أعمدة

بنى أساسية..

عندما يتم الحديث عن الهياكل التنظيمية: من القيم، والأعراف، والنظم الحاكمة المتنوعة، والتي في مجموعها تؤدي إلى تقديم منتج على درجة عالية من الجودة والتميز، فإن الحديث هنا هو حول البنى الأساسية، وهي التي تشكل اللبنة الأولى الأساس الأقوى في مفهوم البناء، وبالتالي فهذه اللبنة إن أسست على أعمدة ماكنة، وأرضية راسخة «صلبة» كان لهذه اللبنة البقاء والاستمرار والصمود، وإن حدث العكس فالنتيجة معروفة. 

لا تذهب الفكرة هنا فقط نحو شيء محدد من مفاهيم الحياة اليومية، وإنما إلى كل ما من شأنه أن يكون معززا لبقاء حيوات الناس، ومن هنا يأتي الحرص الشديد على تنشئة الأطفال في مستوييها؛ الأفقي: (التعليم، التدريب، السلوكيات، النصائح، التهذيب) والعمودي: (غرس الدين، غرس القيم، غرس القدوات)، وما ينطبق على تنشئة الأطفال ينطبق على مختلف البناءات الحيوية التي تعزز البقاء والاستمرار، فالحياة لن تكون معتمدة على شيء محدد فقط لبقائها، وإنما على شمولية الرؤية، وحيوية معززاتها المادية والمعنوية، ولذلك في الغالب لا تترك بدايات التنشئة لكثير من معززات الحياة اليومية لحالات الصدف، أو كيفما تكون النتيجة، وإلا أصبحت الحياة تعمها الكثير من الترهلات، والنتائج الهزيلة التي لا تعبر عن مستويات معينة من التخطيط، والبرامج الماكنة، التي تبنى على أساسها مجموعة من المشروعات، والبرامج على المستويين الشعبي والرسمي، والفرد والمجموع، ولذلك يصاب المؤسسون بالإرهاق والمحنة والإعياء -في بعض الأحيان- من كثرة الحرص على قيم التأسيس، وضرورة تحققها في أي مشروع كان، مهما تطلب ذلك من تكاليف مادية ومعنوية؛ لأن الظن أن يكون العائد مجزيا، ومحققا لمستويات التخطيط، والبرامج التي تأسس عليها المشروع (إنسان، جماد، حيوان) وقس على ذلك أمثلة كثيرة. 

أما كيف تستحضر الفكرة ذاتها في ذهن الناس بصورة تلقائية، فذلك مرده إلى كثير من الأسباب منها: اجتماعية صرفة؛ حيث تتربى الأجيال على الحنكة والدارية في تأسيس البنى الاجتماعية، ومنها أسباب ثقافية، التي يدخل فيها الدين كأهم معزز للبنى الأساسية، ومنها أسباب لوجستية كحال المؤسسات المهنية، ولذلك فهناك بيئات حبلى بالأفكار، وهذا مرده إلى تراكم معرفي من الخبرات والتجارب، معززة كل ذلك بالنتائج، مع وجود الإيمان بأهمية أن تكون هذه الأسس حاضرة وراسخة، ولا يتم التنازل عنها تحت أي ظرف كان، وفي المقابل، هناك بيئات ضحلة في هذه المسألة، وذلك مرده أيضا إلى الجهل بحقائق الواقع، ومستلزمات الحياة ذاتها، مع أن الحياة لا يمكن أن تستمر على صور من العشوائية، وتجارب الخطأ والصواب، وهذا لا ينفي أن لهذه المسألة معوقات كثيرة تعترض اكتمال البنى الأساسية منها: عدم وضوح الرؤية والأهداف لدى فريق العمل، وفريق العمل هنا يمكن إسقاطه حتى على الأب والأم في تتشئة أطفالهم، والتخطيط لمستقبلهم، وليس فقط ينطبق على المؤسسة المهنية، كذلك من المعوقات وجود عناصر في المجموعات تسعى لمصالحها الشخصية الضيقة؛ حيث تتحايل على القانون مع معرفتها بمستوى الخطأ والجرم الذي ترتكبه في حق نفسها، وفي حق الآخرين من حولها، ومنها أيضا الأخذ بالمعززات والمقومات المهترئة (غير الماكنة) على فهم «مشِّ حالك» بالإضافة إلى عدم الإيمان بالدور الذي تقوم به المؤسسة، وعدم الاكتراث لأهدافها ومقومات بقائها «وهذا الأخير» يحدث عندما تنحاز العدالة عن شيوعيتها على الجميع؛ فيسقط من خلالها التآلف والتآزر، ويكون الختام فقدان الهوية. 

وفي حالة وجود مثل هذه المعوقات تظهر النتائج غير محققة للطموحات، وتلزم طرح الأسئلة التي قد تكون جدلية في بعض الأحيان حيث لا تتحقق معادلة (1+1 = 2) وعندما يصل الأمر إلى هذا المستوى من عدم الاكتراث تفقد المؤسسة قدرتها على الصمود، والتجذر، وإذا تكاثرت الأمثلة على ذلك، سواء كان على مستوى المؤسسة الاجتماعية، أو المؤسسة المهنية، فإن الأمر يصبح مقلقا جدا، ويجب أن يصل إلى مرحلة الاستنفار؛ لأنه في كل حالاته يفقد الوطن أهم معززاته من النمو والتميز والتقدم. 

أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفي عُماني