عمان اليوم

ملتقى لذوي الإعاقة يناقش الدمج المجتمعي ويستعرض قصصًا ملهمة ومبادرات واعدة

 

انطلقت اليوم فعاليات ملتقى تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة على مسرح جامعة التقنية والعلوم التطبيقية- فرع مسقط، تحت رعاية سعادة الدكتور عبدالله بن حمود الحارثي، وكيل وزارة التنمية الاجتماعية لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز مشاركة هذه الفئة في مختلف مجالات الحياة المجتمعية والمهنية.
ويهدف الملتقى إلى رفع مستوى الوعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وقدراتهم الفعلية، وتشجيع مفاهيم الدمج المجتمعي والمهني، إضافة إلى إبراز مواهبهم وإبداعاتهم، وتمكينهم من اكتساب المهارات اللازمة لتعزيز استقلاليتهم وفتح آفاق أوسع أمامهم في مجالات العمل وريادة الأعمال.
وأشار الدكتور خالد بن سالم العبري، مساعد رئيس جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط، إلى أن استضافة الجامعة لهذه الفعالية تمثل تجسيدًا للشراكة الحقيقية بين الجامعة والمجتمع، مؤكدًا أن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة لم يعد خيارًا، بل مسؤولية وطنية وإنسانية تتطلب العمل الجاد لتحقيق نتائج ملموسة بعيدًا عن الشعارات. وأضاف: إن الملتقى يشكل فرصة عملية لإطلاق مبادرات تدعم تعزيز الفرص وتحسين جودة الحياة لهذه الفئة المهمة في المجتمع.
كما شدد الدكتور العبري في كلمته على الدور الحيوي للبحث العلمي في دعم قضايا الإعاقة، من خلال مشاريع وأبحاث تنطلق من التحديات الواقعية التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة أو أسرهم، وتهدف إلى تقديم حلول عملية ومستدامة.
وأكد أهمية بناء شراكات متينة بين الجهات المختلفة لتحويل هذه التوصيات والأفكار إلى مبادرات فاعلة تُحدث أثرًا ملموسًا، وتعكس تكامل الجهود بين المؤسسات الأكاديمية والجهات الحكومية والمجتمع المدني.
ويأتي هذا الملتقى ضمن سلسلة الجهود الرامية إلى تعزيز مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع وتمكينهم من ممارسة حقوقهم والاستفادة من الفرص التعليمية والمهنية، بما يسهم في تحقيق الشمول الاجتماعي وتنمية قدراتهم وإبداعاتهم، ويعزز دورهم كمساهمين فاعلين في مسيرة التنمية الوطنية.
وفي لفتة ملهمة خلال الملتقى، استعرض الطالب تركي الحوسني من قسم الهندسة بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية، تجربته الشخصية التي كانت أنموذجًا حيًا للإرادة والتحدي، فقد مرّ بتجربة صعبة منذ طفولته إثر حادث غيّر مجرى حياته، وقضى عددًا من السنوات في العلاج والعمليات، ولم يكن التحدي الذي مرّ به مقتصرًا على الألم الجسدي، بل امتد إلى نظرة المجتمع والتجارب القاسية التي واجهها خلال سنوات المراهقة، والتي كانت بالنسبة له اختبارًا يوميًا لقوته وصموده.
وأكد الحوسني أنه اختار أن يحول هذه التحديات إلى دافع للنجاح، فدخل عالم الرياضة ليثبت لنفسه قبل الآخرين قدرته على تجاوز الصعاب، وليصنع من تجربته قصة ذات معنى تلهم غيره، ووجّه رسالة مؤثرة مفادها أن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا عبئًا على المجتمع، بل طاقات قادرة على العطاء والإنجاز، وأن الإعاقة يمكن أن تتحول إلى قوة دافعة لتحقيق النجاحات ورفع اسم الوطن، وأنهم جزء أصيل من المجتمع يسهمون في بنائه وصناعة مستقبله.
وشملت فعاليات الملتقى جلسة حوارية للتعريف بأدوار الجهات المختلفة في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، وتسليط الضوء على الخدمات التي تقدمها كل جهة، في إطار تكاملي يسعى إلى تعزيز اندماج هذه الفئة في المجتمع.
ففي محور البيئة العمرانية، أكد المهندس عبدالله بن ناصر العبادي، مدير دائرة تراخيص البناء بالندب ببلدية مسقط، على الدور الذي تقوم به بلدية مسقط في تهيئة المدن لتكون صديقة للأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال الالتزام بالاشتراطات الهندسية المعتمدة، مثل توفير المنحدرات، والمصاعد، والممرات المهيأة، إضافة إلى مراعاة احتياجاتهم في المرافق العامة كالحدائق والمتنزهات، كما تم التأكيد على أهمية تطبيق القوانين واللوائح وفق المعايير الدولية، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي لدى الاستشاريين وأفراد المجتمع لضمان الالتزام بهذه الاشتراطات.
أما في جانب التنمية الاجتماعية، فقد أوضحت ندى بنت مال الله الصادقي، مدير دائرة تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة بوزارة التنمية الاجتماعية، أن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة لا يقتصر على جهة واحدة، بل هو مسؤولية مشتركة بين مختلف القطاعات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني، وقد عملت وزارة التنمية الاجتماعية على إعداد استراتيجيات وطنية تستند إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب إطلاق مجموعة من المبادرات التي تهدف إلى معالجة التحديات التي تواجه هذه الفئة، وتوفير بيئة داعمة تضمن لهم حقوقهم في مختلف المجالات.
وفي محور التعليم، أكدت الدكتورة أمل بنت صريد الهطالي، مديرة دائرة تطوير برامج التربية الخاصة بوزارة التعليم، على أهمية الدمج التعليمي كخطوة أساسية نحو تحقيق الدمج المجتمعي الشامل، حيث بدأت وزارة التربية والتعليم منذ سنوات في تطبيق برامج دمج الطلبة ذوي الإعاقة في المدارس الحكومية، مع توفير الوسائل التعليمية المساندة، والتوسع في تقديم برامج متخصصة مثل برامج اضطراب طيف التوحد، كما تم العمل على تطوير مسارات التعليم المهني لذوي الإعاقة الفكرية، بما يتيح لهم الاستمرار في التعليم واكتساب مهارات تؤهلهم لسوق العمل.
وفيما يتعلق بالقطاع الصحي، أبرز صالح بن سعيد الحربي، اختصاصي صحة عامة بقسم خدمات الأشخاص ذوي الإعاقة بوزارة الصحة، دور وزارة الصحة في تقديم خدمات صحية متكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، تشمل الرعاية الأولية والتخصصية، إضافة إلى برامج الكشف المبكر والتدخل العلاجي المناسب، ومن أبرز المبادرات في هذا الجانب برنامج الفحص قبل الزواج للكشف عن الأمراض الوراثية، وبرامج متابعة نمو الأطفال، مما يسهم في الحد من تفاقم الإعاقات وتحسين جودة الحياة.
أما في محور التوظيف، فقد تناول حيان بن سعود اللمكي من مركز دعم التشغيل بوزارة العمل جهود وزارة العمل في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة اقتصاديًا، من خلال رصد الباحثين عن عمل، وتوفير فرص وظيفية تتناسب مع قدراتهم، إضافة إلى تنفيذ برامج تدريب وتأهيل بالتعاون مع القطاعين العام والخاص، كما تم التأكيد على أهمية التزام المؤسسات بنسبة التوظيف المحددة، وتهيئة بيئة العمل لتكون مناسبة وآمنة لهذه الفئة.
وقد شددت الجلسة على أهمية التكامل بين الجهات المختلفة، من خلال التنسيق المستمر، وتبادل البيانات، وتوحيد الجهود لضمان تقديم خدمات متكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، كما تم التطرق إلى عدد من القضايا المهمة، مثل ضرورة اعتماد المصطلحات الصحيحة، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتفعيل دور الإعلام في تغيير الصورة النمطية وتسليط الضوء على قصص النجاح، كما تم التأكيد على أن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة هو مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة وتمتد إلى جميع مؤسسات المجتمع، وأن تحقيق الدمج الشامل يتطلب العمل المستمر والتعاون بين جميع الأطراف، بما يضمن لهذه الفئة حياة كريمة وفرصًا متكافئة في مختلف مجالات الحياة.
وصاحب الملتقى معرض متكامل تضمن أعمالًا في الفنون التشكيلية، إلى جانب أركان مخصصة لريادة الأعمال، حيث استعرض المشاركون من جمعية الأطفال ذوي الإعاقة والأشخاص ذوي الإعاقة أعمالهم ومشاريعهم ومنتجاتهم، بالإضافة إلى ركن موسيقي قدموا من خلاله عددًا من المقاطع الموسيقية، عبّرت عن مواهبهم وقدراتهم الإبداعية وطاقاتهم وإمكاناتهم المتنوعة.