ثقافة

"سأعير فمي للسمكة".. قصائد عن حرارة الفقد وقلق الهوية

 

عمّان 'العُمانية': يراهن الشاعر الأردني سمير القضاة في مجموعته 'سأعير فمي للسمكة' على إمكانية تحويل التجربة الشخصية إلى سؤال إنساني عام ينفتح على معاني الفقد والحب والحرب والقلق الذي أنتجه واقعٌ متصدع في زمنٍ تتشظى فيه الأشياء.
تتوزع قصائد المجموعة الصادرة عن 'الأهلية للنشر والتوزيع' (2026) بين الحبّ والرثاء، والحنين إلى الأب والأم، والتأمل في ملامح اللحظة الراهنة والفارقة من تاريخ البشرية. وتشتبك القصائد مع أسئلة الفرد بقدر ما تنخرط في قضايا جماعية على رأسها الحروب التي تلتهم البشر والحجر وتؤكد هشاشة الإنسان المعاصر.
وتتنقل قصائد المجموعة التي كُتبت خلال فترات متباعدة بين عامي 2019 و2024، ما بين الطابع الذاتي الحميم والنبرة السياسية والوجودية، مشكّلة ما يشبه لوحة فسيفسائية مطرزة بالكلمات تكشف عن شاعرٍ يكتب بجرأة الاعتراف وحرارة الفقد وقلق الهوية.
وتتصدّر المجموعةَ قصيدة طويلة بعنوان 'نشيدُ أبي' لعلها من أكثر النصوص كثافة وألمًا، إذ يستحضر الشاعر صورة الأب بوصفه معيارًا أخلاقيًّا ومرجعية روحية:
'يا أبتي،
أحبكَ،
مثلما عشقَ الخليلُ النارَ،
بردًا يا أبي،
وسلامةً من غيرِ أمن'.
ولا يكتفي الشاعر بالرثاء التقليدي، بل يحوّل الفقد إلى سؤالٍ أخلاقي عن الاستقامة والرجولة والحنين إلى زمنٍ كان الأب فيه أشبه بالمسطرة التي يُقاس بها الخير، وتبلغ القصيدة ذروتها المؤثرة حين يقول:
'يا أبي،
إني ضعيفٌ،
يا أبي،
إني وحيد،
فانتدبْني كي نعودَ معًا،
كما كنّا،
وخلِّ السرَّ ما بيني وبينكَ،
فالفجيعةُ لا تذاعُ'.
أما في قصيدته 'حب رديء' فيتحوّل معيار حب الأب إلى مراجعة قاسية للذات وللآخر أيضاً:
'أنتِ حبٌّ رديءٌ...
وليسَ يليقُ بمَن حبُّهُ لأبيهِ
يراودهُ أن يغادرَ هذي الحياة'.
يظهر هنا تأثير الفقد الأبوي في تقييم الشاعر للعلاقات الإنسانية، حيث يصبح معيارُ الصدق العاطفي مرتبطًا بالقيم التي رسّخها الأب.
وعلى المنوال ذاته، تتحول الأم في قصيدة 'لا تصفحي' إلى أيقونةٍ روحية تتجاوز حدود العلاقة البيولوجية لتصبح رمزًا للدفء والملاذ الآمن والأخير، إذ يخاطبها الشاعر بنداءٍ صريح:
'أمي..
يا طوافَ البيتِ،
يا معنى المقدّسِ،
يا ورودَ العصر'.
ويصل الاعتراف إلى ذروته حين يقول:
'اسمعيني جيداً:
إني أحبكِ فوقَ ما أحبَبْتِني،
مقدارَ خَمسٍ من سنينٍ مُرّةٍ،
أوقفْتِ فيها نبضَ حبكِ،
فانتصرتُ عليكِ في عَقدِ الأمومةِ والبنوّةِ،
وانتصرتُ عليكِ في تقبيلِ صورتكِ الجميلةِ،
وانتصرتُ بما كتبتُ من الحروفِ على وداعكِ...
وانتهيتُ،
لأنني أحيا بقلبكِ دائمًا،
وكما علمتِ أصابهُ خللٌ فأوقفَ نفسهُ،
عن كلِّ فعلٍ،
ثمَّ أتلَفني...
انعدمتُ لأنني لا أعرفُ الدنيا،
ولستُ أجيدُ قطْعَ طريقِ قريتِنا الترابيِّ القديمِ،
فأمسكي بيدي الصغيرةِ...
واعلمي أني انكسرتُ،
لأنني رجلٌ يتيمُ'.
إنها قصيدة لا تكتفي بإبراز الحنين، بل تلامس هشاشة الابن بعد اليُتم، وتكشف عن رجلٍ يعترف بانكساره الذي هو انكسار العالم كله في عينيه.
ويتجلى الحب في هذه المجموعة كتجربة وجودية متقلّبة، فنجد مثلاً في إحدى القصائد مفارقة ساخرة تمزج العاطفة بأسئلة الجسد المعاصرة:
'تُرى هل يجوزُ (البوتُكْسُ) على شفتيْ رجلٍ،
كي يقوِّيهما...
بعدَ خمسينَ عامًا،
قضاها على عادةِ العربيِّ الذي،
يتغنّى بشاربهِ،
وخشونةِ صوتٍ يفيضُ على رقعةِ البادية'.
وفي قصيدة 'كوليرا عسكرية' يواجه الشاعر عبث الحروب بلغة مباشرة ومؤلمة:
'هذه أرواح يا قائد الجيش،
وليست لوحَ رماية'.
ويتابع بمرارة:
'تَكرّرَ اسم فلسطين مليون مرة،
ولكن نسيتُ أن أُخبركم:
العالم لم يعرف كيف يهجئُ حروفَها'.
هذا النص لا يقدّم خطابًا مباشرًا، بل يرصد مأساة التكرار والشعارات المفرغة من معناها، ويضع الإنسان في مواجهة آلة الحرب، مؤكداً أن الضحية هي المعنى نفسه.
وفي 'كما ينبغي' يكتب الشاعر عن الوحدة بوصفها شرطًا للنجاة؛ والوحدة هنا ليست عزلة سلبية بقدر ما هي محاولة لاستعادة الذات بعيداً عن ضجيج المحيط:
'وحيداً كما ينبغي..
كي تعيشَ كما ينبغي'.
وتستحضر المجموعة شخصيات وأماكن من التاريخ والأسطورة، كما في نص 'إنكيدو'، حيث يتقاطع الميثولوجي مع المعاصر، وتتحول الشخصيات القديمة إلى رموز لرغبة الإنسان في الخلود والبحث عن قدرات التجربة. وفي 'العودة إلى إيطاليا' يمزج الشاعر بين السفر والذاكرة وجائحة كورونا، مستعيداً مشاهد من روما وفلورنسا.. ومن خلالها يطرح سؤالاً عن جدوى العودة في زمن عنوانُه الخوف.
وتمتاز لغة المجموعة بالشفافية، وتتنقل بين الصورة المكثفة والجملة السردية، وبين المفارقة الساخرة والاعتراف الصريح، وكأن الشاعر وصل إلى مرحلة تصالح مع الذات تجعله لا يخشى كشف هشاشته، بل إنه يحولها إلى مادة شعرية أساسية تفتح النوافذ أمام القارئ وتتركه أمام مرآته الخاصة، ليتساءل بدوره: كيف يمكن للشعر أن يكون عزاءً واحتجاجاً واعترافاً، معاً وفي آن؟ كيف يمكنه أن يكون صمتاً حين يقول الشاعر: 'قررت أن أعير فمي للسمكة'، معلناً عن تعبه من الضجيج والخطابات والأخبار والشعارات الجوفاء.