بريد القراء

ما بعد الامتلاء.. فقاعات مدوية

 

بعد أن منَّ الله تعالى علينا بصيام شهر رمضان المبارك، ومن بعده أيام عيد الفطر السعيد، ثم بفضل الله شهدنا أيام المطر وخيراته؛ شاءت أقدار الله أن نعيش هذه المحطات متتالية على مسار واحد دون فواصل، فلك الحمد والشكر يا الله.
سبحان الله! تحدث للإنسان بعد كل محطة من محطات الحياة، أو فصل من فصول السنة، أو حتى بعد مناسبة صاخبة بالجهد والامتلاء –مثل تلك التي عشناها خلال ثلاثين يوماً من الشهر الكريم، ثم أيام العيد، ثم بركات السماء من خلال الأمطار الغزيرة التي هطلت علينا هذا العام– حالة من الهدوء المفاجئ. وأنا أعتبرها أحداثاً استثنائية؛ كون هطول الأمطار جاء خلال أيام العيد وبعده.
بعد كل هذه الأيام الممتلئة بالجهد الجسدي والروحي والنفسي التي لم تكن تترك لنا حيزاً للملل أو الضجر أو الفراغ، وكأننا كنا جميعاً نطفو فوق السحاب، نتفاعل مع التفاصيل الدقيقة التي نعيشها بكثير من الحماس؛ إذ كانت تلك اللحظات تأتي إلينا مشحونة بالأحداث الجديدة، ومفعمة بالنشاط والحيوية. حتى الجهد البدني كنا نعيشه بسعادة كبيرة وفرح عارم، سواء ما ارتبط منه بالعبادة في شهر رمضان، أو بتبادل الزيارات والفعاليات الاجتماعية الجميلة في أيام العيد، أو حتى خلال فترة هطول الأمطار التي كانت كحدثٍ 'كرنفالي' جميل، ونحن منغمسون في تلك الأحداث الرائعة بكل حيوية وانفعال.
ثم بعد أن انقشعت السحب من السماء وتلاشت، كما تلاشت معها أيام الشهر الفضيل والعيد السعيد أصبنا بما يسمى بـ 'الخمول' أو الضجر، أو الاكتئاب النفسي المؤقت. وحسب ما قرأت هي حالة حزن أو توتر تصيب الإنسان بعد الانتهاء من المواسم الدينية أو الاجتماعية أو العطلات وما شابه ذلك؛ نتيجة العودة المفاجئة للروتين. وأنا أشبهها هنا كأننا كنا نعيش داخل 'فقاعات' تعلو بنا إلى الأعلى، ثم فجأة تهوي بنا إلى الأرض بسرعة كبيرة.
إننا حين نعود إلى حياتنا اليومية الطبيعية بعد هذا الامتلاء الغزير الذي عشنا غمارة خلال تلك الأيام المباركة، ومن فيض النعم العظيمة التي أكرمنا الله بها نشعر بعدها بهذه 'الفراغات' التي تمنحنا شعوراً بالحزن المؤقت، وكأننا نتهيأ للعودة إلى حياتنا المعتادة قبل هذه المحطات الزاخرة.
إننا نحتاج أن نسخّر هذه الطاقة، والتدفق النفسي والعاطفي الناتج عن هذه المحطات الثلاث، لنجعلها وقوداً حين نعود إلى حياتنا العادية؛ ليبقى هذا التوازن قائماً بين الامتلاء والفراغ.