أعمدة

مرباط الهولندية.. قرية عُمانية تُعرّف بالإسلام في أوروبا

في الوقت الذي تتصاعد فيه الخطابات التحريضية على الإجرام والعدوان، ويرتفع الضجيج والصخب، ويتحدث الجهلة في أمور العامة بلا أدلة أو براهين، في هذا المشهد الضبابي والمُحيِّر، تُطلعنا الشواهد على الإنجازات العُمانية في التقارب والتفاهم الإنساني، والسعي الدائم لإحلال السلام وتثبيت أسس التسامح بين البشر.

ففي مدينة نايمخين الهولندية، يُطلعنا زوار متحف الشرق للثقافات والديانات بانطباعاتهم وآرائهم عن قرية من القرى التي تعرض نشأة الديانات السماوية الثلاثة (اليهودية، والمسيحية، والإسلام)، وقد تكفلت حكومة سلطنة عمان ببناء بيت الإسلام، الذي افتُتح عام 2011م. ومما كُتب عن المتحف الشرقي، نستعرض ما كتبه كل من (بيتي واليس) من (جامعة رادبود) و(ماريسك ويستيندورب) من (جامعة أوتريخت)، ونُشر المقال على صفحة المتحف عام (2019): «نواصل رحلتنا إلى قرية الصيادين العرب التي تضم مسجدًا ومعرضًا صغيرًا عن الإسلام. يقدم المعرض للزوار معلومات عن حياة النبي محمد، ويعرض نسخًا مختلفة من القرآن الكريم، ويشرح أركان الإسلام الخمسة. استُلهم تصميم القرية من مدينة مرباط، على الساحل الجنوبي لسلطنة عُمان.

كانت مرباط مركزًا تجاريًا مهمًّا على طرق التجارة القديمة. من مرباط، كانت القوافل تسافر عبر الصحراء حاملةً كنوزًا ثمينة إلى بلاد ما بين النهرين وفلسطين والإمبراطورية الرومانية.

وعبر البحر، كانت التجارة تُجرى مع شرق أفريقيا والهند والصين. في عطلات نهاية الأسبوع، يقدم المرشدون في قرية الحديقة الشاي الشرقي، ويعلمون الزوار كتابة اللغة العربية. ولأن معظم زوار المتحف لا يملكون معرفة تُذكر بالإسلام، فإن نسخة مرباط تُعد إضافة قيّمة للمتحف. يُقدّم هذا المشروع نظرة ثاقبة على الدين، ويُسهم في تعزيز المعرفة العامة بالإسلام في هولندا، فضلاً عن الحوار والتثقيف بين الثقافات. لهذه الأسباب تحديدًا، قررت سلطنة عُمان استثمار أموال في المشروع، لتُظهر للجمهور الأوروبي أن التعاون بين الثقافات مع الشرق الأوسط أمرٌ ممكنٌ بالفعل». هذا الرأي ما هو إلا مثال عن آراء زوار المكان الذي يُعرّف بثقافة السلطنة أيضًا، إذ يعرض بيت الإسلام «القرية العُمانية»، كما هو مكتوب على مدخل القرية، نماذج من طرق الري بواسطة الأفلاج، وكذلك أدوات الصيد البحري، ونموذجًا للسوق العُماني، ومدرسةً للغة العربية.

ينشر المتحف على موقعه الإلكتروني معلومات عن تأسيسه، وأن الهدف من المؤسسة نشر ثقافة فلسطين وحياتها اليومية ومبانيها: «انبثقت فكرة إنشاء متنزه ديني في هولندا من أمل القس أرنولد سويس في بناء كاتدرائية قلب يسوع الأقدس على الطراز الهولندي، مع المهندس المعماري يان ستويت والفنان بيت جيريتس. عاد بيت جيريتس إلى تعمّق الثلاثة معًا بأفكار إيجاد نموذج للأرض المقدسة، وفي 11 فبراير 1911، تأسست مؤسسة الأرض المقدسة. كان هدف هذه المؤسسة نشر ثقافة فلسطين وحياتها اليومية ومبانيها». إن الاعتراف بذكر فلسطين في المتحف يُعد إنجازًا بحد ذاته في دولة تشهد بين حين وآخر صعود خطاب الكراهية من الأحزاب اليمينية المتطرفة والمؤيدة للكيان الصهيوني.

وبالعودة إلى مدينة مرباط وأهميتها الثقافية والاقتصادية، فإننا نذكر بعضًا مما كُتب عنها، إذ يقول العالم البغدادي صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي (1260 - 1338م) في الجزء الثالث من كتابه (مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع): “مرباط، بالكسر، ثم السكون، وباء موحّدة، وآخره طاء مهملة: فرضة مدينة ظفار، بينهما خمسة فراسخ، وهي مدينة منفردة لها أسواق، بين حضرموت وعُمان، على ساحل البحر، وقربها جبل نحو ثلاثة أيام، فيه شجر اللبان، وهو صمغ يخرج منه يُجتنى ويُحمل إلى سائر الدنيا». ونظرًا لموقع مرباط الجغرافي والتاريخي، فقد كانت قبلة للتجارة وطلاب العلم، وقد نجم عن ذلك تشييد العُمران المميز، والذي صُممت عليه القرية العُمانية في هولندا، وهذا بدوره يُعزز من إمكانية اختيار مدينة مرباط لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية في المستقبل.

نأمل استثمار وجود بيت الإسلام في متحف الشرق لإقامة أنشطة وفعاليات ثقافية عُمانية دائمة، كإقامة معرض عن الإسهامات العُمانية في الثقافة العالمية، والتعريف بالشخصيات العُمانية المُدرجة ضمن قائمة اليونسكو، وكذلك بالفنون العُمانية المصنفة في قائمة التراث العالمي، وغيرها من الإبداعات الثقافية العُمانية، إضافة إلى المقومات السياحية للسلطنة ودورها السياسي في ترسيخ قيم السلام والتسامح والتفاهم.

محمد الشحري كاتب وروائي عُماني