أمريكا وفوضى أسواق النفط العالمية
الاثنين / 10 / شوال / 1447 هـ - 22:34 - الاثنين 30 مارس 2026 22:34
ترجمة: قاسم مكي -
في عام 1980 وبعد فترة قصيرة من الغزو السوفييتي لأفغانستان أبلغ الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الكونجرس أن «محاولة أية قوة خارجية السيطرة على منطقة الخليج ستُعتبر اعتداء على المصالح الحيوية الأمريكية، وسيصدُّ مثل هذا الاعتداء بكل وسيلة ضرورية بما في ذلك القوة العسكرية». تُلزِم هذه السياسة التي ستعرف باسم «مبدأ كارتر» الولايات المتحدة بالدفاع عن حرية تدفق النفط عالميا، لكن خلال العقود القليلة الماضية أصبحت أمريكا تلعب دورا أكثر خبثًا في أسواق الطاقة العالمية.
صحيح أن تزايد إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة أدى إلى تحييد بعضِ التقلبات الحادة والمقلقة لأسعار النفط في أوقات الأزمات، لكن خيارات السياسة الخارجية الأمريكية أوجدت في نفس الوقت وعلى نحو مطّرد عدمَ استقرار وتشوُّهات.
إذا نظرنا في إدمان واشنطن للعقوبات سنجد أنها في مراحلها المبكرة كثيرا ما شملت استثناءات لحماية أسواق النفط، لكن على الأقل منذ تولَّي دونالد ترامب الحكم في فترة رئاسته الأولى اتسع نطاق العقوبات باطراد مع تراجع الاستثناءات.
فالعقوبات التي استهدفت فرض «أقصى الضغوط» على إيران وفنزويلا أوقفت بقدر كبير مبيعات النفط الى كل المشترين العالميين فيما عدا عبر آليات غير مشروعة مثل أساطيل الظل. أيضا عقب حرب أوكرانيا قلبت العقوباتُ الأمريكية والأوروبية على صادرات النفط الروسية تجارةَ النفط العالمية رأسا على عقب، وقادت الفوضى التي نجمت عن ذلك الى قفزات في الأسعار لعدة شهور.
أصبحت نزعة المغامرة العسكرية الأمريكية إشكالية على ذات النحو. لنأخذ خيار إدارة أوباما في عام 2011 بالتدخل نيابة عن المحتجين الليبيين ضد نظام معمر القذافي. لقد تراجعت صادرات نفط ليبيا الى حوالي 20% من حجمها السابق مما أدى الى إقصاء منتج رئيسي للنفط من الأسواق العالمية ولو أن ذلك حدث في فترة شهدت انخفاضا في الطلب.
كما احتاج الإنتاج العراقي الى عدة سنوات لاستعادة عافيته من الغزو الأمريكي في عام 2023، وترتبت عن النزاع هناك آثار طويلة الأمد على صناعته النفطية.
الحرب مع إيران ليست سوى أحدث حالة لقيام أمريكا بدورها كقوة مقوِّضة للاستقرار في أسواق النفط العالمية. لقد خشي تجار النفط وخبراء أمن الطاقة منذ فترة طويلة من أن يؤدي نشوب حرب الى إغلاق مضيق هرمز أمام حركة السفن ومنع الصادرات من موانئ في الخليج أو تدمير البنية التحتية لإنتاج النفط، لكن كل هذا اعتُبر سيناريو مستبعدا حتى وقتنا هذا. غير أن إدارة ترامب قرَّبتنا كثيرا جدا الي مثل هذا الوضع بالضبط.
ربما لا تغلق إيران مضيق هرمز مادِّيَّا، لكن قلة قليلة من قباطنة السفن أو شركات التأمين لديها الجرأة الكافية للإبحار عبر منطقة حرب مفتوحة.
أغلقت قطر منشآت انتاج الغاز، وأدى ذلك الى ارتفاع حاد في أسعاره. كما شرع منتجون آخرون في وقف إنتاج النفط مع نفاد السّعة المحلية لتخزينه.
ظلت أسعار النفط تزداد تدريجيا، وهي ترتفع لسلع محددة مثل وقود الطائرات حيث السوق أكثر تقييدا. وسيكون الإحساس الأكثر حدة بآثار حرب الولايات المتحدة الاختيارية هذه في قارة آسيا. (الحرب الاختيارية خلافا لحرب الضرورة هي الحرب التي تشنها دولة دون أن تتعرض لتهديد عسكري وشيك أو مباشر، وهي وفقا لميثاق الأمم المتحدة حرب غير قانونية ولو بدعوى أنها استباقية- المترجم.) فاليابان وتايوان والبلدان الآسيوية الأخرى الحليفة لأمريكا تعتمد بشدة على وقود الخليج. وبدأت كل من الصين والهند كذلك في الشعور «بالوخزة»، وفي أوروبا -التي بالكاد تعافت من تداعيات نقص إمدادات الطاقة المرتبطة بحرب أوكرانيا- ارتفعت الأسعار بشكل حاد.
للمفارقة؛ بدأ المستهلك الأمريكي يشعر بهذه الآثار أيضا. وتبحث إدارة ترامب عن استراتيجيات للتلطيف من شدتها بما في ذلك التخفيف من العقوبات المفروضة على روسيا، والإفراج عن مخزونات الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية للولايات المتحدة وبلدان مجموعة السبع، لكن من المستبعد أن يكون لمثل هذه الإجراءات أثر مهم على الأسعار إذا استمرت الحرب لأسابيع قادمة.
ويبدو باطراد أن الضغوط من الناخبين والأسواق التي تشعر بوخزة ارتفاع تكاليف الطاقة قد تدفع ترامب الى البحث عن مخرج من هذه الحرب، كما بدأ الضغط أيضا من حلفاء الولايات المتحدة وخصومها على السواء.
وتتأثر اقتصادات بلدان الخليج بقدر كبير من الحرب. إلى ذلك تواجه المصافي الهندية أوضاعَ نقص في الإمدادات النفطية فيما أشارت الصين الى أنها قد تتفاوض مباشرة مع إيران؛ لضمان المرور الآمن لناقلاتها.
قد يتراجع ترامب عما قريب، لكن في حين أن إدارته ليست أول إدارة تمارس القوة الأمريكية بطريقة تقوِّض أسواق الطاقة العالمية إلا أن عواقب الحرب الاختيارية هذه لا يمكن قياسها. ويعجب المرء إلى متى يمكن للصين والهند والبلدان الأخرى تحمّل هذه الاضطرابات وأثرها الاقتصادي المحتمل قبل أنْ تدرك أنَّ السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تشكل تهديدًا حقيقيًا لأمن وارداتها من امدادات الطاقة.
إيما آشفورد باحثة بمركز ستيمسون في واشنطن ومؤلفة كتاب بعنوان «النفط والدولة والحرب: السياسات الخارجية للدول النفطية»
الترجمة عن الفاينانشال تايمز