المحافظات

بيت مغب «الزواوي».. تحفة عُمانية تجمع بين التاريخ والدبلوماسية

 

كتبت – سندس الشكيلي

تختلف أشكال البيوت العمانية وأساليب بنائها بحسب البيئة المحيطة؛ ففي الأودية والمناطق الداخلية، كانت البيوت الطينية هي السائدة، مبنية من الطين واللباد، مستلهمة بعض أنماطها من العمارة الإفريقية الشرقية. أما في المناطق الجبلية، فكان الحجر المادة الأساسية للبناء، كما هو واضح في بيوت وادي بني حبيب بالجبل الأخضر، بينما اعتمدت المناطق الصحراوية على البيوت السعفية المصنوعة من سعف النخيل، وبيوت الشعر المصنوعة من شعر الماعز. ويعكس هذا التنوع المعماري قدرة الإنسان العماني على التكيف مع الظروف البيئية والمناخية المتنوعة، وتوظيف المهن والأنشطة المختلفة لخدمة حياته اليومية. وتنقسم هذه البيوت إلى عدة أقسام تخدم أنشطة الحياة اليومية، من غرف للنوم ومخازن للحبوب، إلى أماكن لاستقبال الضيوف والحظائر ومناطق الغسيل، بالإضافة إلى بعض المرافق المخصصة للأنشطة الموسمية، مثل غرف لطبخ وتجفيف التمور أو لتقطير ماء الورد في المناطق الجبلية. كما يعكس تصميم البيوت العُمانية التزامًا بالأعراف والتقاليد المحلية، عبر توفير خصوصية العائلة، في عدم مواجهة الأبواب بين البيوت، ورفع الجدران الفاصلة، واستخدام المشابك الخشبية أو الجصية، لضمان مساحة آمنة ومريحة لكل أسرة. 

ولعبت البيوت دورًا اجتماعيًا مهمًا في الحياة اليومية للعمانيين، فهي ليست مكانًا للعيش فقط، إنما مركز للعلاقات الأسرية، ومكان لإقامة المناسبات، ومقر لاستقبال الضيوف، وفضاء للأنشطة الاقتصادية والحرفية أحيانًا. ومع مرور الزمن، بدأت بعض هذه البيوت التاريخية تتحول إلى متاحف أو مواقع تراثية، تحافظ على تاريخ البلاد وهويتها الثقافية، لتبقى شاهدًا حيًا على براعة الإنسان العُماني في التكيف مع بيئته وحفظ تراثه. 

ومن بين هذه البيوت التاريخية المتميزة، يبرز بيت مغب «الزواوي» في مسقط كأحد أرقى الأمثلة على العمارة العُمانية التقليدية التي احتضنت تحولات تاريخية ودبلوماسية مهمة، محافظًا على أصالته رغم مرور الزمن. 

بيت مغب.. بين التاريخ والمعمار 

يقع بيت مغب «الزواوي» داخل سور مسقط العتيق في حي ولجات، بالقرب من قلعة الجلالي والسفارة البريطانية القديمة، بُني في القرن الثامن عشر، ويعتبر من البيوت العريقة التي شهدت مراحل متعددة من إعادة البناء والتوسعة عبر القرون، وقد ذكره المؤرخ العُماني ابن رزيق في كتابه الفتح المبين باسم «بيت المغب»، ما يعكس أهمية هذا البيت في تاريخ المدينة وأحداثها. 

شهد البيت عدة مراحل من التطوير، كان آخرها عام 1889م، وهو التاريخ المحفور على الباب الرئيسي للبيت، ما يدل على اهتمام مالكيه بالحفاظ على التراث المعماري والتاريخي، واعتمدت عملية إعادة البناء والتوسعة على أساليب العمارة التقليدية، مع الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة للنوافذ والأبواب والأفنية الداخلية، ما جعل البيت نموذجًا معماريًا يحتذى به في تلك الحقبة. 

ويتميز بيت الزواوي بنوافذه الفريدة التي تعتمد على نظام تبريدي تقليدي، حيث توضع جرّة ماء في فتحة النافذة لتبريد الهواء الداخل إلى الغرف، وهو نظام يوضح براعة العمانيين في ابتكار حلول ذكية للتعامل مع حرارة المناخ المحلي دون الحاجة إلى تقنيات حديثة، كما يتميز البيت بالأفنية الداخلية الواسعة والأسقف العالية والأبواب الخشبية المنحوتة، ما يعكس الذوق الرفيع والفن المعماري العماني التقليدي. 

التحولات الدبلوماسية والسياسية 

لم يكن بيت الزواوي مجرد منزل عائلي، بل لعب دورًا مهمًا في الحياة الدبلوماسية في سلطنة عُمان خلال القرن العشرين، ففي عام 1955م، كان البيت مقرًا لقنصلية الهند، ما يعكس موقعه الاستراتيجي داخل العاصمة وقربه من المراكز الرسمية، وفي عام 1970م، تحوّل البيت إلى بيت ضيافة لكبار الشخصيات التي كانت تزور السلطان قابوس - رحمه الله - ليصبح بذلك مساحة لاستقبال الوفود الرسمية والدبلوماسيين، بما يعكس مكانة البيت وأهميته على المستوى السياسي والدبلوماسي. 

وفي عام 1972م، استضاف البيت السفارة الأمريكية، ما أضفى عليه بعدًا دوليًا إضافيًا، وأكد على قدرته على التكيف مع الاحتياجات المتغيرة لسلطنة عُمان في المجالات الدبلوماسية والضيافة الرسمية، ومع مرور الوقت عاد البيت إلى ملكية آل الزواوي في عام 1989م، وأصبح يعرف باسم بيت الزواوي، محولًا إلى متحف عائلي يعكس تاريخ العائلة واهتمامها بالحفاظ على التراث العماني. 

التهديد بالهدم وإعادة الإعمار 

في منتصف التسعينات، تقرر هدم البيت مع السفارة البريطانية والمباني المجاورة كجزء من خطة توسعة قصر العلم. ورغم هذه التحديات، لم يترك التاريخ والهوية المعمارية للبيت أن تضيع، إذ قرر الدكتور عمر الزواوي إعادة بناء البيت على شاطئ كلبوة، مع مراعاة التصميم الذي يحاكي الموقع الأصلي للبيت ويحتفظ بملامحه التاريخية. وحرص الدكتور الزواوي على أن يكون البناء الجديد مطابقًا للبيت الأصلي من حيث النوافذ الفريدة، والأفنية الداخلية، ونظام التبريد التقليدي، وهو ما جعل البيت الجديد ليس مجرد إعادة بناء، إنما استعادة لتراث معماري غني يعكس براعة العمانيين في التصميم والمعمار التقليدي. 

البيت كنموذج للحفاظ على التراث 

يمثل بيت الزواوي اليوم نموذجًا حيًا على العمارة العمانية التقليدية، ويعكس كيفية تداخل التاريخ مع الحياة المعاصرة، حيث يظهر الاهتمام بالحفاظ على تفاصيل البناء التقليدي مثل النوافذ المشبكة، والأبواب المنحوتة، والأسقف العالية، والأفنية الداخلية، ونظام التبريد الطبيعي باستخدام جرّ الماء. ويوضح البيت أيضًا كيف يمكن للمباني التقليدية أن تتكيف مع التغيرات السياسية والدبلوماسية عبر الزمن، دون فقدان هويتها المعمارية. فقد شهد البيت مراحل متعددة من الاستخدام الدبلوماسي، ثم عودته للملكية العائلية، وإعادة بنائه بطريقة تحافظ على أصالته، ليكون مثالًا حيًا على الاهتمام بالتراث المعماري في سلطنة عُمان. 

العمارة التقليدية 

ويظهر بيت الزواوي بشكل خاص، وبيوت سلطنة عُمان بشكل عام، كيف استطاع الإنسان العُماني عبر القرون تطوير أساليب بناء متوافقة مع البيئة والمناخ، مع الحفاظ على الجمال والخصوصية والوظيفة العملية للبيت. فالتفاصيل الدقيقة في تصميم النوافذ، والأبواب الخشبية، والأفنية الداخلية، وأنظمة التبريد الطبيعية، جميعها عناصر تجعل البيوت العمانية تحفة معمارية قائمة بذاتها، وهي تستحق الدراسة والتوثيق والمحافظة عليها، كما يعكس البيت روح الابتكار لدى الأجيال السابقة، وكيف يمكن للمعمار التقليدي أن يقدم حلولًا عملية وأنيقة في الوقت نفسه، وهو درس مهم للمعماريين والمهندسين في العصر الحديث، خاصة في ظل التحديات البيئية والاهتمام بالاستدامة. 

الجدير بالذكر، أن بيت الزواوي يعتبر رمزا حيا للتراث العُماني، يحتضن بين جدرانه تاريخًا معماريًا ودبلوماسيًا غنيًا، ويروي قصصًا عن أجيال من العمانيين الذين ساهموا في بناء مسقط وحفظ تراثها. من نوافذه المبتكرة إلى أفنيته الداخلية ودواليب أبوابه، يظل البيت شاهدًا على براعة الإنسان العماني في التكيف مع بيئته، وعلى حرص العمانيين على صون تاريخهم وهويتهم الثقافية.