ثقافة

ألبير كامو.. ابن الشّمس الذي اتّخذ من المسرح وملاعب الكرة جامعته الحقيقيّة

 

الجزائر 'العُمانية': صدر عن دار موزاييك بوك للنشر والتوزيع للمخرج السّينمائي، والباحث الجزائري، جمال محمدي، كتاب بعنوان 'ابن الشمس.. ألبير كامو'، وهو مؤلَّف يغوص في صميم تجارب حياة ألبير كامو (1913/1960)، وكتاباته، والقصص التي رواها له الآخرون، ويدعو مؤلّف الكتاب القارئ إلى إعادة اكتشاف الطفل، والإنسان، والكاتب، والفيلسوف، والمفكر، والفنان ألبير كامو.
يبدأ الكاتب بتتبع رحلة كامو من مسقط رأسه، موندوفي، التي لم يكن يعرف عنها سوى صور قليلة وقصص كثيرة، ومن بلكور، ذلك المكان الذي ينضح بالنور الخفي والفقر المدقع، ومن شمس تيبازة، التي أخرجته من أعماقها، وهو يلف سجائر باستوس بفخر وسرور متحديًا المرض، ومن وهران، منبع مجده، ليقودنا إلى منفاه القسري من باريس ولورمارين، إلى الصّراعات الفكرية والأيديولوجية التي وضعته في مواجهة نفسه بفرح عبثي، ويعيدنا إلى الشجرة الملعونة التي أودت بحياته. رحلة حالمة ومؤثرة تعيده إلى طفولته، إلى الأرض الحمراء والمنفى الذي لم يتعافى منه أبدًا. كما يزور الحديقة النباتية، ويتذوّق عبير أشجار النخيل، ويسبح في شاطئ سابليت، ثم يركب الترام الأحمر الذي حُرم منه في طفولته، في حي بيلكورت حيث شارك أهله الجوع والمرض والفقر بكل سرور. رحلة غامرة تمتدُّ من عام 1913 إلى عام 1960.
ويأتي صدور هذا الكتاب تزامنًا واليوم العالمي للمسرح (27 مارس)؛ والمسرح، كما هو معروف، ليس لعبة في اعتقاد كامو، مثله مثل بقية الفنون التي يعشقها، إذ كان المسرح أولى اهتماماته، ولشدة إعجابه بهذا الفنّ الشعبي، كان يقول دائما: 'يا لها من أخلاق قليلة أعرفها، تعلّمتها على خشبة المسرح، وفي ملاعب كرة القدم، التي ستبقى جامعتي الحقيقية'.
وقد كان كامو يرى بأنّ الجزائر 'صحراء مسرحية ' (Sahara Théâtral)، ويشهد على ذلك كتابه (الرجل الأول)؛ فالمسرح يمثل جزءًا مُهمًّا من حياة ألبير الشّعبية، وسيصبح المسرح منفاه، حتى وهو في قمّة المجد، والبحبوحة المالية بعد نيله جائزة نوبل، وبقي المسرح بالنسبة إليه، هو الحياة نفسها كما يقول: 'أعطي المسرح الوقت الذي أرفض بعناد على العشاء في المدينة لأنّه هو المكان الحقيقي الذي أجد نفسي فيه!'، ومع ذلك يبقى المسرح بالنسبة لألبير، ذلك السؤال الذي ليست له إجابة ' كيف؟ لماذا أمارس المسرح؟ حسنًا، لقد تساءلتُ كثيرًا عن ذلك، والإجابة الوحيدة التي تمكّنت من تقديمها لنفسي، حتى الآن، ستبدو لك بلا شك تافهة بشكل محبط، هكذا قال ألبير عن المسرح بكلّ بساطة!'.
وكان للمسرحي جاك كوبو (Jacques Copeau) الذي كانت كتاباته حول المسرح، تأثير كبير على ميول ألبير كامو، واهتمامه بعالم المسرح وفنون العرض، كما صرّح ألبير كامو بذلك لمجلة 'مسرح فرنسا' (Paris-Théâtre) شهر أغسطس 1957، بالقول 'لقد أعطتني كتابات كوبو الرغبة ثم الشغف بالمسرح'.
وتقوم فلسفة ألبير كامو المسرحية التي استمدّها من خبرة كوبو الذي يجعل من وضع النصّ، والأسلوب، والجمال، في المقام الأول، وفوق كلّ شيء آخر، ويعتبر أنّ العمل الدرامي هو الذي يوحّد وليس الذي يقسّم، ذلك العمل الذي يجعل من المتفرّج حاضرًا، بكلّ جوارحه، سواء في لحظة مشاعر أو لحظة ضحك'.