أفكار وآراء

عُمان ووظيفة الحياد

في صباح الثامن والعشرين من فبراير الماضي، كان في وسع المنطقة أن تذهب في اتجاه آخر غير الذي تسير فيه اليوم. قبل ساعات من انطلاق الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، كان السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية يتحدث بلغة توحي أن باب التسوية يوشك أن يفتح على مصراعيه. ثم تحركت الطائرات، وتراجع الكلام أمام النار، ودخل الخليج طورا جديدا من الخوف والقلق وغياب اليقين. بعد ذلك بأيام، أصابت الحرب المصالح العُمانية نفسها. ومع ذلك لم تغيّر سلطنة عُمان لغتها الأساسية. لم تتعامل مع التهدئة باعتبارها أثرا من آثار زمن مضى. وبحثت عن المخارج وما زالت دون يأس أو إحباط. 

هذه البداية ضرورية لأنها تضع المسألة في موضعها الصحيح. فالحديث هنا لا يدور عن دولة تجنبت الخطر من بعيد، ولا عن عاصمة تراقب المشهد من وراء الزجاج. الحديث عن دولة شعرت بارتدادات الحرب على أرضها، ثم قررت مع ذلك أن تحافظ على وظيفتها السياسية والتاريخية. وهنا تحديدا تكمن أهمية الحالة العُمانية. فالقيمة الحقيقية للوساطة لا تظهر حين تكون المنطقة هادئة، وإنما عندما تصبح كلفة الاعتدال نفسها باهظة. 

كثيرا ما قُرئ الحياد العُماني بوصفه ميلا إلى تجنب الصراعات، وهذه قراءة ناقصة. فسياسة مسقط لم تقم على الهروب من التناقضات، بل على فهم متراكم لها، وعلى قناعة بأن الاقتصاد في الكلام قد يكون أحيانا جزءا من الفعل السياسي نفسه. 

في السياسة الخارجية، توجد دائما عوامل ثابتة وعوامل متحركة. الثوابت تصنعها الجغرافيا والتاريخ. أما المتغيرات فتولّدها موازين القوة، وحالة الإقليم، ومزاج الداخل، وطبيعة اللحظة الدولية. وفي حالة عُمان، تدخل الجغرافيا في صميم القرار السياسي. فعُمان تطل على مدخل مضيق هرمز، أحد أكثر الشرايين حساسية في الاقتصاد العالمي، وتعيش في بيئة إقليمية تعرف من تجاربها المتراكمة أن الحروب فيها لا تبقى داخل حدودها الأولى. وحين تكون الدولة واقعة عند هذا المفصل بالذات، فإنها تتعلم مبكرا أن اندفاع الآخرين نحو القوة يخلق عليها أعباء لا تملك ترف تجاهلها. 

ثم يأتي التاريخ ليضيف طبقته الخاصة. فعُمان الحديثة لم تبنِ علاقاتها الإقليمية على فكرة الاصطفاف الحاد، وإنما على قدرة متدرجة على التحدث إلى قوى لا تتحدث إلى بعضها. وهذا ثمرة استثمار طويل في المصداقية والثقة. والثقة هنا لا تصنعها التصريحات، وإنما يصنعها سلوك متكرر يقتنع معه الفرقاء بأن هناك طرفا يستطيع صون قنوات التواصل من دون أن يعبث بمضمونها. 

من هنا فإن الدور العُماني في الاتصالات بين واشنطن وطهران، وفي المراحل التي سبقت الاتفاق النووي لعام 2015 وتلته، كان تعبيرا عن وظيفة تكونت بهدوء، ثم اختبرتها الأزمات مرارا. والوظائف من هذا النوع لا تنشأ في يوم واحد، ولا تبقى قائمة ما لم تتوفر لها ثلاثة شروط: قدر من الاستقلال في القرار، وسمعة في الانضباط، وفهم عميق لحدود القوة وحدود اللغة في آن واحد. 

ومع ذلك، فإن القول إن عُمان حافظت على هذا الدور لا يكفي وحده لتفسير أهمية موقفها في الحرب الراهنة؛ لأن السؤال الأصعب يبدأ من هنا: ما قيمة قناة اتصال في إقليم تحكمه الطائرات المسيّرة والصواريخ وحسابات الردع؟ أليست القوة الصلبة هي التي ترسم الحدود الحقيقية للمشهد؟ الجواب أن القوة ترسم الميدان، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد المخارج. وفي الحروب الإقليمية، تصبح الدولة التي تُبقي قنوات الاتصال مفتوحة جزءًا من الأمن نفسه. ليست بديلا من ميزان القوة، لكنها تمنع ميزان القوة من أن يتحول إلى لغة وحيدة. واللغة الوحيدة في مثل هذه البيئات تنتج سوء تقدير، وسوء التقدير يطيل الحروب، ويوسع ساحاتها، ويرفع كلفتها على من لم يقررها أصلا. 

على هذا الأساس، يُفهم الحياد العُماني بوصفه وظيفة استراتيجية. فمسقط لا تتحرك من خارج الإقليم، ولا تدعي أنها قادرة على وقف الحروب وحدها، لكنها تعرف أن انقطاع الخطوط بين الخصوم يفتح الباب أمام أسوأ الاحتمالات. وفي منطقة مشبعة بانعدام الثقة، تصبح القدرة على التحدث إلى الجميع أصلا سياسيا نادرا. 

وجاءت الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران لتكون اختبارا قاسيا لهذه العقيدة. فمن جهة، وجد الخليج نفسه أمام ضغوط غير مسبوقة تدفع نحو إعادة تعريف الأمن بلغة أقرب إلى الحشد منها إلى السياسة. ومن جهة أخرى، بدا في بعض الخطابات الإيرانية وما يدور في محيطها أن أي بنية تعاون أمني مع الولايات المتحدة في الخليج تكفي لإسقاط ادعاء الحياد. وبين هذين الضغطين كانت هناك الوقائع المادية للحرب نفسها: الموانئ، وحركة التجارة، والأسواق، والممرات البحرية. أي أن عُمان لم تواجه ضغط المواقف فقط، بل ضغط الوقائع أيضا. ومع ذلك، لم تتصرف كما تتصرف دولة فقدت أعصابها أو غيرت فلسفتها تحت النار. احتفظت بمسافة محسوبة، وبكلمات موزونة، وبإصرار على أن التفاوض لم يمت. 

وهنا ينبغي الانتباه إلى أن الحياد لا يمنح حصانة مطلقة، ولم تدّعِ عُمان ذلك يوما. وظيفة هذا النوع من السياسات هي تقليل المخاطر، وتوسيع هامش الحركة، ومنع إغلاق الأبواب التي قد تحتاجها المنطقة كلها في لحظة ما. قد تتعرض الدولة التي تلعب هذا الدور للأذى، وتُصاب مصالحها، وتُتهم من هذا الطرف أو ذاك، غير أن معيار نجاحها هو قدرتها على الاحتفاظ بوظيفتها السياسية عندما تصبح الخسارة ملموسة. 

بهذا المعنى، فإن ما جرى لم يُبطل الحجة العُمانية، وإنما كشف صعوبتها الحقيقية وتعقيدها. 

وقد يقال إن هذا تقدير زائد لدور دولة في نزاع تحدد مساراته قوى كبرى. فالولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تملك أدوات التصعيد الأولى. غير أن الأزمات الكبرى تصل، عند نقطة ما، إلى لحظة تحتاج فيها الأطراف نفسها إلى مسارات تختبر عبرها النيات، أو تمرر منها رسالة، أو تفتح بها باب تراجع يحفظ ماء الوجه. عند تلك النقطة تظهر قيمة الوسطاء. لا لأنهم أقوى من المتحاربين، بل لأنهم يوفرون ما تعجز عنه القوة: إمكان الخروج. 

ومن هنا يتجاوز معنى الموقف العُماني حدود عُمان نفسها. فالمسألة تتصل بنوع الأمن الذي يحتاجه الخليج في السنوات المقبلة. لقد عرف الإقليم الاعتماد على الضمانات الخارجية، وعرف كلفتها وتذبذبها. والحرب على إيران أظهرت مرة أخرى أن الخليج لا يستطيع أن يعيش على الردع وحده ولا على الاصطفاف وحده. فهو يحتاج إلى بنية أمنية أوسع يدخل فيها الاقتصاد، والممرات البحرية، وقنوات الاتصال، والقدرة على التحدث مع الخصوم قبل الحروب وأثناءها وبعدها. وفي هذا السياق تؤدي عُمان وظيفة تتجاوز نفسها. 

إن أخطر ما تفعله الحروب أحيانا أنها تغلق الأبواب واحدا بعد آخر. وكل باب يُغلق يفتح احتمالا آخر للفوضى. والدولة التي تقرر-عن وعي وبكلفة معروفة- تُبقي بابا واحدا مفتوحا، تؤدي وظيفة سياسية نادرة. وهذا هو معنى الموقف العُماني في هذه الحرب. فمسقط لا تدعي أنها توقف العواصف، لكنها تعرف أن الإقليم الذي يفقد قنواته جميعا يصبح أكثر عرضة لأن يُدار بلغة واحدة. وعندئذ يخسر الخليج أحد الشروط الضرورية لمنع الحرب من أن تصبح قدرا دائما. 

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة «عُمان»