أعمدة

الاسم الذي سُرِقَ من البحث!

في الخامس عشر من يونيو 2022م أدانت محكمة استئناف مسقط أكاديميًّا عمانيًّا بدرجة بروفيسور بتهمة السطو على بحث طالبة دكتوراه كان مشرفا عليها، ليس فقط بوضع اسمه على البحث واستبعاده اسم الطالبة، بل إنه أضاف أيضا اسم باحث آخر لم يخطّ في البحث حرفًا واحدًا. وقد تطلب الأمر من الباحثة الصبر خمس سنوات من التقاضي حتى عاد إليها حقها المعنوي. 

كلما استعدتُ هذه الحكاية أدركتُ أن أساتذة الجامعات ليسوا جميعهم منزهين عن الخطأ، ولا ينبغي أن ننظر إليهم على أنهم عُلماء وورثة أنبياء فقط، على أهمية هذه الصورة، فثمة فسادٌ في هذا العالم لا يتعلق إلا بهم، هو الفساد الأكاديمي. 

يتحول الإشراف العلمي في الجامعات، في بعض الأحيان، من رعاية لجهد الطالب إلى استيلاء عليه، رغم أنه يفترض أن يكون المشرف الأكاديمي أقرب الناس إلى حماية عمل الطالب، وأشدهم حرصًا على صيانة حقه، وأول من يرسّخ لديه معنى الأمانة العلمية. لكن هذا الدور ينقلب أحيانا إلى النقيض، ويفقد الباحث الناشئ الثقة في أستاذه، وأحيانا في المؤسسة التي ينتمي إليها حين تتواطأ مع الكبير ضد الصغير. 

وأذكر أنني قبل عدة سنوات سردتُ في صفحتي على منصة إكس حكاية مشابهة من جامعة النجاح الوطنية في فلسطين، عن أكاديميَّيْن أشرفا على رسالة ماجستير لطالبة، ثم نشرا بعد عامين من مناقشة الرسالة بحث هذه الطالبة باسميهما فقط، مع حذف اسمها تمامًا، بل وحذف كل ما يشير إليها في متن البحث، كعبارة: «حيث اعتمدت الباحثة...». والمفارقة المؤلمة أن الطالبة كانت قد كتبت في مستهل رسالتها كلمات شكر لهما على «ما قدماه من جهد ووقت وعلم، وعلى حسن توجيههما وإسدائهما النصح والإرشاد لإخراج هذا العمل المتواضع». 

إضافة إلى مثالَيْ عُمان وفلسطين، نجد عشرات الأمثلة الأخرى في بلادنا العربية. لكن هذا لا يمنعني من التأكيد أن تعاون الأستاذ مع تلميذه، أو مع زميله، في بحث مشترك ليس أمرًا مرفوضًا في ذاته، فنحن نعرف أن بعض البحوث تستدعي فعلًا تعاون أكثر من باحث، كما أنني أتفهم أحيانًا أن الجهد الذي يبذله الأستاذ قد يجعله مستحقًّا لوضع اسمه في بحث تلميذه. ومن نافل القول إنني لست ضد هذا النوع من التعاون، لكنني ضد أن يتحول وضع الأسماء إلى ممارسة تجري لأسباب لا علاقة لها بجوهر البحث العلمي. كأن يقال إن وجود اسم الأستاذ يقوّي البحث، أو إن هذا عرف متبع، أو إن جهد المشرف ينبغي أن يظهر، أو إن النشر يحتاج إلى اسم معروف. ومع تكرار مثل هذه التبريرات تترسخ في الوعي الجامعي حتى تبدو كأنها جزء من الطبيعة الأكاديمية، مع أنها توحي بفهم خاطئ لمعنى التأليف العلمي. فاسم المؤلف لا يُفترض أن يكون امتيازًا تمنحه رتبة الأستاذ، ولا ضريبة صامتة يدفعها الباحث الأصغر لمن هم أعلى منه مكانة، ولا هدية رمزية توزعها علاقات النفوذ داخل الأقسام والكليات. الاسم في البحث شهادة على مشاركة فعلية في التفكير والإنجاز والكتابة وتحمل المسؤولية. 

حين يفرض أستاذ اسمه على بحث لم ينجزه، أو يقتطع من رسالة طالبته ما يضيفه إلى رصيده العلمي، فإنه لا يكتفي بالاستيلاء على جهد غيره، وإنما يرسل أيضًا رسالة محبطة إلى الباحثين الجدد: الجهد وحده لا يكفي، والحق قد لا يذهب إلى صاحبه، والجامعة التي يفترض أن تكون موئلًا للعلم والإنصاف قد تتحول أحيانًا إلى فضاء تشتغل فيه موازين القوة أكثر مما يشتغل فيه مبدأ الاستحقاق. ومن هنا لا تبقى المسألة محصورة في الفرد المتضرر؛ لأن أثرها يمتد إلى المناخ الجامعي كله، وإلى شعور الطلبة بأن أعمالهم قابلة للمصادرة إذا وقعت في يد من يملك سلطة أكبر، وبأن الاعتراض نفسه قد يكون مكلفًا. وقد أسرت لي إحدى الطالبات مرة، حين سألتها لماذا تشتكي في السر ولا تعترض في العلن، بأنها تعرف جيدًا أن المشرف يملك ما لا تملكه: سلطة التقييم، وسلطة التزكية، وسلطة العبور إلى المرحلة التالية، وأن كل ما كانت تريده هو أن تنال درجتها العلمية بأقل قدر من المنغصات! 

قد يغضب بعض الأساتذة من هذا المقال، ويدافع بالقول إن هذه المشكلة تعود إلى أفراد سيئين وحسب، ولا ينبغي التعميم أو تشويه صورة الأستاذ الجامعي الذي هو صاحب رسالة نبيلة، وضمير علمي حي، وركن ركين في بناء الأجيال. ولا ريب عندي في هذه الصورة المضيئة للأستاذ، لكن صونها يبدأ بمحاسبة من يسيؤون إليها ويستغلونها، إذْ لا يمكن دفن رؤوسنا في الرمل وإنكار أن ثقافة جامعية آخذة في التشكل اليوم، تسمح أحيانًا بتضخم سلطة المشرف، وتمنح الرتبة العلمية حصانة غير مكتوبة، وتشجع على تضخيم السيرة الأكاديمية بعدد الأبحاث أكثر مما تشجع على التدقيق في طبيعة المساهمة الحقيقية فيها (وقد أبدى لي أحد الأساتذة الأجلاء مؤخرًا دهشته من بحث نظري صغير لا يتجاوز خمس عشرة صفحة حمل أسماء أربعة أساتذة!!) وفي مثل هذه البيئة غير الصحية، يصبح من السهل على بعض الأساتذة أن يروا في إشرافهم طريقًا مشروعًا إلى اقتطاع جهد الطلبة، أو إلى توسيع حضورهم في النشر العلمي عبر أعمال لم ينجزوها بأيديهم. 

لهذا كله، تبدو الحاجة ملحة إلى استعادة واحدة من بديهيّات التأليف: أن يُنسب العمل إلى من ألّفه، أن يكون اسم المشرف حيث يستحق أن يكون، وأن يظل اسم الطالب في مكانه حين يكون البحث قد خرج من جهده هو. وأن تدرك الجامعات أن صيانة هذا الحق أمر ضروري، وعنصر أساسي في بناء الثقة بين الطالب ومؤسسته العلمية. 

أصاب بغصّة كلما تذكرتُ أن الطالبة الفلسطينية شكرت مشرفيها في صدر رسالتها، ثم وجدت بحثها منشورًا باسميهما وحدهما. وهي الغصة نفسها حين أستعيد أن الباحثة العُمانية انتظرت خمس سنوات حتى يعود إليها حقها المعنوي. بين الحالتين مسافة جغرافية واسعة، لكن المشكلة واحدة: جهد علمي انتقل من يد صاحبته إلى يد من يفترض فيه أن يحميه. لهذا أرى أن مقاومة هذا النوع من السطو دفاعٌ عن العلم، وعن صورة الجامعة ومعناها الحقيقي. 

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني