ثقافة

باسم خندقجي: النص لا يولد من ردّ الفعل بل من وعي طويل يتشكّل تحت الضغط

السجن يتحوّل إلى موقع ثقافي حين يُكتب من داخله لا عنه

 

حوار : فيصل بن سعيد العلوي 

ثمة كتابة لا تُقاس بما ترويه... إنما بما تُحدثه من زعزعة، وتجربة الروائي الفلسطيني باسم خندقجي (الذي أمضى أكثر من 21 عاما في سجون الكيان الصهيوني المحتل) تنتمي إلى هذا الحيّز، كتابة تنمو من احتكاك دائم بأسئلة الإنسان والهوية والتاريخ، وتدفع اللغة إلى اختبار قدرتها على التفكير، وهنا يُعاد تركيب الواقع داخل مخيّلة تُصرّ على مساءلته، وعلى احتمالات لم تُمنح له بعد، و«خندقجي» لا يكتب من منطقة واحدة ولا من صوت واحد فنصوصه تتحرك بين طبقات متعددة من الوعي، وتشتغل على تفكيك السرديات الجاهزة، سواء تلك المفروضة من الخارج أو المستقرة في الداخل... وفي هذا الحوار نقترب من باسم خندقجي، الذي كان حضوره إلى عُمان مُرتقبًا بشغف، غير أن المسارات لم تنفتح كما كان مأمولًا... نقترب منه من زاوية مشروعه الكتابي، ومن رهانه على التخييل، ومن تصوّره للهوية باعتبارها سؤالًا مفتوحًا لا يقبل الاكتمال... متوقفا عند السجن كأحد مكوّنات التجربة، ويفتح النقاش على النقد، وعلى الجائزة، وعلى الحياة خارج فلسطين حين تتبدّل العلاقة مع المكان، وتُعاد صياغة فكرة الانتماء في تماسها مع المنفى والحرية والذاكرة، في حوار يُنصت إلى كاتب يجعل من الكتابة فعل تفكير مستمر، ومن التفكير مساءلة للعالم، بعيدًا عن الإجابات النهائية والسرديات المطمئنة، في زمن يزداد فيه الضجيج وتندر فيه الأسئلة الحقيقية.. 

بداية حدثنا عن تجربتك التي تبدو الكتابة فيها فعل وعي طويل أكثر من كونها استجابة لظرف قاسٍ... متى بدأت تشعر بأنها تجاوزت حدود ردّ الفعل، وصارت مساحة تفكير وتأمل خاصة بك؟ 

أعتقد أن تجربة الكتابة منذ البداية كانت تجربة لا تتعلق فقط في واقع مفروض وهو واقع الأسر ولكن هي بشكل أساسي كانت مساحة للتأمل وللتفكير وأيضا أفق معين أحاول من خلاله أن أقوم بالتأمل كما قلت ومن جهة أخرى، أن أقوم بإعادة رسم لملامح الإنسانية فهذا الواقع إذا كان هو واقعا مفروضا كواقع استعماري لا يتعلق الأمر فقط بمواجهته من خلال البحث عن أدوات ودعنا نقول محددات معينة لمواجهة هذا الواقع الأمر الأساسي فيما يتعلق بتجربتي الأدبية أو الكتابية هي تأتي داخل السياق الذي ترعرعت به سياق الوعي الذي نشأ لدي منذ ما قبل فترة الاعتقال، وتجلى كل ذلك خلال فترة الاعتقال وتحولت الكتابة كانت تتراوح ما بين كتابة لمواجهة واقع مفروض وكتابة تسعى لخلق واقع آخر متخيل ومشتهى. 

أعمالك تنشغل بأسئلة الهوية والتحول والتقمص وكأن الذات في نصوصك كيان مفتوح على احتمالات متعددة.. كيف تشكّلت هذه الرؤية، وما الذي قادك إلى هذا الاشتغال المفهومي؟ 

معظم أعمالي تتعلّق بسؤال الهوية. أنا أتعامل مع الهوية باعتبارها مشروعا غير منجز وغير مكتمل، ودائما ما أقول إنني أخشى من الهوية التي تقدّم إجابات جاهزة، أو مقولات ووصفات جاهزة للحياة، لأن الهوية حين تُقدَّم بهذه الصورة تتحوّل إلى منطلق للفاشية والعنصرية. من هنا، فإن سؤال الهوية الذي أشتغل عليه هو في جوهره سؤال يدفع إلى عدم الاكتمال؛ لأنّه لا توجد هوية مكتملة، بل هناك بحث دائم عن محددات هذه الهوية، وفي سياق الواقع الاستعماري غالبا ما تكون الهوية واضحة المعالم، وغالبا ما تتحوّل إلى بحث عن الذات وتأكيد لهذه الذات، والسعي نحو بلورتها داخل هذا السياق، وهذا يتحقّق من خلال أن تكون الذات ذاتا مشتبكة وقادرة على صياغة أولوياتها وترتيبها، بحيث تصبح أولوية الهوية هي المدخل الأساسي في هذه المواجهة.. إذن الهوية هنا بكل ما تحمله من معانٍ: هوية شخصية داخلية أقوم ببنائها من داخلي، وهوية خارجية تتصل بسؤال الثقافة، وسؤال التاريخ، وسؤال الجغرافية السياسية والجغرافية أيضًا، إضافة إلى هوية فكرية، وهذا هو المقصود حين أقول إنني أعمل باستمرار على الاشتغال بمفهوم الهوية، وأنني لم أصل بعد إلى تكوين صورة كاملة لها بكل مناحيها ومستوياتها. 

ما العلاقة التي تربطك باللغة اليوم؟ أتراها أداة قول، أم حقل اختبار، أم كائن حي يتغير معك كلما تغيّرت تجربتك في العالم؟ 

فيما يتعلّق باللغة وعلاقتي بها، أنا لا أتعامل مع اللغة باعتبارها خطابا، ولا باعتبارها مجموعة كلمات أو حروف... أتعامل معها على أنها امرأتي، وعلى أنها المكمّل لي، والتجلّي الأسمى لي ككاتب، وكإنسان، وكمناضل أيضًا.. ومن هنا تتحوّل اللغة إلى كائن حي، وهذا الكائن يتغيّر كما تتغيّر التجربة في العالم.. لم أعد أتعامل مع اللغة على أنها مجرد قوالب جامدة، ولا مجرد قاموس لغوي أنطلق منه لفهم العالم، علاقتي مع لغتي علاقة جدلية أنا أؤثّر فيها، وهي تؤثّر فيّ.. لذلك هي لغة تتنفّس دائمًا، وتسعى نحو الجديد وتسعى قبل كل شيء، نحو التجريب. فاللغة العربية بحكم عمقها وجزالتها وتنوّعها وسعتها، وفّرت لي دائمًا أفقا شاسعا، وملاذا آمنا أستطيع من خلاله أن أخلق لغتي الخاصة، وأن أبحث عنها باستمرار.. هذه اللغة الخاصة كانت بالنسبة لي طوق نجاة داخل الأسر.. لماذا؟ لأنني حوّلت العلاقة بيني وبين اللغة إلى علاقة صوفية، علاقة توحّد واندماج، اندمجت مع لغتي، وتوحّدت معها حتى غدوت أنا لغتي، ولغتي أنا، كما قال الراحل الكبير محمود درويش. 

في روايتك «قناع بلون السماء» يرى البعض أن فكرة القناع تحضر كفعل وجودي... هل ترى أن الإنسان المعاصر مضطر دائما إلى اختراع أقنعة ليحافظ على توازنه الداخلي؟ 

أنا لا أرى أن فكرة القناع في رواية «قناع بلون السماء» هي فعل وجودي، وإنما أتعامل معها على أنها تقنية أكثر منها شأنا وجوديا أو جوهريا.. استخدام القناع في الرواية جاء من أجل تعميق الرؤية السردية للنص، ومن خلال الاشتغال على تقنيات معيّنة تخدم هذا المسار... نعم ربما تأثّرت بفكرة القناع من خلال رؤى وأفكار المفكر التحرري الراحل فرانز فانون، ولا سيما في مقالته المعروفة «أقنعة بيضاء وأجساد سوداء».. لكن استخدام القناع عبر بطل الرواية نور الشهدي كان استخداما طارئا ومؤقتا، واستخداما تحايليا في جوهره، أي مجرد تحايل حين يكتشف الإنسان الفلسطيني أنه مجبر أحيانا على ارتداء قناع الآخر من أجل أن يمر، ومن أجل أن يدخل إلى عالم المركز، وهو العالم الصهيوني، وهناك استخدام للقناع لأغراض محددة داخل السرد، وهناك استخدام يقودنا في النهاية إلى حقيقة تقول إن هذا القناع هو الوجه الحقيقي للفلسطيني نفسه.. ومع ذلك لم أتعامل مع القناع في شخصية نور الشهدي ولا في الرواية عموما على أنه فعل وجودي قائم بذاته.. لذلك فإنَّ الكتابة، وكتابة الرواية تحديدا، بكل ما تحمله من أفكار وثيمات، هي التي تمثّل فعلا وجوديا بشكل أو بآخر. 

كيف أثّرت تجربة السجن في رؤيتك للإنسان وللحرية الداخلية.. وما الذي تغيّر في نظرتك إلى الذات والعالم بعد هذه السنوات الطويلة من العزلة القسرية؟ 

تجربة المعتقل وتجربة السجن من أقسى التجارب الإنسانية، ولا أتمناها لعدوي، حتى هذا الصهيوني الذي قام بأسري طيلة أكثر من واحد وعشرين عاما، لا أتمنى له أن يكون مكاني في السجن.. لماذا؟ لأن السجن يسعى دائما إلى انتزاع الإنسانية، ويسعى دائما إلى تفكيك الإنسان من داخله.. لكنه، من جهة أخرى، يمنح مساحة، ويمنح ركنا متخيّلا، أو دعني أقول مجازا يتعلّق بالرؤية. 

من هنا، فإن السجن منحني فرصة لأن أتوجّه إلى الإنسان الذي في داخلي، وأن أرى العالم كما أشاء أنا، وأن أبحث عن أبعاد تأملية جديدة، وربما استطعت أن أحقق بعضا منها من خلال الكتابة.. وبهذا المعنى، وفّر لي السجن منصة أستطيع من خلالها الإطلال على العالم، وأن أقدّم نصا جديدا، ومغايرا، ومتحدّيا للسجن في الوقت نفسه. 

لكن حين أقول إن السجن منحني، فإن المقصود بذلك أن مواجهتي مع السجن، ومواجهتي مع السجّان، كانت مواجهة اشتباكية يومية.. وبهذا المعنى، أنا من حوّل السجن من مجرد زنازين وعتمة وحديد وقيود وأقفال، إلى شرفة.. شرفة مجازية أطلّ منها على العالم، من خلال زمان ومكان متخيّلين، لطالما كنت أطاردهما داخل هذه المنطقة. 

يحضر فعل التخييل في كتابتك كمساحة أساسية للتعامل مع واقع مثقل، ما الذي يتيحه لك الخيال بين التجربة والكتابة، وأي أسئلة يضعك أمامها؟ 

الخيال كان الجندي المجهول في بقائي، والعنصر الحاسم في نجاتي داخل هذا الفضاء القاسي. لم يكن مجرّد امتداد للكتابة، بل كان الدافع والغاية في آن واحد. في السجن، أن تتخيّل يعني أنك تقاوم؛ لأن الخيال ليس ملاذا للضعفاء، وإنما منارة وحاضن لكل من يحاول مواجهة واقعه بطريقة إبداعية ومبتكرة، وداخل المعتقل، منحني الخيال أفقا رحبا للتعبير عن نفسي، والأهم من ذلك، لاستعادة إنسانيتي. 

كنا، نحن الأسرى في سجون الاستعمار الصهيوني، نخوض معركة يومية دفاعا عن إنسانيتنا، وفي الوقت نفسه محاولة دائمة لاستعادتها... كنت أراقب نفسي كل يوم، وأسأل: هل ما زلت إنسانا، أم أن هذا السجان نجح في اختراقي من الداخل، في اختراق وعيي؟ لكنني كنت أكتشف في كل مرة أنني قادر على المواجهة، من خلال الأحلام التي كنت أراها، ومن خلال الخيال الذي درّبته باستمرار، وحرصت على إطلاقه بلا حدود في عالم الأفكار والكتابة. 

الخيال لم يكن وسيلة لمواجهة السجّان فقط، بل كان أيضا أداة لمواجهة أسئلة وجودية مؤجلة، أكثر قسوة في بعض الأحيان.. أسئلة من قبيل: هل سأموت في السجن، أم سأخرج منه يوما؟ كنت محكوما لأكثر من ثلاثمائة عام، ومع ذلك نجوت من هذه القرون الثلاثة بعد أن قضيت واحدا وعشرين أو اثنين وعشرين عاما فقط.. ما الذي خفّف من وطأة هذا السؤال؟ القدرة على الخيال. الأمل، في بعض لحظاته، كان خيالا يقترب من الوهم، لكنه ظلّ بالنسبة لي، كأسير، شرط البقاء، ووسيلة لتقليل ثقل الزمن، وممرا للاستمرار في الحياة والكتابة. 

تجربتك القرائية تشكّلت في سياقات متباينة فيما قبل الاعتقال وداخله... ما المسار الذي أخذته هذه التجربة، وأي نوع من الأسئلة صار يستوقفك داخل النصوص؟ 

تجربتي في القراءة والمطالعة، يمكن القول إن المداميك الأساسية لانطلاقتها تشكّلت قبل الاعتقال، بحكم نشأتي في أسرة لديها مكتبات ولديها دور نشر في فلسطين المستعمرة، وتكوّن وعيي الأولي في ظل هذه الظروف ذات الأبعاد الثقافية والأدبية... لكن التبلور الحقيقي، والصقل الحقيقي للذائقة الأدبية، حدثا داخل المعتقل... فداخل سجون الاستعمار الصهيوني كانت هناك مكتبات، نحن من قمنا بتوفيرها، ونحن من قمنا بتكوينها وتأسيسها من خلال نضالات طويلة... من خلال إضرابات عن الطعام كنا نخوضها، تمتد أحيانا إلى ثلاثين أو أربعين يوما، فقط من أجل إدخال الكتب إلى داخل المعتقل، إلى أن نجحنا في النهاية في تأسيس مكتبات تضاهي المكتبات الموجودة خارج عالم السجون، وهذه الكتب بالنسبة لي ككاتب وكأسير في تلك المرحلة، وفّرت نوعا من الأمان، ونوعا من الضمانة التي لطالما بحثت عنها... وكانت كتبا من مختلف الأنواع والمشارب والمستويات، وأنا بطبيعتي أميل إلى الكتب الفكرية والفلسفية والتأملية، إضافة إلى الروايات والشعر، هناك كان عالمي، وما زال هذا العالم حاضرا معي حتى الآن... ولا أهوى الكتب ذات الطابع المنبثق من العلوم السياسية، لكن تجربة القراءة داخل المعتقل كانت تزودني بتحدٍّ دائم... تحدٍ أن أختبر نصي، وأن أبحث عن أسباب تدفعني إلى الكتابة.. كانت هناك كتب وروايات أقرأها تستفزني، وتطالبني ضمنيا بأن أضاهيها وأن أواجهها، وأن أجرّب قدرتي على الكتابة في مستواها. 

بعد هذا التراكم الكتابي، أتشعر أن مشروعك الأدبي يتجه نحو مساءلة الإنسان، أم التاريخ، أم فكرة المعنى نفسها؟ 

أنا ما زلت أقول إنه لا يوجد تراكم بعد في تجربتي الكتابية، التراكم أسعى إليه، وأسعى من خلال الإنتاج الأدبي إلى بناء خطاب أدبي أو إرث أدبي أستطيع من خلاله القول إن المشروع بدأ يسلك سياقا يسمح لي بالتعبير عمّا يعتمل داخلي من أسئلة وقلق... التوجّه الرئيسي داخل نصي، وداخل السردية التي أكتبها وأسعى إليها، هو مساءلة التاريخ ومساءلة المعنى أيضا؛ لأن الوجود الفلسطيني على هذه الأرض ليس وجودا مهددا فقط بالطائرة أو الصاروخ أو الدبابة أو القذيفة، وإنما هو وجود مهدد بالثقل التاريخي الذي استطاع المشروع الصهيوني أن يبلوره وأن يقوم بصياغته ضمن مشروعه الاستيطاني والاستعماري... الحركة الصهيونية منذ بدايات تأسيسها قامت على مجموعة من الجمل والمقولات التاريخية المفبركة، وللأسف نجحت في إنتاج سردية تاريخية استطاعت من خلالها خلق مشروعها الصهيوني، تخيّل أن هذا المشروع بدأ من مجموعة أفكار، وهذا ما نحتاج إليه اليوم كفلسطينيين، أن نعيد كتابة السردية الفلسطينية، وأن نعيد رسم هذه المشهدية مرة أخرى، ولكن من دون الوقوع في منطق عنصري أو فاشي كما انتهجه الصهاينة. 

القراءات النقدية التي تناولت أعمالك حتى الآن، أين تراها تلامس النص فعليا؟ وما الدور الذي تتوقّعه من النقد الأدبي في ضوء رؤيتك ومعرفتك به؟ 

حتى الآن أنا لست على اطلاع كامل بتفاصيل المشهد النقدي العربي، لكن خلال فترة الاعتقال كنت على اطلاع عبر بعض القراءات، وبعض المجلات الأدبية، وبعض الكتب والإصدارات ذات التوجّه النقدي... وبشكل عام يمكنني القول إن الحركة النقدية في العالم العربي على المستوى الأدبي حركة ضعيفة للأسف، وباعتقادي لا يوجد فيها تجديد حقيقي، فهي غير قادرة حتى الآن على مواكبة الأصوات الجديدة أو مجاراتها... هناك أصوات جديدة، وحتى بعد تحرّري تواصل معي عدد من الكتّاب والكاتبات الشباب، وكانوا يشتكون من هذه الحركة النقدية التي ما زالت تعمل بآليات عفى عليها الزمن، ولا تواكب الأساليب الكتابية الجديدة ولا التجريب، سواء في القصة القصيرة أو على مستوى الرواية... وربما نحن اليوم بحاجة إلى حركة نقدية قادرة أولا على نقد نفسها، قبل أن تتجه إلى نقد الأعمال أو الإنتاج الأدبي العربي بشموليته. 

أما في ما يتعلّق بالقراءات التي تناولت نصوصي، فقد كنت دائما حريصا على قراءتها، وعلى التعلّم منها أيضا، لكن بصورة عامة أقول إننا بحاجة فعلية إلى معايير ومقاييس جديدة تتعلّق بعملية النقد نفسها. 

الجائزة التي نالتها روايتك فتحت بابا واسعا للتلقي والقراءة... كيف تتعامل مع هذا التحول، ومع انتقال النص من دائرة محدودة إلى فضاء عربي مفتوح؟ 

الفوز بجائزة البوكر أرى أنه وفّر لي بالفعل أفقا أرحب وأوسع وأقولها بصراحة، لكنني في الوقت نفسه أرفض أن يتم التعامل معي على أنني «بوكرمان» أو أن يُختزل اسمي في هذا اللقب... أنا أعتز بحصولي على هذه الجائزة، لكن من يصنع الجائزة هو الكاتب أو الكاتبة وليست الجائزة هي التي تصنع الكاتب، وللأسف فإن أحد أهم أسباب الطفرة في الرواية العربية اليوم وهذا الكم الهائل من الروايات هو السعي نحو نيل هذه الجوائز... حين سُئلت في أحد اللقاءات عمّا إذا كنت قد كتبت هذه الرواية بهدف الفوز بالجائزة لا أعتقد أنني فعلت ذلك، لأنني حين كنت في المعتقل كانت أولويتي الأساسية هي كيف أصمد داخل هذا الواقع القاسي من خلال كتابة نص أستطيع عبره تحدي الواقع الاعتقالي نفسه... أن تفوز الرواية بالجائزة أمر جميل وأنا أرحّب به، بل أرى أن هذه الجوائز تشجّع الكتّاب وتحفّزهم على كتابة نصوص تستحق أن تُقرأ وأن تنال جوائز، لكنها في الوقت نفسه تؤثّر في تجربتي لأنها تضع عليّ عبئا إضافيا يتمثّل في السؤال المتعلّق بكيف أستطيع اليوم أن أتجاوز سقف الرواية التي نالت الجائزة.

كثيرا ما يُحاصر الكاتب بسياقه قبل نصه... كيف تحافظ على استقلالية العمل الأدبي، وعلى حقه في أن يُقرأ بعيدا عن أي تصنيف جاهز؟ 

أعتقد أنني تجاوزت إلى حدّ كبير مسألة السياق الذي يمكن أن يؤثّر في النص؛ لأن كل ما كتبته كُتب داخل المعتقل، ومع ذلك لم أكتب كتابة المعتقل ولم أشتغل ضمن دائرة أدب السجون، بل تعمّدت الابتعاد عن الصورة النمطية لهذا الأدب بما تحمله من لطميات وأحزان وتسجيل مباشر للمعاناة... كنت أبحث عن شكل آخر وعن كسر هذه النظرة الجاهزة، وعن الانتقال إلى مرحلة جديدة أستطيع من خلالها تحويل الكتابة من كتابة عن السجن إلى كتابة من السجن، وبهذا تحوّل السجن إلى موقع ثقافي أستطيع انطلاقا منه صياغة خطاب روائي وأدبي جديد، خطاب له مهمتان متلازمتان، الأولى محاربة هذا السجّان الصهيوني باعتباره منظومة معرفية متكاملة، والثانية الانطلاق إلى العالم بنص يُكتب من داخل المعتقل لمواجهة هذا العالم نفسه، وبهذا المعنى أعتقد أنني نجحت نسبيا في خلق مسافة تفصل النص عن السياق الاعتقالي المباشر، والانتقال به إلى سياق آخر أكثر اتساعا. 

في هذه المرحلة من تجربتك.. ما السؤال الذي تشعر أنه يلحّ عليك أكثر في الكتابة حتى لو لم تجد له صيغة نهائية بعد؟ 

هناك عدة أسئلة تلحّ عليّ في تجربة الكتابة، وليس سؤالا واحدا، ولعلّ أبرزها سؤال الهوية وسؤال التاريخ وسؤال الوجود... أنا كفلسطيني أعيش تحت الاستعمار الصهيوني، وهذه الأسئلة تشكّل أولوياتي في الكتابة، سواء من حيث محاولة الإجابة عنها أو السعي الدائم نحو تفكيكها، لأن الوصول إلى صيغة نهائية لها لا يتحقّق إلا في حالة واحدة، هي العدم، أي حين لا أكون موجودا... ما دمت موجودا فستظل هناك أسئلة، وستظل هناك تحديات، وستظل هناك تطلّعات لمواجهة هذه التحديات، وما يشغلني في المرحلة المقبلة من الكتابة هو التفكير في الكيفية التي يمكننا من خلالها، كأدباء فلسطينيين وعرب، أن نواجه هذا السياق الاستعماري بحمولته المعرفية والثقافية والفكرية، عبر الاشتغال على سؤال مركزي هو كتابة أدب مضاد للاستعمار داخل السياق الاستعماري نفسه، وهو ما يشكّل أحد أهم رهانات أدب الاشتباك اليوم، من أجل إعادة كتابة السردية الثقافية الفلسطينية، وتحطيم الصور النمطية التي حكمت طويلا العلاقة الاشتباكية بين الفلسطيني والآخر الصهيوني. 

... وأنت تعيش خارج فلسطين، وسط أمكنة وذاكرات جديدة، ما الذي يتغيّر في علاقتك بالمكان الأول، وفي إحساسك بالانتماء الذي حملته معك عبر السنوات؟ 

الانتقال من السجن بعد أكثر من واحد وعشرين عاما إلى المنفى انتقال تعسّفي ولا رحمة فيه... ما زلت حتى الآن أحاول أن أتصالح مع المكان الجديد الذي أعيش فيه وهو مصر العروبة، مصر التي أعتز بها دائما وأراها الوطن الثاني والوطن الأكبر للأمة العربية، لكن رغم ذلك لا توجد حتى اللحظة صلات حقيقية مع هذا الواقع الجديد، وربما يعود السبب إلى أنني كائن عاش طويلا على تخيّل المكان ولم يُقم فيه، المكان أقام في داخلي لكنني لم أُقم في مكاني الأول... عشت قرابة واحد وعشرين عاما قبل الاعتقال في مدينتي الجميلة نابلس الواقعة في منتصف فلسطين، ومع ذلك ظلّت هذه المدينة تعيش في مخيّلتي أكثر مما عشتها كواقع، وربما كانت هذه إحدى أثقل الضريبة التي يدفعها الكاتب حين يعجز عن الكتابة إذا لم يكن قادرا على تخيّل المكان. 

كل ما كتبته كان تخيّلا، كنت أتخيّل الأمكنة دائما، حتى الأمكنة التي عشت فيها لم أستطع كتابتها بتفاصيل دقيقة وواقعية، فالقدس والقاهرة القديمة ونابلس ويافا وبغداد وباريس ورام الله كلها كتبتها كخيال لا كوقائع ملموسة على الأرض... ومع ذلك أسعى اليوم إلى تحدّي هذا المنفى، رغم أنني لم أعثر بعد على تلك التوليفة التي شكّلتها داخل المعتقل، توليفة الدوافع إلى الكتابة وسؤال كيف أكتب في هذا الظرف الجديد الذي يشبه الحرية من جهة، بينما لا أتعامل معه بعد على أنه حرية كاملة بعد هذه السنوات الطويلة من الاعتقال... وفي النهاية لا بد من الإيمان بأننا نعيش في عالم مفعم بالمجاز، وعالم تقوم بنيته أساسا على الاستعارة.