العرب والعالم

قانون إعدام الأسرى يشعل غزة

 

غزة - بهاء طباسي


أثار إقرار الكنيست الإسرائيلي لقانون 'إعدام الأسرى الفلسطينيين'، بالقراءتين الثانية والثالثة (النهائية)، موجة غضب فلسطيني واسعة، على المستويين الشعبي والفصائلي، وسط إدانات وتحذيرات من خطورة تداعياته. ويُنظر إلى هذا القانون باعتباره تصعيدًا غير مسبوق وانتهاكًا صارخًا للقوانين والمواثيق الدولية، بما يجعله –وفق مختصين– جريمة حرب جديدة تضاف إلى سجل الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني، ونقطة تحول خطيرة في مسار التعامل مع قضية الأسرى داخل سجون الاحتلال.
وفي مشهد يعكس حجم الغضب الشعبي المتصاعد، شهدت مدينة غزة، اليوم، فعالية جماهيرية حاشدة رفضًا لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي، وسط هتافات غاضبة ومطالبات دولية بالتدخل العاجل لوقف ما وصفه المشاركون بـ'التصعيد الخطير' بحق الأسرى. وتجمع مئات الفلسطينيين، إلى جانب عائلات أسرى وممثلين عن مؤسسات حقوقية وفصائل فلسطينية وإعلاميين، في وقفة احتجاجية حملت شعار 'لا لإعدام الأسرى'، رافعين صور أبنائهم المعتقلين ولافتات تندد بالقانون الجديد، وتطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والإنسانية.
غضب في الشارع
منذ اللحظات الأولى لانطلاق الفعالية، ارتفعت الهتافات التي تعكس حالة الاحتقان الشعبي، حيث ردد المشاركون شعارات تؤكد أن 'الأسرى خط أحمر'، وأن أي مساس بحياتهم سيقابل بتصعيد شعبي واسع. يقول محمود عمران، أحد المشاركين في الوقفة: 'هذا القانون ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو حكم بالإعدام على آلاف الأسرى. نحن هنا لنقول إن شعبنا لن يقف صامتًا أمام هذه الجريمة'. ويضيف لـ«عُمان»: 'الأسرى هم جزء من نسيجنا الوطني، وكل بيت فلسطيني له حكاية مع السجن، لذلك فإن هذا القرار يمس كل فلسطيني'.
أما الشاب علاء الكرد، فقد عبّر عن مخاوفه من المرحلة المقبلة، قائلاً خلال حديثه لـ«عُمان»: 'اليوم نتحدث عن قانون، وغدًا قد نرى تطبيقًا فعليًا. نحن أمام مرحلة خطيرة جدًا، والسكوت عنها يعني القبول بها'.
وجع العائلات
في زاوية أخرى من المكان، وقفت أم أمجد بدوان، والدة أحد الأسرى، تحمل صورة ابنها، وعيناها تغالبان الدموع. تقول بصوت مرتجف: 'ابني معتقل منذ سنوات، واليوم أشعر أن حياته أصبحت مهددة بشكل مباشر. كيف يمكن أن يصدر قانون يجيز قتل الأسرى؟'.
وتتابع: 'نحن لا نطلب سوى أن يعيش أبناؤنا بكرامة داخل السجون، لكن هذا القانون يسلبهم حتى حق الحياة. نخشى أن يأتي يوم نسمع فيه خبر إعدام أحدهم'.
إلى جانبها، يقف محمود الزق، والد أسير محكوم بالسجن المؤبد، ويقول لـ«عُمان»: 'هذا القرار قتلٌ نفسي لنا قبل أن يكون خطرًا على أبنائنا. كنا نتمسك بالأمل، أما اليوم فنشعر أن الاحتلال يريد إنهاء حياتهم داخل السجون'.
وفي مشهد مؤثر، تحدثت الشابة ريم البلعاوي، شقيقة أحد الأسرى، قائلة: 'أخي اعتُقل وهو في العشرين من عمره، واليوم نخاف أن يُعدم دون أن نراه مجددًا. هذا القانون يسلبنا حتى حق الانتظار'.
صوت الناس
لم تقتصر المشاركة على عائلات الأسرى، بل حضرت أصوات المواطنين الذين يرون في هذا القرار تهديدًا جماعيًا. تقول نهى أبو ضبعان، وهي نازحة من شمال غزة: 'نحن عشنا الحرب والقصف، والآن يريدون قتل أبنائنا داخل السجون. إلى متى سيبقى هذا الظلم؟'.
ويضيف المواطن أحمد الحداد لـ«عُمان»: 'هذا القانون يختصر حقيقة الاحتلال. هو لا يريد فقط السيطرة على الأرض، بل يسعى لإنهاء الإنسان الفلسطيني بكل الوسائل'.
تحذيرات حقوقية
من جانبه، يحذر مختصون في الشأن الحقوقي من تداعيات هذا القانون، معتبرين أنه يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني. تقول المحامية والناشطة الحقوقية ميرفت النحار: 'إقرار قانون إعدام الأسرى يمثل سابقة خطيرة، ويتعارض مع اتفاقيات جنيف التي تضمن حقوق الأسرى وتحظر العقوبات القاسية واللاإنسانية'. وتضيف لـ«عُمان»: 'نحن أمام محاولة لتشريع القتل تحت غطاء قانوني، وهذا يتطلب تحركًا عاجلًا من المؤسسات الدولية لوقف هذا الانتهاك'. ويؤكد أن 'استمرار الصمت الدولي قد يفتح الباب أمام تنفيذ فعلي لهذه الأحكام، وهو ما ينذر بكارثة إنسانية وقانونية'.
قراءة سياسية
على المستوى السياسي، يرى مراقبون أن توقيت إقرار القانون يعكس توجهًا نحو تصعيد غير مسبوق في التعامل مع ملف الأسرى. يقول المحلل السياسي إياد جودة إن 'القانون يأتي في سياق الضغط السياسي ومحاولة فرض واقع جديد على الأرض، مستهدفًا أحد أكثر الملفات حساسية لدى الفلسطينيين'. ويضيف لـ«عُمان»: 'أي مساس بالأسرى قد يشعل حالة غضب واسعة، ويؤثر على مجمل المشهد السياسي والأمني في المنطقة'.
وقال محمود العالول، نائب رئيس حركة 'فتح'، إن 'القانون يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني وكافة المواثيق ذات الصلة بحقوق الإنسان'، معتبرا أنه 'يأتي في إطار سياسات التطرف والعنصرية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية'.
وأضاف العالول أن التشريع الجديد 'يشكل تصعيدا خطيرا يستهدف حياة الأسرى الفلسطينيين، ويمس بقواعد العدالة والمحاكمة العادلة التي نصت عليها اتفاقيات جنيف، محذرا من أن هذه الخطوة من شأنها تقويض الاستقرار ودفع الأوضاع نحو مزيد من التوتر'.
بدوره، قال حازم قاسم، الناطق باسم حركة 'حماس'، إن إقرار القانون 'يعكس مستوى غير مسبوق من الإجرام'، متهما إسرائيل بالسعي إلى إضفاء غطاء قانوني على ما وصفه بـ 'ممارسات قائمة بحق الأسرى داخل السجون'.
واعتبر قاسم أن هذه الخطوة تأتي في سياق محاولة تصفية قضية الأسرى، مشيرا إلى أن إسرائيل لم تتردد سابقا في تنفيذ إعدامات ميدانية، بحسب تعبيره.
ووصف نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ إقرار القانون بأنه 'تصعيد خطير'، داعيا إلى تحرك دولي عاجل لوقف تنفيذه، فيما دعت وزارة الخارجية الفلسطينية المجتمع الدولي إلى التدخل لمنع تطبيق ما وصفته بـ'التشريع العقابي المخالف للقانون الدولي'.
كما أدان روحي فتوح، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، إقرار القانون، معتبرا أنه 'تصعيد خطير وانزلاق غير مسبوق نحو تشريع القتل بحق الأسرى، وأنه 'يشكل انتهاكا جسيما للقانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقيات جنيف'.
وأضاف فتوح أن هذا التشريع يضرب بعرض الحائط مبادئ العدالة الدولية ويؤسس لمرحلة خطيرة من الإفلات من العقاب، مشددا على أن الأسرى الفلسطينيين 'أسرى حرية' يتمتعون بوضع قانوني تكفله المواثيق الدولية، وأن أي محاولة لإعدامهم تمثل جريمة حرب تستوجب المساءلة.
وحذر فتوح من أن هذه السياسات تأتي في سياق منظومة تحريض وكراهية تدفع نحو مزيد من العنف، داعيا المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، إلى التحرك العاجل لوقف هذا التشريع. كما حذرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين من أن القانون يهدد حياة آلاف الأسرى الفلسطينيين، ويشكل سابقة خطيرة في التعامل مع المعتقلين، مطالبة المؤسسات الحقوقية الدولية باتخاذ خطوات فورية لوقف تنفيذه.
مخاوف من التصعيد
المشاركون في الفعالية عبّروا عن قلقهم من أن يكون هذا القانون مقدمة لتطبيقات فعلية على الأرض، خاصة في ظل تصاعد الانتهاكات داخل السجون. تقول الناشطة آية سلامة خلال حديثها لـ«عُمان»: 'نخشى أن يتحول هذا القانون إلى واقع، وأن نشهد إعدامات فعلية بحق الأسرى. هذا أمر غير مسبوق ويجب مواجهته بكل الوسائل'.
دعوات للتحرك الدولي
في ختام الفعالية، دعا المشاركون المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى اتخاذ موقف حازم لوقف هذا القانون، والعمل على حماية الأسرى الفلسطينيين. وأكدوا أن استمرار الصمت الدولي سيشجع على مزيد من الانتهاكات، مطالبين بضغط حقيقي لوقف تنفيذ هذا القرار.
غضب لا يهدأ
تعكس هذه الفعالية صورة مكثفة عن حالة الغضب التي تعم الشارع الفلسطيني، حيث لا يُنظر إلى قانون إعدام الأسرى كإجراء معزول، بل كجزء من سياسة أوسع تستهدف الإنسان الفلسطيني في حياته وحقوقه الأساسية. وبين هتافات الغضب ودموع الأمهات، تتجدد قضية الأسرى كواحدة من أكثر القضايا حضورًا وتأثيرًا في الوعي الجمعي الفلسطيني، فيما يبقى الشارع في حالة ترقب، بانتظار ما ستؤول إليه الأيام القادمة.