أعمدة

أنا الشيء ونقيضه

كتبتُ تغريدة على منصة إكس (تويتر سابقا) أنتقد فيها الحرب. سميتُ أمريكا وإسرائيل والكوارث التي يتسببان بها. مع أنني أتحفظ على هذا التعبير؛ إذ ينطوي على اعتراف بإسرائيل، وأنها دولة تتخذ خيارات كارثية بينما يمكنها ألا تفعل. إسرائيل كيان احتلال طفيلي وإجرامي، ووجودها بحد ذاته جريمة محققة.

تعرضتُ للهجوم فورا، سألني كثيرون: من الذي يهاجم بلدكِ الآن؟ إنهم بانتظار أن أكتب عن إيران، لكنني لم أفعل لسبب وحيد، إنني أعرف العدو جيدا ولستُ بحاجة للتخمين، أو دراسة الموقف، ثم إن الحرب لم تبدأها إيران! ليست إيران هي من يمتلك أسلحة نووية، ويريد احتكار امتلاكها مثل إسرائيل، هذا الكيان المغتصب الوحشي والذي غيَّر ديناميكيات الحياة بأسرها في المنطقة، متسببا بحروب أهلية إن لم يكن جزءا أساسيا ومباشرا على الأرض فيها، ومانحا تسويغات للاستبداد العربي، الذي يفرض هيمنته بدعوى مواجهة إسرائيل.

دعوتُ في الوقت نفسه لتبنّي موقف مركب، نحتاجه في ظل ظروف شائكة ومعقدة. خصوصا عن موقع إيران من الصراعات في العالم العربي، والمواقف التي اتخذتها بأذرعها السياسية في المنطقة. هل يمكننا أن نتناقش عن مساحة استقلال اتخاذ القرار فيما لو كان مدفوعا بتنافس إقليمي، ورغبة في التوسع والاستحواذ، أم ردة فعل على شروط واقع جديد تدفع به إسرائيل وأمريكا.

لم تتوقف الإشعارات من إكس، وجدتني أتعرضُ للهجوم من المعسكرين؛ هنالك من يتهمني بالصهينة، للتلميح بأن إيران وهي الدولة الوحيدة التي تدفع أثمانا باهظة نظير حلم عربي بتحقيق العدالة للعرب بالقضاء على إسرائيل تماما كما يؤمن هؤلاء. في المقابل اتهمني المعسكر الآخر بأنني «محورجية»؛ اتهام بالعمالة لصالح إيران، خصوصا أن الجماهير العربية، الخليجية على وجه التحديد وفي مرحلة متأخرة، أسقطت إسرائيل من خطابها العام، وبدلا من ذلك كان البرابرة الذين ننتظرهم هم الفرس. تفاقم ذلك بعد ثورة إيران 1979؛ لأسباب أؤمن أنها بسبب من إيران نفسها وما فعلته آنذاك.

المنشور نفسه، يتعرض لهجوم من طرفين يدّعيان أنهما أعداء. كدتُ أفقد أعصابي إذ يبدو أن اللحظة التي انتظرتها إسرائيل قد تحققت، إنها ليست عدونا الأول، الأكثر فداحة أن شتم إسرائيل بحد ذاته يُفهم في هذه اللحظة التاريخية على الفور في كونه علامة على الانتماء لدول المحور، ورغبة في تسليم خليجنا العربي على طبق من ذهب للفرس. من الصعب أن أفهم ذلك، يبدو لي هذا كله عنيفا. عشتُ في زمن الانتفاضة الثانية، ثم إبادة ممنهجة للفلسطينيين، وهأنذا لا أعيش زمن التطبيع فحسب، بل ضياع البوصلة. مُجرمٌ أنْ تشتم إسرائيل؟ أي هزيمة هذه؟

الاتجاهات تضيع، رغم وجود أسباب موضوعية يمكن تعيينها حول ما يحدث حقا. سؤال بسيط: من الذي أطلق الرصاصة الأولى في هذه الحرب؟ من الذي خان المفاوضات الجارية والتي تحمّلت بلدي الدفع بها والوساطة من أجل ألا تدور عجلة قتل الأبرياء مجددا؟ من الذي قتل القادة والسياسيين والرموز الروحية؟ لحظة، فلنعد للسؤال الأول: من الذي أطلق الرصاصة الأولى في هذه الحرب؟ ولنتوقف هنا.

ذكرني هذا الهجوم الشرس بقصص أعلام عرب وإسلاميين بل عالميين ممن عادوا الإمبريالية وركزوا على ذلك في مشاريعهم -لا أدّعي هنا أهميتي مقارنة بهم- ومنهم الأفغاني، الذي عادى الإمبريالية البريطانية على وجه الخصوص، والذي تعرّض لسلسلة من الاتهامات المتناقضة التي صدرت من أطراف متعارضة فيما بينها، إذ لم يتفق خصومه على توصيف واحد له، بل نسبه كل طرف إلى ما يناقضه هو.

فاتهمه بعضهم بالإلحاد والخروج عن الدين، بينما رآه آخرون متشددا دينيا أو منتميا إلى طائفة بعينها، قيل عنه إنه سنّي حين يخاطب الشيعة، وشيعي حين يخاطب السنّة، وغيرها من الكلمات المتناقضة. هذا التضاد في الاتهامات يكشف أن المسألة لم تكن حكما موضوعيّا على معتقده، بل محاولة مقصودة لتقويضه عبر نزع الثقة عنه، وتقديمه بوصفه شخصية ملتبسة لا تستقر على موقف، بحيث يُقصى من جميع الأطراف في آن واحد.

دعوني أختم المقالة بهذا الاقتباس عنه:

«هو العالم بالسرائر.. معلوم للخلان أن سلامة العقيدة أفضل من المحافظة على الروح.. وقد ابتليت بطاقة من مثيري الفتن.. إن هؤلاء الأعداء يهاجمونني في عقيدتي، فأحيانا يشيعون أنني مجوسي، وأحيانا يقولون إنني سني، وطورا يتهمونني بأني رافضي وشيعي من النواصب، والهدف من هذه الشائعات التشكيك في عقيدتي، وإظهاري في صورة الرجل المتلون الذي لا يستقر على معتقد واحد، والشخص المذبذب الذي لا أمان له...».

أمل السعيدي كاتبة وقاصة عمانية