أعمدة

مالك المطلبي.. من العدم إلى الوجود

في منتصف السبعينيات، يوم كنّا نحبو في دروب الصحافة، اعتدنا التردّد على مبنى (مجلتي والمزمار) الكائن في منطقة الوزيرية ببغداد، كنّا نجلس مع المحرّرين، كتلاميذ يثبّتون أبصارهم على أفواه أساتذتهم، طمعا بالاستفادة من خبراتهم في الكتابة، والحياة، وحين تسلّم الدكتور مالك المطلبي موقع رئيس التحرير، وجدنا الفرصة سانحة لنلتقي به، والتعرّف عليه عن قرب، كان ذلك في عام 1975 م بعد عودته من عدن التي عمل في التدريس بها، إلى جانب نخبة من الأساتذة العراقيين في أواخر الستينيات، ومن بينهم الدكتور حاتم الصكر، وقد شهدت فترة رئاسته لتحرير الإصدارين الموجّهين للأطفال، نقلة على مستوى التحرير، والإخراج الفني، ونشر المطبوعات، وإقامة الأنشطة الفنّيّة، والمسابقات، وورش الرسم، وتقديم العروض المسرحية. 

أتذكّر ذلك اليوم، الذي دخلت به غرفته على استحياء، فرحّب بي وبمن معي، وأذن لنا بالجلوس، وسألنا عن رأينا بالإصدارين، وإن كانت لدينا ملاحظات، وبعد أن شربنا الشاي، غادرنا المكان، ليواصل عمله، تاركا انطباعا عزّز من إعجابنا به شاعرا، فقد كنا قد قرأنا للمطلبي ديوانه الأول «سواحل الليل» الصادر عام 1965 م، وبعد خمس سنوات، التقيت به ثانية عندما عملت محرّرا في دار ثقافة الأطفال، وكان مسؤولا عن فحص النصوص مثلما ترأس قسم السيناريو، وكنت أتردّد على غرفته كلّما أكتب قصيدة للأطفال، أو سيناريو مصوّرا لـ(مجلّتي)، فيجود عليّ بملاحظاته، التي تكشف عن خبرة طويلة، والمطّلبي المولود عام 1941م بناحية (المشرّح) التابعة لمدينة العمارة، نشأ في بيت علم وثقافة، وأخذ عن والده الشاعر واللغوي يوسف المطلبي في بيت خرجت منه علامات ثقافية، فشقيقه الأكبر هو الدكتور عبدالجبار المطلبي (أستاذي في الجامعة الذي توفّي في مسقط عام 2000م ودُفن في مطرح) والشاعر واللغوي عبد الحسين وحارث وعمار ومن الأسرة الكاتب والرحّالة محمد حسين المطلبي (محمد شمسي) والروائي عبدالرزاق المطلبي والدكتور غالب المطلبي، وسواهم، فاستفاد من مكتبة والده، ونهل من معطيات البيئة الجنوبية الغنيّة بالموروثات الشعبية، والأنهار، وأشجار النخيل، والقصب، ولم تكن (الحلفاية) القرية التي ولد فيها الشاعر الراحل، معزولة عن الأحداث؛ ففيها جرى تصوير بعض مشاهد الفيلم المصري (مغامرات عنتر وعبلة) للمخرج صلاح أبو سيف وبطولة كوكا وسراج منير، وهو من إنتاج عام 1948، وكان هو من ضمن الأطفال الذين استعان المخرج بهم في الأدوار الجماعية ككومبارس مردّدا العبارة الشهيرة في الفيلم (عنتر يا حاميها)، كان يذكر هذه المعلومة ضاحكا، لكنّ هذا الطفل الجنوبي كبر، وصار مديرا للإذاعة، وعمل في التدريس الثانوي وواصل دراسته العليا، فنال درجة الماجستير في علم النحو من جامعة القاهرة عام 1979م والدكتوراة في فلسفة علم اللغة من جامعة بغداد عام 1984 ولم يكتف بهذا القدر من الدراسة حيث عاد في منتصف التسعينيات للمقاعد طالبا، وكان يومها أستاذا في كلية الفنون الجميلة، ليدرس اللغة الإنجليزية، ويتمكّن من قراءة الآداب الإنجليزية بلغتها الأصليّة، وبذلك يطوّر معارفه اللغويّة، ويوسّع آفاق تجاربه الثقافيّة والمعرفيّة، فنال شهادة بكالوريوس الأدب الإنجليزي من كلية اللغات بجامعة بغداد عام 1999م، وتنوّع نتاجه الإبداعي، فلم يحصر نفسه في جانب معيّن، فإلى جانب الشعر، والبحث اللغوي، والنقدي، كتب مسلسلات تلفزيونية من بينها مسلسل (المتنبّي) الذي جسّد به شخصيّة المتنبّي الفنان المصري أحمد مرعي، والمسلسل التعليمي (أشهى الموائد في مدينة القواعد)، ولم يأت ذلك على حساب الشعر، فقد واصل مشروعه الشعري، فأصدر: الذي يأتي بعد الموت وجبال الثلاثاء، إلى جانب كتبه: الزمن واللغة (القاهرة 1989). و(السياب ونازك والبياتي- دراسة لغوية)- بغداد 1986، إلى جانب كتب موجهة للأطفال من بينها: الحمامة والثعلب، الصياد، مغامرات في الغابة، شيبوب وعصابة القراصنة، عدل القضاء، دموع الفيل، وآخر إنجازاته مشروعه الذي تناول فيه تجربة الكاتب الكبير محمد خضير عبر أربعة كتب نقدية. 

على الصعيد الشخصي، كان الراحل مالك المطّلبي، معطاء، أحبّه كلّ من تتلمذ على يديه في كلية الفنون الجميلة، فقد أخذ بيد الكثير من الشباب، يتمتّع بدفء إنساني، حاضر النكتة، رغم الحزن الدفين الذي لا يعرفه إلّا المقرّبون، شديد الحسّاسية، ومن المواقف التي أذكرها أنّ رسالة منه وصلتني في 3/7/2023 عبر الواتساب سألني عن دراسة بعثها للنشر في مجلة (نزوى) لكنّ نشرها تأخّر، وحين تواصلت مع الصديق الشاعر سيف الرحبي بشأنها، تبيّن أنها لم تصل المجلة، فقام بالواجب، وأبلغته، فشكر الرحبي، وكتب معتذرا «الموضوع ليس بهذه الأهمية. فقط أردت أن أستطلع الأمر. المفارقة أننا، نحن متعاطي الأدب، يرتبط نبض وجودنا بتلك المخلوقات التي تسمّى نصوصًا. نقطع زمنًا مضنيًا حتى نخرجها من العدم إلى الوجود، ونظل نتابعها بقلق وخوف حتى تجد سكنًا تأوي إليه». 

رحل المطّلبي جسدا، وبقيت دروسه، ونصوصه، ومقالاته، وكتبه التي ينهل منها الباحثون والدارسون، فكان كما وصفه الدكتور سعيد الزبيدي:

وأدّى الذي يبقيه حيّا على المدى 

وهل بعده إلا اختصار مداها 

أ(مالك) لا أرثيك بل سوف أكتفي 

بذكرك عندي صبحها ومساها 

عبدالرزّاق الربيعي شاعر وكاتب عماني