أعمدة

أمة تستحق السينما

أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية قبل أيام عن تضرر منزل المخرج الإيراني عباس كيارستمي جراء القصف الذي طال العاصمة طهران. قادني الخبر للتفكير في أن وجهًا من وجوه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يكشف نوعًا من المواجهة الحضارية ما بين إمبراطورية هوليود والسينما الإيرانية. ففي هذه التسلية الدموية، المفتوحة المآلات والخيالات من مستصغر الشرر إلى حدود الإشعاع النووي، تنقسم انحيازات المتفرجين الذوقية ما بين أسلوبين إخراجيين مختلفين تمامًا، ما بين تفوق التقنية الأمريكية الباهظة الثمن في مقابل تقشف الصناعة الإيرانية المحاصرة والمحدودة الموارد، والتي يمكنها أن تصنع فيلمًا بديعًا بالاعتماد على كاميرا واحدة متواضعة الجودة وفي زاوية صغيرة من البيت. 

كتبت الأسبوع الماضي أن معرفة ترامب وزمرته بإيران (وبالشرق عمومًا) لا تتجاوز ما صورته هوليود. واليوم أكتب لو أن ترامب وزمرته تمتعوا بمشاهدة السينما الإيرانية لأحبوا عباس كيارستمي ومجيد مجيدي ومحسن مخملباف وفروغ فرخزاد وآخرين من شعراء السينما الإيرانية كما أحببناهم، ولكان لهم بالتأكيد رأي مختلف بشأن الحرب على إيران. لكن ترامب وزمرته مطرودون من نعمة النظر إلى أطفال تلك «السينما المطرزة بالبراءة». 

لا بأس أن نُذكر الأمريكيين وبعض العرب بأن الإيرانيين قد عرفوا السينما فجر اختراعها في بدايات القرن العشرين، وذاك قبل وقت طويل من تطوير معرفتهم النووية وصناعتهم للصواريخ البالستية والمُسيرات، فكانوا من أوائل الشعوب التي شاهدت الأفلام فوطَّنت صناعتها على مدى سنوات طويلة من التجريب. كان للاكتشاف المبكر للنفط بالغ الأثر في نشوء طبقة برجوازية ساهمت في تحويل هذا الفن إلى صناعة وطنية فيما بعد، ولكن ليس بعيدًا عن التأثيرات الاستعمارية التي جلبتها الحرب العالمية الأولى وما تلاها من حملة «تحديث قسري» شهدتها البلاد مع وصول رضا شاه للسلطة عام 1926. لم يغب تأثير الثورة البلشفية عن هذا المسار، فقد عرفت إيران مطلع العشرينيات من القرن الماضي تأسيس واحد من أقدم الأحزاب الشيوعية فيما يُعرف بالشرق الأوسط، والذي أسهم بدوره في حراك سياسي وثقافي قاده مثقفون يساريون خففوا من برجوازية السينما وارتباطها ببلاط الشاه. 

لحظة التحول الكبرى كانت عام 1979، مع انتصار الثورة وقيام نظام إسلامي يحكم بلادًا كانت شوارع عاصمتها تتباهى بتشبيهها بشوارع باريس، منظرًا وثقافةً وحتى لغةً فرنسية يتكلمها النخبة. صوَّرت الأفلام المحلية والسياحية حفلات السهر والقمار، وصوَّرت نساء طهران في ملابس البحر. ألوان الأزياء في الأفلام والصور التذكارية من العصر البهلوي تحرك نوستالجيا الملكيين داخل إيران وخارجها. غادر الكثير من المثقفين البلاد التي بات يحكمها أصحاب العمائم الخارجين من قم، بينما تكيَّف آخرون مع الشروط الجديدة في ظل النظام الإسلامي الذي يُعنى بالمضمون الإيديولوجي للفيلم ورسالته، ويدقق في طريقة ارتداء الممثلة للحجاب. 

لكن الفن تعبير آخر عن الحيلة. ما جدوى الفن إن لم يكن احتيالًا على سلطة ما؟ فقد أصبح الرقيب على السينما في إيران ناقدًا فنيًا من غير أن يدري، ومن أجل التحايل على سلطته يطور المخرجون أساليبهم وأدواتهم في الخفاء. تلك واحدة من أكثر مفارقات السينما الإيرانية إدهاشًا، بالنسبة لنا نحن العرب بالذات؛ أن ينضج الفن ويتعلم المراوغة المرنة بقدر ما تحكره السلطة في أضيق الزوايا. 

والحق أن من تربَّت ذائقته السينمائية على أفلام هوليود قد يعاني بدايةً قبل أن يطور استعداده الجمالي للتواصل مع السينما الإيرانية البطيئة التي تقترح عليه رؤية مختلفة للعالم خارج أنماط الإدراك المقولبة التي تنتجها السينما التجارية الأمريكية المحشوة بالمبالغات البصرية والمدججة باليقين، بخلاف السينما الإيرانية التي تقدم العالم موضوعَ التباس وحيرة وتساؤل. تقتصد السينما الإيرانية في الصورة وتكتفي بالحد الأدنى منها ومن المؤثرات الدخيلة. إنها الانحياز إلى البلاغة النقيضة للمبالغة، لتغدو فنًا من فنون التقشف الأقرب إلى الشعر، وربما كانت السينما الخارجة من رحم الأدب والشعر الفارسي العريق هي أعظم هدايا إيران للعالم... إيران التي تذكرنا في صمودها اليوم أمام قوتين نوويتين أنها ليست سجادًا فارسيًا فحسب. 

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني