النقد بين الشاعر والناقد
الاثنين / 10 / شوال / 1447 هـ - 20:25 - الاثنين 30 مارس 2026 20:25
يبقى النقد أحد الأدوات المهمة في قراءة المشهد الثقافي والشعري بشكل عام، ولعل ساحة الشعر الشعبي تفتقر أكثر من غيرها لرافد النقد الأكاديمي، وربما يعود ذلك لقلة المتخصصين في هذا المجال، إضافة إلى عدم اهتمام الشاعر الشعبي بالنقد، وتركيزه على الإنتاج الكمي دون الالتفات إلى الرأي الآخر المحايد، ودون أن يتوقف كثيرا عند تجربته، وإنتاجه الشعري، وهو بذلك يفقد ركيزة أساسية في مساره، حيث يظل النقد أداة تشريحية للنص، ورؤية من الخارج للمنتج الشعري، وهو ما تفتقده كثيرا القصيدة العامية في كل الوطن العربي، وخاصة في الخليج الذي هو مهد هذا الإنتاج، والساحة الأكثر ثراء، وعطاء، وشعبية من غيرها من الساحات العربية.
وقد حاول البعض خوض غمار تجربة النقد غير أنهم لم يواصلوا المشوار وظل إنتاجهم النقدي محدودا، وغير قابل للتعويل عليه، رغم أن بعضه كان جادا، وموضوعيا، وذا مصداقية أدبية وعلمية غير أنه افتقد لعنصر الديمومة والاستمرارية، والتخصص، بينما انبرى بعض الأكاديميين، والدارسين إلى استخدام مدارس نقدية، بنيوية، وتفكيكية غربية للاشتغال على نصوص ذات صبغة لهجوية محلية بحتة، لا تستفيد كثيرا من مثل هذا النوع من النقد، والذي قد يبدو غريبا عنها، وغير قادر على التواصل معها، رغم جدية وموضوعية هذا النوع من النقد، ولكن أرى أنه غير مناسب ـ في كثير من الأحيان ـ لدراسة النص الشعبي الذي لم يعتد على مثل هذه المدارس النقدية، وبالتالي لن يستفيد الشاعر كثيرا من مثل هذه الدراسات.
ويستخدم بعض النقاد أسماء ومقولات لنقاد عالميين، ليس من أجل التطبيق، بل للتعالي على الشاعر، ومحاولة تمرير ثقافته، أو قراءاته على حساب الطرح، فتجد أن معظم ما يتناوله هؤلاء المشتغلون على النقد في أوراقهم البحثية عبارة عن مجموعة كبيرة من الأقوال لمشاهير ـ قد لا يعرفونهم، ولم يقرؤوا لهم أصلا ـ يتحدثون حول النقد، بينما لا تجد شيئا يمكن ذكره أو الالتفات إليه عن النص موضوع الدراسة!! ورغم أن المتلقي سواء الشاعر أو القارئ يحتاج إلى تدعيم القراءة النقدية بأدلة، وبراهين، واستعارات كلامية من نقاد معروفين، أو شعراء آخرين، إلا أن ذلك لا يعني الزج بأسماء لا علاقة لها بالدراسة، أو القراءة لمجرد الاستعراض، أو ملء الورقة، بينما يظل المضمون فارغا، وغير ذي أهمية.
إن النقد هو غوص في أعماق النص، وسبر أغواره، واكتشاف مكامن القوة والضعف فيه، وتحليله من كافة الوجوه والدلالات، لمعرفة مدى صدق عاطفة الشاعر، وتوفيقه في الغرض الشعري، والخروج في النهاية بخلاصة حقيقية، وجادة، وموضوعية، ومتجردة، وغير منحازة سواء للنص، أو للشاعر، وعلى الكاتب أن يتحلى بأدبيات، وسمات الناقد المتجرد من كل عاطفة، وشخصانية، ولا يهم أي منهج أو مدرسة نقدية يستخدمها في قراءته، لكي يصل في نهاية المطاف إلى قراءة ذات مصداقية، يمكن الاعتماد عليها، والاستفادة منها، والبناء عليها لاحقا.
مسعود الحمداني كاتب وشاعر عُماني