المظاهرات الأمريكية ومستقبل ترامب السياسي
الثلاثاء / 11 / شوال / 1447 هـ - 21:08 - الثلاثاء 31 مارس 2026 21:08
خرجت الملايين من الشعب الأمريكي منددة بالسياسة الغبية والمتهورة لإدارة الرئيس الأمريكي ترامب والذي أصبح يتخبط في قراراته اليومية منذ أن شن حربًا غير قانونية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبتحريض من المتطرف نتنياهو؛ وعلى ضوء ذلك تدحرجت السياسة الخارجية الأمريكية إلى مستوى من الفوضى وقصف المدنيين في إيران شملت المدارس والجامعات والمراكز الثقافية في مظهر متدن من السلوك السياسي غير الرشيد وغير الحضاري.
لقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى مستوى متقدم في جنيف، وكان هناك مرونة إيرانية فيما يخص التخصيب وغيرها من القضايا الخلافية؛ ومع ذلك تجلى الغدر الأمريكي للمرة الثانية من قبل ترامب نفسه الذي خضع للضغط الصهيوني وشن الحرب في لحظة فارقة كان العالم خلالها يتطلع إلى الإعلان عن اتفاق نووي يجنب المنطقة والعالم كوارث الحرب التي أضرت بدول المنطقة بشكل كارثي وجعلت الاقتصاد العالمي يمر بأوضاع صعبة، خاصة على صعيد الطاقة والملاحة البحرية. منذ وصوله إلى البيت الأبيض في العشرين من يناير ٢٠٢٥ والرئيس ترامب يتمرد على الدستور الأمريكي ويهاجم المحكمة العليا وحكام عدد من الولايات الأمريكية، ويهاجم الصحافة الأمريكية بأبشع الأوصاف إلى حد اتهامها بالتزوير والتضليل وعدم المصداقية، ومن هنا فإن خروج الملايين من الشعب الأمريكي هو انعكاس طبيعي لسياسة رئيس أمريكي أضر بالمصالح الأمريكية نفسها خلال العام الأول من إدارته.
الحرب على إيران كانت خطأ استراتيجيا فادحا ارتكبه الرئيس الأمريكي ترامب الذي يفتقر إلى الخبرة السياسية والمكبل بأجندة صهيونية أوصلته بالأموال إلى البيت الأبيض، كما أن عددا من القيادات العسكرية الأمريكية قدمت له نصائح بعدم الدخول في حرب هي الأخطر منذ حرب فيتنام في عقدي الستينيات والسبعينيات والتي انتهت بهزيمة مذلة للجيش الأمريكي وفقدان عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين، وانهارت سمعة ومصداقية الولايات المتحدة الأمريكية.
بعد مضي أكثر من شهر على العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران دون مسوغ قانوني وأخلاقي أصبح الرئيس الأمريكي ترامب في مأزق حقيقي، وأصبح يهدد بضرب المواقع المدنية في إيران كمحطات الكهرباء والماء والجامعات، وهي إشارات واضحة على العجز؛ ومن هنا أدركت الملايين من الشعب الأمريكي أن الرئيس الأمريكي ترامب أضر بمصالح الشعب الأمريكي، وأصبح يدافع عن الكيان الصهيوني من خلال أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة في حرب ليست حرب أمريكا.
وقد مثلت الشعارات التي رفعها المحتجون في أمريكا تحديًا ورفضًا واضحًا لسياسة الرئيس الأمريكي ترامب الذي وضع بلاده في موقف معقد بعد أن ورطه نتنياهو لأسباب تعود إلى مصالح سياسية؛ حيث يواجه عدة تهم تتعلق بالفساد؛ ومن هنا عبر ملايين الأمريكيين عن رفضهم للحرب ولسياسة الرئيس الأمريكي ترامب. وفي تصوري لو كان الحزب الديمقراطي يملك أغلبية بسيطة في الكونجرس بغرفتيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ لتمت إقالته وطرده من البيت الأبيض؛ ومن هنا تبدو الأهمية القصوى للانتخابات النصفية للكونجرس في شهر نوفمبر القادم، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية النسبية في الكونجرس هي أكثر ترجيحًا بعد كوارث الحرب على إيران.
وإذا حدث ذلك، وهو المرجح، فإن محاسبة الرئيس الأمريكي ترامب من قبل الديمقراطيين في الكونجرس سوف تكون الخطوة الأهم التي قد تنهي مستقبل الرئيس الأمريكي ترامب قبل إكمال فترته وهي الأخيرة دستوريا. تحدثنا في مقال الأسبوع الماضي بأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تحولت إلى حرب استنزاف وصراع إرادات. ومن خلال مظاهر الحرب اليومية فإن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب تبدو في وضع معقد، خاصة وأن عقدة مضيق هرمز أصبحت مثار سخرية للإدارة الأمريكية، من خلال أزمة الطاقة وقضايا الملاحة البحرية التي فشل الرئيس الأمريكي ترامب في إيجاد حل عسكري لها، ولم يجد حلولا سوى التهديد بقصف المواقع المدنية، وهي إشارات تدل على السقوط الأخلاقي والقانوني في الحرب.
حتى دول الناتو الأوروبية رفضت الانزلاق إلى الحرب؛ ومن هنا، فإن عودة الدبلوماسية هي الخيار الصحيح نحو إنهاء الحرب، والعودة إلى المفاوضات من خلال ما تم التوصل إليه في آخر جولة في جنيف، بالوساطة المميزة لبلادنا سلطنة عمان والتي بذلت خلالها جهودًا كبيرة بهدف خفض التصعيد وتجنيب المنطقة أهوال الحرب، التي نرى شراراتها في كل دول المنطقة للأسف، وكان لها انعكاسات خطيرة على الأمن والاستقرار، وعصفت بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في دول المنطقة والعالم.
ومن هنا تبرز أهمية الصوت الجماهيري الأمريكي لإيقاف الرئيس الأمريكي ترامب وسياسته المتهورة مع فريق إدارته المتشدد وغير الموثوق. ورغم خروج تلك الملايين من الشعب الأمريكي في مظاهرات واحتجاجات كبيرة ضد الحرب على إيران ظل الرئيس الأمريكي ترامب منددًا بتلك المظاهرات واتهمها بالفشل وعدم الفهم ويحركها عدم الوعي بمصالح أمريكا؛ وهذا شيء يدعو للدهشة والاستغراب من رجل لا يريد أن ينصت إلى جماهير شعبه والانتقادات اليومية من أعضاء الكونجرس حتى من حزبه الجمهوري.
وكما تمت الإشارة في مقالات عديدة إلى أن ترامب وقع بالفعل في قبضة الصهيونية العالمية بقصد أو دون قصد، ويبدو أن وصوله للبيت الأبيض كان له ثمن كبير، فإننا نرى بعض ملامحه في تنفيذ جزء من الأجندة، بالانتهاء من نظام إيران حتى يمكن تشكيل الشرق الأوسط بطريقة تسهل تنفيذ المشروع الصهيوني العالمي، والسيطرة على المنطقة بقيادة إسرائيل، وإخضاعها لسياسات ومعايير محددة تصيب الهوية الوطنية والسيادة في مقتل. وهذه الاستراتيجية الصهيونية وأدواتها في المنطقة وخارجها لم تعد سرية، بل أصبحت واضحة، وخريطة إسرائيل الكبرى تحدث عنها السفير الأمريكي في إسرائيل ماكاهابي مؤخرا.
وحتى تنطلق مخططات التطبيع مجددًا لابد من إزاحة العقبة الكبرى وهي نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإيجاد نظام يتماشى مع المخطط الجديد للشرق الأوسط.
مسار الحرب سوف يتواصل من خلال حرب استنزاف لن يتحملها الاقتصاد العالمي ولا حتى الكيان الصهيوني، علاوة على الولايات المتحدة الأمريكية ودول المنطقة؛ ومن هنا فإن العودة إلى الحوار والدبلوماسية هو الخيار الأفضل بعد مغامرة فاشلة من قبل إدارة الرئيس الأمريكي ترامب الذي أصبح يهدد باجتياح بري لإيران أو جزء من أراضيها. وهذا في تصوري أشبه بالانتحار السياسي ودخول الحرب في نفق مظلم وخطير؛ ومن هنا، فإن على دول المنطقة أن تسارع بالدعوة إلى وقف الحرب، وهو الأمر الذي أكدت عليه سلطنة عمان؛ لأن استمرار الحرب العبثية يضر بدول المنطقة واستقرارها وأمنها بعد أن تخلت إدارة ترامب عن التزاماتها تجاه دول المنطقة.
من هنا، فإن تقييمًا دقيقًا وموضوعيًا للعلاقات الأمريكية الخليجية يعد أمرًا في غاية الأهمية.
عوض بن سعيد باقوير صحفـي وكاتب سياسي وعضو مجلس الدولة