثلين للأطفال الذي قتلهم صاروخ توماهوك في ميناب ـ كلهم مشتركون في مصلحة واحدة هي حماية حق الإنسان الأساسي في الحياة والعمل، والإيمان بالرب الذي يرتضيه ضميره دونما تعرض للتفجير أو الإرهاب أو الاضطهاد والتضليل اللئيم على أيدي ساسة طائشين.
وبرغم خطاب ترامب القيامي، وحديثه الإثاري على الإنترنت عن «نهاية الزمن» وهرمجدون، فإن هذه الحرب هائلة الأضرار عديمة المبررات المخزية قد ترغم الأمريكيين في إعادة النظر في علاقتهم الأخلاقية بالعالم. فهل ترامب هو الملوم وحده -كما تساءلت الكاتبة الأمريكية ليديا بولجرين-، أم أنه «تجسيد لما كان عليه الأمريكيون دائما، أي الأمة المكتفية بذاتها، التي ترخص لها أساطيرها المتعلقة بالعناية الإلهية والاستثنائية أن تفعل ما تشاء»؟ تذهب ليديا بولجرين إلى أن رئاسة ترامب فضحت داء قديمًا هو إيمان أمريكا الراسخ بقدرتها على صياغة العالم على هواها دونما مبالاة بما قد يرغب فيه الآخرون، وبثقة مطلقة في أن خططها هي الصواب. فبعيدا عن ترامب؛ هذه هي العقلية المشوهة التي علينا نحن الأمريكيين أن نواجهها».
فلندعُ الله أن ينضم ترامب وأتباعه المارقون في عيد الفصح من العام الحالي إلى هذا التأمل المحمود في الذات، فيوقفوا حربهم الصليبية على إيران، وأن يتخلصوا أيضا من تلك الترنيمة الفكتورية؛ فالقوميون الإنجيليون الأمريكيون المتعصبون هم المعادل الحديث لما وصفه كتاب لا ينسى صدر سنة 1964 لديانا ديوار خبيرة التعليم الديني للأطفال بـ«الجنود المسيحيين المتخلفين». فاليمين الديني كدأبه - وكحال اليمين عامة- يتقدم بهيجان في الاتجاه الخاطئ.
سيمون تيسدال متخصص في الشؤون الخارجية في ذي جارديان