فيلم «الرحمة».. الذكاء الاصطناعي بوصفه قاضيا ومحققا وملاحقا للمجرمين
الاحد / 16 / شوال / 1447 هـ - 21:05 - الاحد 5 أبريل 2026 21:05
لا شك أن المستقبليات في العديد من الحقول المعرفية والأنواع الإبداعية صارت تشكل ركنا أساسيا في التصورات القريبة وبعيدة المدى، التي صارت تتشكل يوما بعد يوم وبشكل متسارع مع تطور مستحدثات الذكاء الاصطناعي وتغلغل تلك المستحدثات في شتى مجالات الحياة.
من هنا اهتمت السينما بهذا النوع من موضوعات الخيال العلمي التي تذهب بعيدا في قراءة المستقبل وتجسيد الرؤى الاستثنائية المرتبطة به، وشهدنا كيف تتغلغل أدوات الذكاء الاصطناعي في أفلام مثل 'روبوكوب' التي أنتجت في التسعينيات، وسلسلة 'الفاني'، وسلسلة 'ستار تريك'، وسلسلة 'ماتريكس'، وفيلم 'ماكنة الزمن -2001'، وفيلم 'آي روبوت'، وفيلم 'الرجل الحديدي -1999'، وفيلم 'إيليسيوم'، وفيلم 'بافيلون'، وفيلم 'إكس مين -2010'، وفيلم 'كابتن أمريكا'، وفيلم 'مورغان' و'ماكس ستيل'، وكلها من إنتاج 2015، وفيلم 'حرب النجوم -2017'، وفيلم 'تاو' وفيلم 'زوي' وفيلم 'كابتن مارفيل -2018'، وصولا إلى أفلام 'ميغان' وفيلم 'ترون أريس'، وفيلم 'سوبرمان' وفيلم 'كالكي'، وكلها من إنتاج العامين 2025 و2026.
أما في هذا الفيلم للمخرج تيمور بيكمامبيتوف، وهو مخرج متميز وسبق وشاهدنا له أفلاما مهمة مثل أفلام الحركة 'نايت واتش' و'أبراهام لينكولن' وفيلم 'صائد مصاصي الدماء'، وغيرها من الأفلام، ففي هذا الفيلم ها نحن في مدينة لوس أنجلوس في العام 2029؛ حيث تصل الجريمة إلى مستويات غير مسبوقة، فضلا عن تفشي المتشردين وتفاقم تعاطي المؤثرات العقلية، مما يدفع السلطات، وتوفيرا للجهد والوقت وحسم ملفات المجرمين بشكل سريع، إلى اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي لكي يفصل في قضايا أولئك المجرمين.
هنا تتشكل محكمة تقودها قاضية افتراضية من إنتاج الذكاء الاصطناعي - تؤدي الدور الممثلة ريبيكا فورغسون، وخلال ذلك يتم جمع الأدلة والقيام بعمل التحري، واستخدام بيانات ومعلومات الأجهزة السحابية الإلكترونية لتمكين قاضي الذكاء الاصطناعي من إصدار الأحكام. وخلال ذلك يمنح القاضي المتهمين جميع الموارد الرقمية المتاحة للعثور على جميع الأدلة اللازمة لإثبات براءتهم، ولكن بشرط تقديم تلك الأدلة في غضون 90 دقيقة، وإلا سيُعدمون صعقا بالكهرباء.
ها هو المحقق كريستوفر 'الممثل كريس رافين'، من قسم شرطة لوس أنجلوس، وهو من أشد المؤيدين للمحكمة، وهو مقيّد إلى الكرسي الكهربائي، ويُحاكم بتهمة قتل زوجته، وعليه أن يثبت براءته خلال 90 دقيقة لكي تمنحه قاضية الذكاء الاصطناعي صك البراءة.
على الجانب الآخر هنالك المحققون وما تتيحه القاضية من استخدام الملفات السحابية التي تختزن مقاطع كاميرات المراقبة وكافة الوثائق والإيميلات الشخصية، وهو ما سوف تساعد المحققة جاك -تقوم بالدور الممثلة كالي ريس- في ملاحقة الخارجين على القانون، وفي إطار السعي لإنقاذ كريستوفر، وبهذا يتجه السرد باتجاه نسق من المعلومات يرتبط بإثبات براءته في مقابل غموض كامل وتداخلات مجهولة.
وفي نطاق توظيف الحبكة الرئيسية والحبكات الثانوية سوف تظهر مراسلات الزوجة نيكول أنها كانت تتواصل مع زميل لها، فيما هو يتاجر بمواد شديدة الخطورة تفضي بالنتيجة إلى إنتاج المواد المخدرة من جهة والمواد شديدة الانفجار من جهة أخرى، وهو ما سيجري تعقبه بالتدريج في وسط ركام من مقاطع الفيديو والمراسلات المكتوبة والمصورة.
تتصاعد الأحداث مع تصاعد الإيقاع الفيلمي، وبذلك ننتقل من الطبيعة البوليسية إلى المطاردات المصحوبة بكثافة يقدمها الذكاء الاصطناعي، مما تفرج عنه القاضية الافتراضية وهي تأذن بضخ المزيد من الوثائق في تتبع عصابة إجرامية هي التي أوقعت الزوج كريستوفر في فخ الاتهام بقتل زوجته، وبذلك يقدم الفيلم فصلا آخر متصاعدا، وهو مزيج من استخدامات الذكاء الاصطناعي والتحري والجريمة والحركة.
من جانب آخر، عُني العديد من النقاد في تقديم قراءات نقدية متنوعة عن الفيلم، وكان من بينها ما كتبه الناقد إيوين برادمان في موقع 'أكشن إيليت'، إذ يقول: 'لا شك أن هنالك متعة في مشاهدة هذا الفيلم، فهو وظف عنصري الخيال العلمي والحركة توظيفا متميزا، فضلا عن احتواء الفيلم على العديد من المفاجآت التي تُبقي المشاهدين في حالة ترقب، وتبدأ الإثارة الحقيقية في النصف ساعة الأخيرة من الفيلم، وخلال ذلك حافظ الفيلم على إيقاعه وعلى عناصر التشويق والجاذبية، وهناك أيضا المطاردات والانفجارات، وصولا لمشاهد القتال في ذروة الأحداث'.
أما الناقد ريتشارد روبر في موقع 'روجر إيبرت' فقد كتب قائلا: من الملاحظ أن هذا الفيلم اعتمد على استخدام تقنية 'الحياة على الشاشة'، التي ترتكز كليا أو جزئيا على الصور المرئية لأجهزة الكمبيوتر المكتبية والمحمولة، وهذا الأسلوب قد استُهلك إلى حد كبير، بينما يطرح سيناريو 'ماركو فان بيل' تساؤلات مقلقة حول انعدام خصوصيتنا في عالمنا المعاصر المليء بمشاركة الملفات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، وكاميرات المراقبة، ومن يُعرفون بـ'الصحفيين المواطنين' الذين أداتهم الرئيسية هي الهواتف الذكية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وكاميرات الجسم، وغيرها. لكن هذه القضايا تُهمَل سريعا لصالح مشاهد المطاردة التي تعتمد على الطائرات المسيّرة وغيرها من الأدوات والوسائل.
ومع مضي أحداث الفيلم وبعد مرور قرابة نصف الزمن الفيلمي نكون قد انتقلنا إلى صراعات شرسة يقوم خلالها روب -الممثل كريس سوليفان- بالتوجه للانتقام من محكمة الذكاء الاصطناعي ومن كريستوفر شخصيا بسبب قيامهم بالحكم على شقيقه بحسب إجراءات محكمة الرحمة في إدانة المجرمين خلال 90 دقيقة ما لم يثبتوا براءتهم، فيما تواكب المحققة جاك اندفاع روب بشاحنة ضخمة وسط شوارع لوس أنجلوس، وخلال ذلك تتوالى العديد من مشاهد تصادم السيارات واقتحام المباني وتناثر سيارات الشرطة، الذي هو خليط من الخدع الفيلمية والتصوير الواقعي.
من جانب آخر يُقابل الجمود بين كريس وقاضية الذكاء الاصطناعي -مادكس- بسيل لا ينتهي من الصور الملتقطة بأساليب متنوعة، مقاطع فيديو من هواتف محمولة خاصة، لقطات من طائرات الشرطة المسيّرة، وصور التقطتها المطاعم، وكاميرات الشوارع، وكاميرا مراقبة الطيور الخاصة بأحد الجيران، وغيرها الكثير، بينما يجد المشاهد نفسه أنه بصدد استنباط المواقف والأحداث في زمن افتراضي مستقبلي، لا سيما وأن مساحة الأحداث واتخاذ القرار بخصوص جريمة كريستوفر لن تستغرق أكثر من ساعة ونصف الساعة، ولهذا يستنفر كريستوفر كل طاقته للوصول إلى غايته، وهي إثبات براءته.
هذه الموازنة ما بين ما هو مستقبلي وافتراضي في مقابل الأحداث الأكثر واقعية تجعلنا نتساءل عن أي الأحداث أكثر خيالية في مقابل أكثرها واقعية وصرامة، وقبل أن نوجد الجواب فإن افتراض عزل القسم المتعلق بالذكاء الاصطناعي عما سواه من أحداث واقعية سوف يفضي إلى كون الفيلم، من دون ثيمة الذكاء الاصطناعي، مجرد فيلم واقعي اجتماعي، وفيلم مطاردات لا يتعدى ذلك.
...
إخراج: تيمور بيكمامبيتوف
سيناريو: ماركو فان بيل
تمثيل: كريس بات، ريبيكا فورغسون، كالي ريس، أنابيلا واليس، كالي ريس
مدير التصوير: خالد محتسب
مونتاج: أوستين كيلنغ
موسيقى: رامين جوادي