الوعي المجتمعي والأزمات
الاثنين / 10 / شوال / 1447 هـ - 22:35 - الاثنين 30 مارس 2026 22:35
تشهد المنطقة حالة من عدم الاستقرار السياسي منذ بدء الهجمات العسكرية على إيران قبل نحو شهر من الآن. هذه الحرب لم تكن في الحسبان، ولم يتوقعها كثير من المحللين والباحثين السياسيين رغم تصاعد حدة الخطابات الإعلامية بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين، لكنها بتحريض إسرائيلي؛ لإشعال الحرب في المنطقة، وتعطيل الجهود الدبلوماسية والوساطات التي تبنتها دول المنطقة دفعا لمآلات التصعيد التي نعيشها الآن اقتصاديا وسياسيا.
لن أتحدث كثيرا عن الجهود الدبلوماسية العُمانية التي سعت إلى تجنب الحرب وتوضيح تداعياتها على أمن المنطقة والعالم أجمع؛ لأن هذه الجهود تناقلتها وسائل الإعلام، وتحدثت عنها باستفاضة وأهمية، إلا أن التباين الكبير في وجهات النظر والمواقف السياسية بين أطراف الحرب أدى إلى اندلاع الحرب ودخول المنطقة في حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي.
مع استمرار التصعيد السياسي والعسكري في منطقة الخليج وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية يمثل الوعي المجتمعي خلال الأزمات السياسية أهمية كبرى في نشر الطمأنينة بين الناس، وعدم الخوض في نقاشات وحوارات غير مسؤولة، أو تحمل في طياتها اجتهادات غير دقيقة؛ وبالتالي من المهم الإنصات للمصادر الرسمية وبياناتها الإعلامية قبل تحليل المواقف والأحداث السياسية والاقتصادية خلال فترة الحرب؛ تفاديا لاستغلال البعض التحليلات غير الدقيقة في نشر الشائعات، والتأثير على التماسك المجتمعي خلال هذه المرحلة الدقيقة والحساسة.
أيضا من المهم التأكد من مصدر المواد الإعلامية قبل نشرها مثل الصور والمقاطع المرئية والصوتية في المنصات الرقمية عبر الحسابات الإلكترونية الشخصية أو عبر الحسابات الإلكترونية الإخبارية؛ حتى لا تستغل في بث الخوف والهلع بين أفراد المجتمع، أو تستغل في التحليل الرقمي الاستخباراتي من قبل الجهات المعادية؛ وبالتالي فإن الوعي المجتمعي خلال الأزمات السياسية يعد مسؤولية مشتركة وضرورة قصوى بين أفراد المجتمع.
الأزمة السياسية التي تعيشها منطقة الخليج في الوقت الحالي وتداعياتها السياسية والاقتصادية تتطلب منّا جميعا التفاعل المسؤول مع الأزمة وعدم الالتفات والانجرار خلف الشائعات والأخبار المضللة غير الدقيقة التي يحاول البعض أن يروّجها في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام من خلال تحليلات سطحية مستندة على بيانات غير مستندة إلى مصادر رسمية؛ وبالتالي فإن المرحلة الحالية تتطلب وعيا مجتمعيا وحذرا كبيرا في التعامل مع وسائل الإعلام وفي الخوض بنقاشات وأطروحات في منصات التواصل الاجتماعي؛ وبالتالي من المهم الاتزان في الطرح والنقاشات المجتمعية وفي المنصات الرقمية خلال فترة الأزمات السياسية عبر التفريق بين ردات الفعل واتخاذ المواقف قبل تبنيها واستقبال المعلومة؛ لأن الشائعات والمعلومات والبيانات المضللة تستعمل لتأجيج ردات الفعل تجاه تطورات الأزمة. وكذلك من المهم عدم استخدام لغة التعميم في تحليل الأزمة، أو إبداء وجهة نظر حول تطوراتها وتداعياتها، وبذلك نضمن عدم تحول الخلافات السياسية والأزمات الناتجة عنها إلى انقسام أو تشنّج مجتمعي في المواقف والآراء.
يقيس الوعي المجتمعي خلال الأزمات مدى الخبرة المتراكمة التي اكتسبها أفراد المجتمع في التفاعل المسؤول مع تطورات الأزمات، وعدم الخوض في نقاشات أو حوارات موجهة، ويعكس مدى قدرة المجتمع على قراءة المشهد العام بعناية وفهم عميق يتناغم مع المصادر الرسمية عبر تفاعل مجتمعي واعٍ مبني على مؤشرات دقيقة، وخطاب إعلامي متزن لا بردة فعل عاطفية.
وهنا نستطيع القول: إن الإعلام العُماني خلال الأزمة السياسية الراهنة في المنطقة تميّز بقدرته على التعامل المسؤول تجاه تعزيز الوعي المجتمعي من خلال تدفق البيانات الشفافة والرصينة للجمهور ما ساعد على ترسيخ الثقة في الإعلام الوطني الذي يقدم المعلومة الدقيقة، وتعزيز المسؤولية المجتمعية بعيدا عن الإعلام الموجه أو الغامض الذي يزيد من القلق والهلع والارتباك في تقديم المعلومة للجمهور.
إنّ الوعي المجتمعي خلال الأزمات لا يعني بالضرورة الاكتفاء بتلقي المعلومة أو تميزه بحالة انضباطية، بل من خلال الفهم العميق لمسببات الأزمة وتطوراتها على أرض الواقع وتداعياتها المستقبلية على المنطقة، وتحليلها وفقا لمعطيات وتحليلات دقيقة لا سطحية؛ وبالتالي اكتساب أفراد المجتمع المناعة الأخلاقية والثقافية بإدراكهم لما يدور حولهم دون تشويش أو تضليل.
وأرى من الضروري أن تسعى الجهات المختصة إلى الاشتغال أكثر على الحملات الإعلامية التوعوية خلال الأزمات؛ لأنها مكسب وسلاح لتحصين أفراد المجتمع من الشائعات والأخبار المضللة.
وهنا نشيد بالوعي المجتمعي في سلطنة عُمان الذي أثبت مستوى عاليا من المسؤولية الوطنية في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي من خلال الالتزام بما تصدره الجهات المختصة من تنبيهات بشأن الأزمة السياسية الحالية التي تشهدها المنطقة، وعدم إبداء ردود فعل عاطفية أو تحليلات سطحية غير دقيقة، وهذا يعكس الوعي المجتمعي المبني على التحليل الموضوعي والفهم الكافي لمسببات الأزمة الحالية وتداعياتها على المنطقة.
راشد بن عبدالله الشيذاني باحث ومحلل اقتصادي