أطراف الحرب تخاطر بالمغالاة في مطالبها
الأربعاء / 12 / شوال / 1447 هـ - 20:33 - الأربعاء 1 أبريل 2026 20:33
الإيكونومست-
ترجمة قاسم مكي
في الحرب ما يبدو منطقيًّا في البداية يمكن أن يتضح لاحقًا أنه كان تهورًا. فبعدما صدَّت إيران هجوم العراق في عام 1982 ركلت في ازدراء وقفًا لإطلاق النار واندفعت قدمًا في هجوم مضاد.
وأطاحت أمريكا بصدام حسين خلال أسابيع في عام 2003 ولكن فقط لتغرق نفسها في مواجهات مضادة امتدت لما يقارب العقد، وكانت لدى كلا البلدين أسباب؛ فإيران أرادت إسقاط الحكومة العراقية وأمريكا أرادت تنصيب نظامٍ صديق. وكلاهما تجاوزا الحد في مطلبهما وانتهيا إلى حروب استنزاف طويلة وغير حاسمة.
حرب الخليج الثالثة التي دخلت الآن أسبوعها الخامس طالت بأكثر مما توقع دونالد ترامب في البداية. تبادلت أمريكا وإيران مقترحات لوقف إطلاق النار، لكنهما متباعدتان جدا في مواقفهما.
ولا يوجد أحد في المنطقة تقريبا متفائل بأن محادثاتهما غير المباشرة ستقود إلى اتفاق. يتحدث البعض الآن عن نشر أمريكا آلاف الجنود للاستيلاء على أراضٍ إيرانية.
فقد ذُكِر أن البنتاجون يعدُّ لأسابيع من العمليات البرية. ويُرجَّح أن تكون هنالك أسابيع من القتال كما يبدو. وهذا من شأنه أن يناسب إسرائيل، الطرف الثالث في الحرب.
مرة أخرى لكل طرف أسبابه للاستمرار في القتال. والمخاطر تتمثل في أن يشتطّ كل طرف. قد تخسر إيران أفضل فرصها في إنهاء الحرب بشروط جيدة.
وقد يورِّط ترامب نفسه في ذلك النوع من الحرب المطولة التي سبق أن شجبها. ورغم أن إسرائيل تحارب إلى جانبها إلا أنها قد تلحق ضررا عميقا بأهم علاقة لها. وهي العلاقة التي تربطها بأمريكا.
في إيران يحسب النظام الحاكم أنه يملك اليد العليا. لقد تحمَّل شهرا من الحرب وحافظ على وتيرة منتظمة (وإن كانت متناقصة) من هجمات الصواريخ والمسيرات على إسرائيل وبلدان المنطقة. كما ألحق ضررا بالغا باقتصاد العالم. وهنالك المزيد من المعاناة في الطريق.
ربما سعى ترامب إلى خفض أسعار النفط في الأسبوع الماضي من خلال المبالغة في الحديث عن تحقيق تقدم نحو اتفاق. لكن سرعان ما تسود الحقيقة؛ وهي وجود نقص في الإمدادات النفطية بحوالي 10 ملايين برميل يوميا. ويبلغ سعر برنت الآن 102 دولار للبرميل (في حوالي 28- 29 مارس- المترجم).
في الأثناء، الضرر الذي لحق بإيران رغم اتساع نطاقه لا يزال في معظمه مقتصرا على الأهداف العسكرية والنووية. فطهران ما زالت مستمرة في تصدير النفط (وفي بعض الحالات تفرض علاوة على سعر برنت).
ينبغي أن تكون هذه «لحظة القوة التفاوضية القصوى» لإيران في محاولة إنهاء الحرب. فهي يمكنها أن تعرض التخلي عن سيطرتها على مضيق هرمز في مقابل رفع العقوبات وتقديم بعض التنازلات المتواضعة القليلة الأخرى والوعد بمناقشة باقي المطالب الأمريكية في المستقبل مع علمها بمحدودية تركيز ترامب (أي سرعان ما سيتحول بانتباهه إلى قضية أخرى) وأن مثل هذه المحادثات قد لا تحدث أبدا.
هذا اتفاق غير مثالي بالنسبة لإيران. لكنه سيكون أفضل كثيرا لها بالمقارنة مع فائدته لترامب.
مع ذلك، تبدو الجمهورية الإسلامية غير راغبة في مثل هذا الاتفاق. لقد هوجمت إيران مرتين خلال العام الماضي فيما كانت تتفاوض مع أمريكا. وهذا ما أوغر صدور قادتها الأحياء وجعلهم متشككين في نواياها. فهم لا يريدون فقط إنهاء هذه الحرب ولكن منع حرب أخرى. ويقدِّرون أن المزيد من الفوضى الاقتصادية قد يعين على تحقيق هذا الهدف الأخير.
يأمل بعض المسؤولين في فرض إتاوات على من يستخدمون مضيق هرمز أو رسوم على السفن التي تعبره. كما يصرون أيضا على شروط لا يمكن أن يقبلها ترامب مثل إغلاق القواعد الأمريكية في المنطقة ودفع تعويضات عن الحرب.
لكن إذا استمرت الحرب سيكون هنالك تطوران في الغالب. أولا، سيكون من الصعب بقدر أكبر على ترامب إعلان النصر. فإغلاق مضيق هرمز صار محرجا سياسيا له في أمريكا وفي المنطقة. وإذا استمر لأسابيع أخرى قد تعجز قدرات ترامب الإقناعية عن تسويق اتفاق «متسرَّع» كنجاح له.
ثانيا، الضرر على إيران سيزداد؛ ففي يوم الجمعة قصفت إسرائيل مصانع صلب كبيرة في إيران وتوقف واحد منها على الأقل عن الإنتاج. وسيكون أثر الإغلاق المطوّل عميقا. فالحديد والصلب من بين أهم الصادرات الإيرانية غير النفطية بإيراد سنوي يصل إلى 7 بلايين دولار تقريبا. وهذا مصدر حيوي للعملة الصعبة نظرا إلى عرقلة صادراتها النفطية بواسطة العقوبات الأمريكية.
كما تمد هذه المصانع سلسلة صناعات محلية باحتياجاتها بما في ذلك قطاعا السيارات والتشييد.
في الوقت الحاضر تمنع أمريكا إسرائيل من شن مثل هذه الهجمات. لكنها لن تفعل ذلك دائما. لذلك قد تصبح سيطرة إيران «أصلا» مهدورا؛ فإذا لم تستبدله بوقف لإطلاق النار قد ينتهي بها المطاف إلى استدعاء حرب أخرى أكثر تدميرا تشمل في الغالب غزوا بريا.
بدأ البنتاجون في إرسال حوالي 7 آلاف جندي من البحرية والقوات المحمولة جوا إلى المنطقة.
وقد ينشر 10 آلاف جندي آخر. وربما يحاولون الاستيلاء على الجزر عند مدخل المضيق مثل أبو موسى وجزيرتي طنب.
قد لا تكون مثل هذه الخطوات كافية لرئيس مُغرَم بالحركات المسرحية (يقال إن ترامب يشاهد مقاطع يومية للانفجارات في إيران وذلك كجزء من إيجازه الاستخباري). ربما يتجه نحو شيء أكثر إثارة كالاستيلاء على جزيرة خرج وهي موقع الميناء الرئيسي لتصدير نفط إيران أو إرسال قوات خاصة لتأمين مخبأ اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب. وكلاهما ينطويان على مخاطر وتعقيد عملياتي.
تأمل إدارة ترامب أن يشكل أي خيار يختاره ضربة قاصمة؛ أي يجبر إيران على إعادة فتح المضيق أو يمنح الرئيس الأمريكي فرصة لإعلان الانتصار. لكنه قد لا يفعل أيا منهما.
فإذا استولت أمريكا على الجزر ولم تستسلم إيران سيتوجب على قواتها المسلحة الاحتفاظ بها.
وإذا تعرض الجنود الأمريكيون إلى خسائر كبيرة قد يشعر ترامب بأنه مضطر لإرسال المزيد من القوات. فالغزو البري أبعد من أن ينهي الحرب. بل قد يورط أمريكا أكثر فيها.
ذلك بدوره سيشكل مخاطر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ولإسرائيل ككل. فنتنياهو السياسي يأمل أن تساعده الحرب في الفوز بالانتخابات التشريعية لاحقا في هذا العام، والحرب التي يطول أمدها قد تؤذيه.
كما أن إسرائيل في معظمها ما زالت خاضعة لقيود تمنع الشركات والمدارس من العودة إلى دوامها العادي. وهو ما تقدر وزارة المالية أنه يكلف أكثر من بليون دولار (0.2% من الناتج المحلي الإجمالي) أسبوعيا.
وعلى الرغم من ارتفاع التأييد العام للحرب فإنه بدأ يضعف. ويقول نصف اليهود الإسرائيليين الآن إنهم يؤيدونها بقوة مقابل 74% في بداية مارس، حسب مركز الأبحاث «معهد إسرائيل للديمقراطي.» أما العرب في إسرائيل فيعارضونها بشكل قاطع.
ما يشكل مصدر قلق أكبر لإسرائيل ما سيحدث لمكانتها في أمريكا والتي تراجعت بعد سنتين من حرب الأرض المحروقة في غزة.
لقد وجد استطلاع بواسطة جالوب نشرت نتائجه قبل فترة وجيزة من الهجوم على إيران أن المزيد من الأمريكيين كانوا ولأول مرة متعاطفين مع الفلسطينيين (41%) مقابل (36%) لإسرائيل.
وعلى الرغم من أن الجمهوريين لا يزالون منحازين بشدة لإسرائيل فإن أقلية عالية الصوت داخل الحزب تحاجج بأن الدولة اليهودية لديها نفوذ يتجاوز الحد على السياسة الخارجية الأمريكية.
وفي أحدث استطلاع للإيكونومست/ يوجوف ذكر 55% من الأمريكيين أن إسرائيل ستستفيد من الحرب في إيران فيما اعتقد 30% فقط أن أمريكا ستستفيد منها.
تخيلوا إذن أن تستمر الحرب لشهور وأن يُقتل فيها عشرات الجنود الأمريكيين ويرتفع التضخم وتتهم إدارةُ ترامب المكلومة نتنياهو بدفعها إلى مستنقع وأن تتحول الانتخابات النصفية إلى استفتاء على علاقة أمريكا مع إسرائيل. أي جزء من أجزاء هذا السيناريو ليس بعيدا عن التحقق (في الواقع بدأت بالفعل لعبة تبادل الاتهامات).
يعتقد كل طرف أنه يمكن أن يكسب شيئا من الاستمرار في الحرب. لكن في النهاية ربما سيكون السؤال: أي طرف سيخسر أكثر؟