السيادة تستدعي مراجعة عاجلة للذات في الشرق الأوسط
الاحد / 16 / شوال / 1447 هـ - 22:31 - الاحد 5 أبريل 2026 22:31
شاناز إبراهيم أحمد
على شاشات التلفزيون العراقي، يتحدث المواطنون العاديون بما عُرف عنهم من صراحة مباشرة لا تعرف المواربة. رجل مسن في البصرة يتساءل بحدة: لماذا تعود القوى الكبرى مرة أخرى لتجلب الدمار إلى شوارع سار فيها لعقود؟ وامرأة عجوز في الأهوار تستغيث من أجل الماء: «لماذا يتبادلون إطلاق الصواريخ من جديد ونحن لا نجد حتى الماء؟».
في أنحاء الشرق الأوسط والخليج، بدت المشاهد سريالية، تكاد تكون أقرب إلى نهاية العالم. أبراج فضية كانت تُقدَّم يوما بوصفها رموزا للحداثة والازدهار، وهي تتغطى بحطام يتساقط فوقها. مدارس ومنازل ومستشفيات ومراكز تسوق وفنادق أصابها الضرر. مطارات تعطلت، ومسافرون عالقون في صالات كانت تُحتفى بها باعتبارها عنوانا للفخامة والتسوق المعفى من الرسوم. منطقة سعت إلى تقديم نفسها منارة للطموح والتقدم، تقف اليوم مكسوة بالدخان والخوف. وبين كل ذلك، يظل السؤال نفسه يتردد: لماذا نتحمل كل هذا؟
الناس العاديون لا يريدون سوى أن يعيشوا. الكرامة والاستقرار وفرصة المضي في الحياة اليومية أصبحت أولى ضحايا قرارات تُتخذ في عواصم بعيدة. هذه الحرب لا يحركها أولئك الذين يدفعون ثمنها، واستمرارها، بكل هذه الكلفة الإنسانية الهائلة، يفتقر إلى أي مشروعية أخلاقية.
على مدى عقود، كانت الحروب تصل إلى منطقتنا مغلفة بشعارات التحرير أو الاستقرار أو الدفاع الاستباقي. وفي كل مرة، تُدعَم جماعات مسلحة، وتُمكَّن ميليشيات، وتُشجَّع قوى معارضة، ثم يُتخلى عنها حين تتبدل الأولويات. وتُستغل خطوط الصدع القديمة، سواء كانت إثنية أو طائفية أو قبلية، فينقلب الجيران على بعضهم بعضا، وتتحول المدن إلى ساحات قتال. لقد رأينا هذا من قبل. الحلقة نفسها تتكرر بلا نهاية.
هنا في العراق، هذه حكاية نعرفها جيدا. ومع ذلك، ففي هذه الدورة الجديدة من الفوضى، يحظى العراق بشرف ملتبس يتمثل في كونه البلد الوحيد الذي يتعرض في الوقت نفسه لهجمات خارجية، ويُستهدف أيضا من داخل حدوده. وقد تعرض إقليم كردستان وحده لأكثر من 450 طائرة مسيرة وصاروخا منذ بداية الحرب، بما في ذلك هجمات نفذتها جماعات ميليشياوية عراقية. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل 14 شخصا على الأقل وإصابة 85 آخرين.
وخلال العقود الماضية، أقامت قوى أجنبية قواعد عسكرية في مدن الخليج تحت شعار الضمانات الأمنية. هذه المنشآت نفسها، التي قيل إنها وجدت للحماية، تحولت إلى أهداف للهجمات، وأسهمت في تغذية دوامات العنف. ومدن كانت تُرى يوما مراكز للتجارة تجد نفسها الآن في الخطوط الأمامية، بعدما استدعت المنظومات الدفاعية ردودا انتقامية، بما يثير أسئلة عما إذا كانت القيادات، أو المواطنون، قد أدركوا حقا الآثار البعيدة المدى لهذه الترتيبات.
الدمار لا يتوقف عند المباني المحطمة. الأطفال يتعلمون أصوات أنظمة الاعتراض قبل أن يتعلموا جداول الضرب. تتوقف السياحة، وينسحب المستثمرون، ويبدأ الشباب في البحث عن مستقبل في أماكن أخرى. وتتفكك الروابط الاجتماعية مع عودة النزعات الطائفية إلى السطح، ومعها يتسع الشك في القيادات، المحلية منها والخارجية.
ما الهدف، على وجه الدقة، من هذا الدمار الشامل؟ هل هو تغيير النظام؟ الردع؟ إعادة رسم الخرائط؟ احتواء الخصوم عبر الوكلاء والضغوط؟ بالنسبة إلى من يعيشون تحت مسارات الطائرات وخطوط الصواريخ، تبدو الاستراتيجية غامضة. وهناك احتمالان يفرضان نفسيهما: إما أن هناك تصميما كبيرا، محسوبا بعناية، يُعامل فيه الناس العاديون بوصفهم أضرارا جانبية. أو أنه لا توجد خطة حقيقية من الأساس، بل مجرد تصعيد يولد تصعيدا، ورد فعل يستدعي رد فعل، إلى أن تكتسب الأحداث زخمها الخاص وتفلت من السيطرة.
حتى إعلانات السلام الصادرة عن قادة العالم باتت تحمل قدرا من الالتباس، إن لم يكن من سوء القصد الصريح. فحين كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخوض حملته لإعادة انتخابه، تحدث عن رغبته في «السلام»، لكن المرء يجد نفسه متسائلا عما إذا كانت الكلمة قد قُصد بها فعلا كما سُمعت. هل كان يقصد، ربما، «قطعة»؟ قطعة من أرض، أو من بلد، أو من موارده؟ وفي خطابه يوم الأول من أبريل، توعد الرئيس الأمريكي بقصف إيران وإعادتها «إلى العصور الحجرية»، بعد أن صعّد الهجمات، بالتنسيق مع إسرائيل، مستهدفا مركزا للأبحاث الطبية في طهران يعود عمره إلى قرن، إلى جانب جسر ومصانع للصلب. وبغض النظر عن الموقف السياسي أو الانتماء الأيديولوجي، فإن التهديد بإعادة واحدة من أقدم الحضارات المستمرة في العالم، التي يمتد تاريخها لأكثر من خمسة آلاف عام، «إلى العصور الحجرية»، لا يكشف فقط عن جهل فادح بالتاريخ، بل يعبر عن همجية فظة.
ومع ذلك، فالمسؤولية لا تقع على الخارج وحده. لقد أجرى قادة الإقليم هم أيضا حساباتهم الخاصة انطلاقا من مكاسب قصيرة الأمد. فالتحديث الاقتصادي البرّاق لم يواكبه تحصين سياسي من صراعات القوى الكبرى. وفي مختلف أنحاء منطقتنا، تبرز حاجة ملحة إلى مراجعة صادقة للذات حول المعنى الحقيقي للسيادة، وما إذا كان تنويع الخيارات الدبلوماسية يوفر حماية فعلية، وما إذا كان الاندماج في صراعات القوى العالمية قد جعل الفكاك منها أمرا متعذرا.
في النهاية، أجد أفكاري تعود إلى الصوتين نفسيهما: صوت الرجل المسن الذي شاهد عقودا من الاضطراب تجتاح الشوارع التي عرفها، وصوت المرأة في الأهوار التي تتساءل لماذا تطير الصواريخ حين لا يصل الماء. نداؤهما ليس أيديولوجيا؛ إنه نداء أولي وبديهي: نحن نريد فقط أن نعيش. إن كانت هناك خطة تقف وراء هذا الدمار، فيجب إعلانها بوضوح. وإن كانت هناك تضحية مطلوبة، فيجب تبريرها بصراحة. وإن كان القصد من هذا الخراب أن يحقق غاية أعلى، فلا بد من إثبات ذلك لأولئك الذين يدفعون الثمن الفادح. الشعارات المعاد تدويرها لم تعد تقنع مجتمعات أنهكتها الحروب المتعاقبة. ما نحتاجه هو الحوار، لا الحرب.
شعوبنا ليست وكلاء يُستدعون ثم يُتخلّى عنهم. مستقبلنا ليس ملكا لكم كي تصوغوه. وحياتنا ليست ثمنا جانبيا لاستراتيجياتكم.
شاناز إبراهيم أحمد هي السيدة الأولى في العراق.
عن مجلة نيوزويك