أي قدر نريد من النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي؟
الاثنين / 10 / شوال / 1447 هـ - 21:47 - الاثنين 30 مارس 2026 21:47
منذ ظهر روبوت الدردشة ChatGPT من إنتاج شركة OpenAI على الساحة في أواخر عام 2022، ظل الاقتصاديون والمعلقون يناقشون التأثيرات المحتملة التي قد يخلفها الذكاء الاصطناعي التوليدي على الإنتاجية.
ولكن من منظور ثقافي وسياسي، من المفيد هنا أن نطرح سؤالا معياريا: ما مقدار نمو الإنتاجية الذي ينبغي لأي مجتمع أن يرغب فيه؟
الواقع أن الارتباكات الاقتصادية التي تصاحب النمو السريع في الإنتاجية قد تكون مؤلمة. على سبيل المثال، تسببت الثورة الصناعية البريطانية في ركود أو انخفاض متوسط الأجور في العقدين الأخيرين على الأقل من القرن الثامن عشر، ويزعم بعض خبراء الاقتصاد أن الأمر استغرق عقودا أخرى من الزمن قبل أن يتمكن التحول إلى التصنيع من رفع مستويات معيشة العمال العاديين.
من ناحية أخرى، انخفضت الأجور الحقيقية في بعض المهن، وكافح عدد كبير من العمال المسرحين لسنوات للعثور على وظائف. وكانت العواقب الاجتماعية هائلة.
تدفق الناس إلى المدن المكتظة بالسكان والتي تفتقر إلى المياه النظيفة والمرافق الصحية الملائمة، وكانت الأمراض متفشية، وكان العمل في المصانع محفوفا بالمخاطر. وكان العمال في حالة من الغضب.
ليس من المستغرب أن يكون الفارق بين نشر رواية أوليفر تويست وصدور البيان الشيوعي عقدا من الزمن، خلال هذه الفترة المضطربة.
كان تشارلز ديكنز ناقدا كبيرا للفقر في لندن الفيكتورية، وإصلاحيات الأحداث، ورداءة مرافق الصرف الصحي. وكان كارل ماركس يتجول في شوارع لندن التي وصفها ديكنز، وكثيرا ما كان يدرس في قاعة القراءة بالمتحف البريطاني، ويلاحظ بشكل مباشر كيف كانت التكنولوجيا تهز أركان المجتمع حتى الصميم.
عندما كتب ماركس وفريدريك إنجلز في عام 1848 أن «إطلاق ثورة لا تتوقف في أدوات الإنتاج» تسبب في إحداث تغييرات في علاقات المجتمع برمتها»، لم يكن مقصدهما التنظير؛ بل كانا يصفان ما رأياه من النافذة. وكتبا: «كل ما هو صلب يتلاشى في الهواء».
من ناحية أخرى، لأن إنتاجية العامل هي المحرك الرئيسي لمستويات المعيشة في الأمد البعيد، فمن المغري أن نزعم أننا يجب أن نرغب في نمو الإنتاجية بأكبر سرعة ممكنة. ذلك أن ارتفاع مستويات المعيشة يعني أدوية جديدة وأفضل، ومحال عمل أكثر أمانا، وأعمارا أطول، وأوقات فراغ أكثر.
إن التغيرات التي تبدو صغيرة في معدلات النمو قد تخلف أثرا اقتصاديا هائلا.
كان نمو الإنتاجية حوالي 3% في ذروة الثورة الرقمية في تسعينيات القرن العشرين، مقارنة بنحو 1.5% في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008.
المعدل الأول كفيل بمضاعفة مستوى معيشة الأمريكيين في غضون 24 عاما، في حين يضاعف المعدل الثاني مستوى معيشة الأمريكيين في غضون 47 عاما.
يتطلب إيجاد التوازن الصحيح بين الأضرار الناجمة عن الارتباكات الاقتصادية والاجتماعية وفوائد الارتفاع السريع في الإنتاجية ومستويات المعيشة النظر في ثلاث مسائل رئيسية.
أولا: يجب أن يحدد المواطنون وصُنّاع السياسات معيارهم الأمثل. هل يتمثل الهدف في تحقيق نمو الناتج الاقتصادي الكلي في أسرع وقت ممكن؟ أو أن الهدف هو زيادة الدخل بوتيرة سريعة مع منع حدوث قفزة في معدلات الفقر أو البطالة الطويلة الأمد؟ أو ربما يرغبون في اتباع نهج مختلف تماما، مثل محاولة توقع كل النتائج المحتملة واستخدام السياسة الاقتصادية لتحسين أسوئها.
يتمثل اعتبار ثانٍ في مستوى معيشة الأجيال القادمة. كان كثيرون في منطقة «حزام الصدأ» الأمريكية يفضلون على الأرجح معدل نمو إنتاجية أبطأ خلال العقود العديدة الماضية، وهو ما كان ليخفف من التأثير المترتب على خسارة الوظائف في قطاع الصناعات التحويلية.
في الوقت ذاته، ينبغي لنا جميعا اليوم أن نكون سعداء لأن حياتنا أفضل كثيرا مما كانت لتصبح عليه لو أن أسلافنا ضغطوا على المكابح، على سبيل المثال، أثناء الثورة الصناعية الثانية التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، والتي أدخلت الكهرباء، والتلجراف، والأفران العالية، والإنتاج الضخم.
الاعتبار الأخير هو وتيرة التقدم التكنولوجي: فكلما تسارعت وتيرة التحسن، ازداد عدم الاستقرار الاجتماعي وصعوبة العثور على وظائف جديدة للعمال المسرحين.
في حين لم تكن بريطانيا في القرن الثامن عشر مستعدة للتبني السريع للإنتاج الصناعي الآلي، أود أن أزعم ــ مع اختلاف الآراء بكل تأكيد ــ أن الولايات المتحدة أدارت وتيرة التغيير خلال عصر المعلومات في أواخر القرن العشرين بشكل جيد نسبيا. فهل تكون ثورة الذكاء الاصطناعي أشبه بالحالة الأولى أو الثانية؟
يكمن جزء من السبب وراء تعامل الولايات المتحدة مع التغيير التكنولوجي في نهاية القرن الماضي بشكل أفضل مما فعلت بريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر في التحسينات التي أُدخِلت على السياسة الاقتصادية، بما في ذلك تطوير شبكة الأمان الاجتماعي وتوسيع نطاق القدرة على الوصول إلى التعليم. مع وجود هذه السياسات، أصبحت الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وغيرهما من الاقتصادات المتقدمة مجهزة على نحو أفضل كثيرا لإدارة التغير التكنولوجي حتى لو كان شديد السرعة.
على هذه الخلفية، آمل أن تبشر ثورة الذكاء الاصطناعي بزيادة كبيرة في نمو الإنتاجية. فمن الواضح أن فوائد نمو الإنتاجية بمعدل يصل إلى 5% أو 6% ــ وهذا أسرع كثيرا من الوتيرة 3% التي شهدتها طفرة الإنترنت ــ ستفوق التكاليف، نظرا لقدرة نظامنا على استيعاب ومعالجة الارتباك الناتج.
«التدمير الخلاق» يخلق بقدر ما يدمر. على الرغم من انغماس السياسة الأمريكية في الحنين إلى ماضٍ مثالي متخيل، فإن قلة من الناس ربما يرغبون في العودة فعليا بالزمن إلى سبعينيات القرن العشرين لو أتيحت لهم الفرصة، وسوف يصدق الأمر ذاته بين الناس بعد عقد أو عقدين أو ثلاثة عقود من الآن، وأبعد من ذلك.
مايكل آر. سترين مدير دراسات السياسة الاقتصادية في معهد المشاريع الأمريكية، ومؤلف كتاب «الحلم الأمريكي لم يمت، لكن الشعبوية قد تقتله».
خدمة بروجيكت سنديكيت