مطر من ماء وجمر
الأربعاء / 12 / شوال / 1447 هـ - 18:39 - الأربعاء 1 أبريل 2026 18:39
في الوقت الذي تمطر فيه السماء ماءها على الخليج، وتصفو الطبيعة، تنهمر الصواريخ على مدنها، فيتحول الماء إلى جمر، والفرح إلى حزن، في وضع لم تألفه العواصم الخليجية منذ عقود، رغم ما مر بها من مصاعب، وحروب، وكوارث، غير أن هذه المرة مختلفة تماما، فالبوارج الحربية الأمريكية تأتي من على بعد آلاف الكيلومترات كي تحيل أمن هذه الدول إلى رماد، وتكسر الاعتقاد الذي ظل سائدا عن دول هذه المنطقة بأنها في منأى عن الصراعات، والحروب، وأنها تعيش فترات الازدهار، والتقدم، والنمو غير أن الحرب كشفت عن ثغرات أمنية كبيرة تحيط بالخليج، وأن هناك عبثا متعمدا من قبل بعض القوى التي تحاول جر المنطقة برمتها إلى حرب متجددة، ومستمرة، ولا نهائية، وتصنع من بحر الخليج ممرا غير آمن، وغير مستقر.
إن هذه الحرب خلطت أوراق العالم كله؛ فالولايات المتحدة التي بدأت العدوان على إيران بتأليب من الكيان الغاصب، تحت وهم أن الحرب لن تطول، وأن القيادة الإيرانية هشة بما يكفي لسقوطها خلال أيام، يبدو أنها أخطأت حساباتها، ونسيت أن دولة قاومت الحصار الدولي طوال أكثر من أربعين سنة، أصبح لديها مناعة ضد أي عدوان، واستثمرت إرادتها القومية في (طول النفس والصبر والثبات)، وهو ما تراهن عليه القيادة والشعب في طهران، ولذلك فطول الحرب والخسائر والإنفاق العسكري لا تمثل تحديا كبيرا لديها، بينما أثبت التاريخ أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة لم تؤتِ ثمارها، ولم تنجح في أي صراع عسكري سوى في إثارة الفوضى، والهروب في نهاية المطاف، حدث ذلك في فيتنام، وأفغانستان، والعراق، حيث بقيت الأهداف الاستراتيجية دون تغيير، وإنْ نجحت في تحقيق الأهداف القصيرة المدى كالإطاحة بصدام حسين في العراق، غير أنها تركت (فريستها) ساحة مفتوحة لإيران، وفي أفغانستان هزمت حركة طالبان -ذات الأسلحة البدائية- الولايات المتحدة، وعادت لتحكم وطنها، وفي فيتنام نجحت مجموعة من الفلاحين والمحاربين في استعادة زمام بلادهم من أيدي الأمريكان، غير أن كل هذه الدروس التاريخية المتتالية الفاشلة، لم يقرأها الساسة والرؤساء الأمريكيون، وها هم اليوم تحت قيادة لا تأبه للنتائج النهائية للحرب، بقدر ما تعمل على تحقيق أهداف سريعة، وقصيرة المدى، والنظر، مدفوعة برئيس مهووس بإذلال الآخرين، لا يملك سلاح الدبلوماسية، بقدر امتلاكه لغة القوة والعنف، والتهديد حتى لحلفائه، وها هو يورط الولايات المتحدة في أتون حرب بالوكالة عن (الكيان الإسرائيلي)، ويضع العالم واقتصادياته تحت سكين الجزار، بل وضرب بمصداقية الولايات المتحدة عرض الحائط، فحين كانت سلطنة عمان تقود المفاوضات بين بلاده وإيران، وكانت الأمور تسير بشكل جيد، كان هو في الخفاء يخطط لضرب من يفاوضه!! ولذلك لم تعد إيران تثق بأي مفاوضات تجريها مع الولايات المتحدة؛ لأن الحربين اللتين خاضتهما بلاده حدثتا أثناء جلوس الأطراف إلى طاولة الحوار.
وفي النهاية فإن من سيدفع ثمن هذه الحرب العبثية على المدى القريب والبعيد هي دول الخليج العربي، التي تتقاسم الجغرافيا، والتاريخ والدين مع جارتها إيران، بينما سيتولّى الأمريكان، والصهاينة إلى الظل، بعد أن يتركوا هذه البقعة الآمنة مرتعا خصبا للعنف، والإرهاب، وعدم الثقة بين دولها، لذلك على الدول الخليجية أن تضغط بقوة على الجانب الأمريكي لوقف الحرب التي تستنزف موارده، واقتصادياته، وأمنه، وأن يعيدوا صياغة استراتيجية جديدة وجادة للتعايش السلمي، والحوار، وحسن الجوار مع إيران جارتهم الأبدية في الطرف الآخر من الخليج، وأن يستفيدوا من تجربة سلطنة عمان في التعامل العقلاني والواقعي والسياسي الذي تنتهجه مع كل جيرانها، ودول العالم، والذي يقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتغليب لغة الحوار والمصلحة العليا، على لغة العاطفة والمصالح الضيقة، حتى ينعموا بنعمة المطر، ويعودوا لحياتهم الطبيعية، واستقرارهم المعهود.
مسعود الحمداني كاتب وشاعر عُماني