حصن سمائل ومسجد ((قرنة قائد)) الأثري .. شواهد تثبت عظمة العماني منذ القدم
الثلاثاء / 11 / شوال / 1447 هـ - 11:44 - الثلاثاء 31 مارس 2026 11:44
كتبت – فاطمة الحديدي
في وسط الطبيعة الخلابة يقف حصن سمائل شاهدا على إرث تاريخي عميق، وماضٍ عريق يمتد أثره ليومنا هذا؛ حيث يعد حصن سمائل أحد أبرز المعالم التاريخية في الولاية، وتمتد مساحته لأكثر من 10 آلاف متر مربع، ويتكون من ثمانية أبراج متنوعة الأشكال بين الدائرية ونصف الدائرية والمربعة توزعت على امتداد جدرانه لتؤدي دورًا دفاعيًا حيويًا في حماية الحصن.
ويُصنف حصن سمائل كأحد أعظم المباني التاريخية في الولاية؛ حيث تبلغ مساحة بنائه 10 الآف متر مربع، وحسب ما ذكر في الموسوعة العمانية فقد بُني هذا الحصن على سفح جبلي في وسط الولاية، وشيد منذ حوالي 380 عاما تقريبا خلال الفترة ما بين عهدي كل من الإمام عبد الله بن محمد الذي تولى الإمامة في عام 1560م والإمام ناصر بن مرشد اليعربي الذي تولى الإمامة عام 1624م.
وحصن سمائل قديم ولا أحد يعلم من قام ببنائه، وإن كان هناك الكثير من الملوك والأئمة قد أعادوا ترميمه، ويمتد الحصن عبر واجهة منحدرة لصخرة معزولة ولها واجهة رأسية نحو الوادي يعلوها الحصن الذي هو عبارة عن برج دائري كبير مشيد بالحجارة عند أعلى نقطة، وهناك أسوار عالية تحيط بمنطقة الحصن الواسعة.
ويتكون الحصن من عدد من الأبراج والجدران الخارجية بالإضافة إلى الواجهة الأمامية والمدخل الرئيسي «البوابة» التي تميزت بوجود عناصر دفاعية مهمة كمواقع إطلاق السهام والمرامي التي كانت تستخدم للدفاع عن الحصن فضلاً عن وجود مصاب الدبس والماء المغلي التي توجد عادة فوق مدخل الحصن.
ويضم الحصن مرافق متعددة، منها غرف سكنية ومخازن للمؤن إلى جانب مسجد ومدرسة لتعليم القرآن الكريم يقعان في موقع مجاور، كما يمتد سوره على الجبال المحيطة، وتتوزع الأبراج في زواياه الأربع. وكان الحصن في الماضي يؤدي أدوارًا إدارية وقضائية مهمة؛ حيث اتخذ مقرًا للوالي والقاضي، واحتضن «البرزة» التي كانت تُعقد فيها جلسات النظر في القضايا وشؤون المجتمع.
ويروي فهد الجابري أحد سكان ولاية سمائل أن الحصن يحتوي على مدفع أثري وزنه 6 أطنان موضوع في ارتفاع 70 متر من سطح الأرض، ويشير إلى روايات متعددة تناقلتها الأجيال عبر الزمن تتحدث عن هذه المدفع العتيق: فمنهم من قال: إنه منذ قديم الأزل كان الناس عمالقة وبنيتهم الجسدية قوية حملت المدفع لارتفاع شاهق، أما الرواية الثانية فتقول: إن المدفع صنع وصهر وأنشئ على هذا الارتفاع الشاهق، وكلا الروايتين تظلان شاهدتين على عظمة الإنسان العماني منذ القدم.
وشهد الحصن أعمال ترميم باستخدام مواد البناء المحلية التقليدية، مثل الصاروج العُماني والحصى والطين وجذوع النخيل وأخشاب البامبو في إطار الحفاظ على طابعه المعماري الأصيل. كما قامت وزارة التراث والثقافة بتأهيله وتزويده بالخدمات الأساسية بما في ذلك الطريق المعبد والمياه والكهرباء مع الاعتماد على مواد كالخشب والجص إلى جانب الحصى والطين والصاروج.
أما مسجد «قرنة قائد» الأثري القريب من الحصن الذي يعد ثاني أقدم مسجد في ولاية سمائل؛ فقد بني في زمن النباهنة، وكان المقر الرئيسي للصلاة ودروس العلم آنذاك وتحفيظ القرآن الكريم، ويقال سابقا كان الوالي ينزل في هذا المسجد، ويحل مشكلات الرعية مرتين في السنة فقط: في السابع والعشرين من رمضان أثناء هبطة سفالة سمائل، وفي السابع من ذي الحجة.
وقد سمي المسجد بهذا الاسم حسب روايتين من سكان القرية؛ حيث ذكر فهد الجابري الروايتين، وقال: سبب التسمية الأول أن المسجد تقام فيه حلقات تعليم القرآن الكريم، وكانت مكتملة باستثناء مكان واحد، وحسب الرواية يقال: إن ملكا من الجن يشهد الحلقة في المكان الفارغ، ويتلو عليهم القرآن، أما السبب الثاني للتسمية فتدل على العدل والهيبة والعلو والرفعة، فكما ذكرنا والي القرية الذي ينزل مرتين في العام يجلس بين الرعية ليسمع حوائجهم، ويجلس في القرنة، ومعناها محليا المكان المرتفع أو الحافة البارزة من الأرض. ويقع المسجد بالفعل على موضع مرتفع نسبيا من سطح الأرض؛ لذا سمي ب «قرنة قائد» أي المرتفع المرتبط باسم قائد.
وحسب موقع وزارة التراث والسياحة فقد افتتح المسجد في مارس 2023 م، واستغرقت أعمال الترميم والصيانة قرابة العام والنصف تمت على عدة مراحل تمثلت في: مرحلة التوثيق والتصوير، وأعمال التنظيف والتدعيم، ثم إعداد الرسومات الخاصة بأعمال الترميم مع مراعاة الحفاظ على المفردات المعمارية والنمط الذي شيد به المسجد، واستخدام نفس مواد البناء التقليدية، كالطين بنسبة 70% والصاروج والحجارة.
ويتكون المسجد الذي يقع على ارتفاع ثلاثة أمتار تقريبا من سطح الأرض من قاعة الصلاة الرئيسية وصرح بمساحة 40 مترا مربعا، ومن الداخل يتكون من المحراب وأعمدة مع الأقواس المعمارية، وأربع نوافذ، ومدخلين من جهة الصرح. ويتكون الصرح الخارجي من دكة للجلوس من جهة البوابة مع وجود درج من الجانبين بمقدار 11 درجة من كل جانب.
و حتى يومنا هذا يخدم المسجد المصلين في كل الأوقات. ويرى سكان المنطقة أن إعمار المسجد أعاد له روحانيته ومكانته التاريخية، وذلك بعد عدة أعمال من الترميم شملت معالجة التشققات بالجدران الخارجية والداخلية، وإزالة التالف من الجدران الطينية واستبدالها بالحجارة المسطحة والصاروج، ومعالجة سطح المسجد لتسمح بانسيابية جريان مياه الأمطار، واستخدام شبكة الحديد لمنع التشققات، ثم عمل طبقة عازلة تمنع تسرب المياه، وإظهار المسجد بنفس آليه التدخل المعمول بها سابقا في الواجهات الخارجية لحصن سمائل، واستبدال باب صرح المسجد بباب خشبي يتواءم مع الأبواب التراثية في المساجد التاريخية، وتهيئة غرف الصلاة بما يتوافق مع متطلبات المصلين، ومع الإطار العام للعناصر المعمارية التراثية للمسجد، كما زود المسجد بنظام صوتيات ومكبرات صوت داخلية وخارجية بالإضافة إلى الخدمات الضرورية كالكهرباء وأنظمة التكييف ودورات المياه، وتنظيف إحرامات المسجد، وعمل تحسينات بسيطة على مجرى الفلج.