ثقافة

الشيخ محسن بن زهران والسلطة القبلية في عُمان

 

صدرت الطبعة الأولى من الترجمة العربية لكتاب مهم يحمل عنوان: «الشيخ محسن بن زهران العبري (1220هـ/ 1805م – 1290هـ/ 1873م) السلطة القبلية في عُمان في القرن التاسع عشر»، للباحثة الألمانية الدكتورة ميشائيلا هوفمان – روف، نالت عليه رسالة دكتوراه، وكان الكتاب قد صدر باللغة الألمانية عن دار «كلاوس شفارتز»، في برلين عام 2008م، متضمنًا دراسة تحليلية لرسائل ووثائق خطية، حصلت عليها الباحثة عام 2000م، محفوظة في جرار فخارية داخل «بيت الصَّفاة» بحارة الحمراء بمحافظة الداخلية، وخلصت منها بدراسة للشأن العُماني من منظور استشراقي، ولي مع تلك الرسائل ذكريات، قبل أن تتناولها يد الباحثة وتتشكل في كتاب.
في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، ذهبت إلى حارة الحمراء الأثرية، لكتابة استطلاع صحفي عن تلك البيوت القديمة ذات الأدوار المتعددة، التي تبدو أشبه بمدينة جَصيَّة، نمت بين كثبان من ضواحي النخيل، تحيط بولاية الحمراء جبال شاهقة من جهات مختلفة، وحارتها القديمة أشبه بالقُصُور، وبالأخص «بيت الصَّفاة» الكبير، وبيوت أخرى داخل الحارة، سكنها الناس منذ أربعة قرون.
تاريخيًا، قرأت أنَّ حارة الحمراء تأسست خلال فترة حكم الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي (1649- 1679م)، و«بيت الصَّفاة» أكبر بيت في الحارة، شُيِّد في أربعة أدوار وله خمسة مداخل، وجغرافيًا أرى أنَّ الانسان حاضر في هذا المكان منذ قرون بعيدة، ومن يزور «مِسفاة العَبْريين» لا يداخله شك، أنَّ هذه القرية تعود إلى ألفيات السنين، وهنا لا أستقصي تاريخ المكان، إنما أرى إبداعات الإنسان فيه، فحارة الحمراء كما تظهر للزائر، تبدو مدينة متكاملة بقصورها القديمة الأنيقة، وبيوتها المطلة على أزقة منسجمة، باتزان يسمح لنهار الحياة أن يضيء جنبات المكان، والحياة هنا توحي أنَّ الإنسان شيَّد هذه البيوت ليتوارثها جيلًا بعد آخر.
وبين تلك البيوت كان «بيت الصَّفاة» الشامخ، يلوح بشرفاته وغرفه العالية، وأخشابه الكبيرة في الأسقف، قَصْرٌ أثري يقصُرُ عنه الوصف، وأذكر أني قبل أن أخرج منه زائرًا برفقة الشيخ هلال بن محمد بن سالم العبري رحمه الله (ت: 2002م)، وبعض من أهل البيت، أخذني إلى حُجْرة أرْضية فيها جرارٌ فخارية، وداخلها مطويات أوراق قديمة، كل ورقة محاطة بخيط أشبه برُزم نقود، أحسست وكأنها تناديني بلسان الضمير أن أكتب عنها، أو أن أحررها من محبسها الفخاري، وكتبت عن تلك الجرار حديثًا لا يُفصِّل ما تتضمنه، فأنا لم أقرأ منها ورقة، وأذكر أني التقطت لها صُورًا ضوئية، ونشرتها ضمن ما كتبت عنه، بعد زيارتي لحارة الحمراء الجميلة، ولا تتوفر لدي الصفحة المنشورة الآن لأتيقن مما كتبت.
وبعد سنين زرت معرضًا أقيم في جامعة السلطان قابوس، بتنفيذ من قسم الآثار بالجامعة، ومعهد الدراسات الشرقية بجامعة إبرهاد كارلوس في ألمانيا، حول مستوطنات الواحات في عمان، وكان من بين المعروضات نسخة غير مطبوعة، لرسالة دكتوراه أعدتها الباحثة الألمانية «ميشائيلا»، وكانت ضمن المجموعة التي زارت الحمراء، وبعد عودتي من المعرض كتبت مقالة حول رسالة الدكتوراه تلك، وكيف أنَّ تلك الرسائل المحفوظة في جِرَار، لم يلتفت إليها أحد من مثقفي الحمراء، حتى حررتها الباحثة من قواريرها، لترى نور الحياة في كتاب.
وتمضي السُّنون إلى عام 2008م، وتخرج رسالة الدكتوراه مطبوعة باللغة الألمانية بعنوان: «الشيخ محسن بن زهران العبري (1220هـ/ 1805م – 1290هـ/ 1873م)، السلطة القبليَّة في عُمان في القرن التاسع عشر»، وبقيت في لغتها الأم سبعة عشر عامًا، حتى نظَرَتْ جامعة نزوى ممثلة في مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية، إلى أهمية هذه الدراسة، ورأت ترجمتها إلى العربية، بالتعاون مع مكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري الأهلية بولاية الحمراء، وهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، لتصدر الطبعة العربية الأولى بترجمة الدكتور خير الدين عبدالهادي رئيس شعبة اللغة الألمانية بجامعة نزوى، مع فريق من الباحثين والمراجعين للنسخة العربية، ومعهم أفراد من أسرة الشيخ محسن بن زهران، من بينهم حفيده الشيخ حمد بن محسن العبري، وقد أهداني مشكورًا نسخة من الكتاب في نسخته العربية، وكان بالنسبة لي فرصة، أعادت لي ذكرى اللقاء الأول، بتلك الرسائل التي وقَفْتُ عليها في جرار فخارية ببيت الصَّفاة، مطلع سنوات التسعينيات.
إن هذه الرسالة/ الكتاب، يكشف عن أنَّ الأفكار قد تكون أمام أعيننا ولكنا لا نراها، فهذه الرسائل بقيت محفوظة في الجرار زمنًا طويلًا من السنين، حتى رأتها عيون باحثة من ألمانيا، لترى فيها مادة بِكْرًا جديرة بالتحليل والقراءة، واستخلاص دراسة استشراقية عن الحياة الدينية والاجتماعية، حددت زمنها خلال القرن التاسع عشر، ممثلة في شخصية الشيخ محسن بن زهران العبري، والرسائل المتبادلة بينه وبين الناس، باختلاف أمكنتهم ومكانتهم، ولم يشكِّل عدم إلمامها باللغة العربية عائقًا معرفيًا لها، فقد استعانت بقرَّاء للخط العُماني، ومترجمين، حتى كتبت رسالتها بناء على توثيق واستقراء دقيق.
لعل الباحثة رأت في تلك الرسائل مادة تصلح للبحث والتحليل، وفيها مكمن السرِّ والسِّحر، أنَّ تلك الجرار كانت تحتفظ بسحر الفكرة التي لم تخطئها عيون الباحثة، وكانت الدهشة كبيرة، حين وَجَدَتْ فيها مادة خصبة، لدراسة تراث إنساني مكتوب بخط اليد، ومتوارث جيلًا بعد آخر، ولم يكن ينقص تلك المادة إلا قليل من حصافة البحث، حتى تصبح رسالة بحثية، يمنح مؤلفها درجة دكتوراه، وكتابًا جديدًا يضاف إلى رصيد الاستشراق.
في المقدمة التي كتبها د. سليمان بن سالم الحسيني مدير مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي بجامعة نزوى، يؤكد أن أهمية الكتاب تكمن في كونه دراسة أكاديمية لمخطوطات عمانية، تعود إلى منتصف القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، إذ كانت بحوزة أحفاد الشيخ محسن بن زهران العبري، في بيت الأسرة المسمى «بيت الصَّفاة» بمدينة الحمراء، وأنها تعبِّر عن اهتمامات الباحثين الغربيين أو المستشرقين، عند دراستهم للمجتمعات العربية والإسلامية، وتبرز نظرتهم إلى تراثها وتاريخها، ومع أن مادة المخطوطات واسعة المدى، في زمنها الممتد إلى أكثر من قرن، حددته الباحثة من النصف الثاني من القرن الثامن عشر، إلى منتصف القرن العشرين، وفي فترة تبلغ 175عامًا، إلا أنها خصصت بحثها حول تلك الرسائل المكتوبة خلال عشر سنوات فقط، بين عامي (1250- 1260هـ/ 1834- 1844م).
ومن بين البيانات الواضحة في الكتاب، العدد الهائل من الرسائل، تقول الباحثة: إنَّ المخزون الذي تم العثور عليه في الحمراء، في ربيع عام 2000م، يحتوي على 2900 وثيقة، -وهناك وثائق أخرى اكتشفت عام 2002م، لم يشملها هذا الحصر-، وتعود أقدم رسالة مؤرخة إلى عام 1187هـ/ 1773م، موجهة إلى الشيخ راشد بن مسعود العبري.
إن هذا الكتاب المطبوع في ترجمته العربية، بمثابة نافذة جديدة تنفتح على تاريخ إنساني في عُمان، تعُرِّف بشخصية عمانية فاعلة ومؤثرة، من شخصيات القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي، ومن الأعلام البارزين في ذلك العصر، وَصَفته الباحثة بأنه «يجنح للسِّلم ومحب للحوار»، وتلك الرسائل المحفوظة كنز ثقافي، خبأت الأيام سرَّه عُقودًا من السنين، ليظهر أخيرًا في كتاب مطبوع، لتعود نصوص تلك الرسائل القديمة إلى بيتها الأول في الحمراء، بيت الصَّفاة الأثري، لكن لا لتُحْفَظ في جرار فخارية كما كانت، بل لتبقى في كتاب مطبوع، يستقر في رفوف المكتبات، وبين يدي القارئ، منشورًا في طبعة حديثة.
والسؤال الحائر الذي شاغلني وأنا أقرأ عنوان الرسالة المطبوعة، هل كانت الحياة الاجتماعية بالنسبة للناس خاضعة للسلطة القبلية أم للوحدة القبلية؟، فأنا لم أجد فيها سلطة بمعناها العنيف، إنما وحدة ولم للشمل، وهكذا كانت شخصية الشيخ محسن بن زهران العبري، في حياته ومراسلاته مع شيوخ القبائل المجاورة للحمراء، وبين أهل النفوذ من الناس، والشخصيات المرموقة في زمنها، ومن يقرأ كلمات الترحيب التي تتصدر كل رسالة، يجد فيها تواضعًا من المرسل، وثناءً ومحبة إلى المرسل إليه يمتزج بين السطور.