أفكار وآراء

وسيلة الأقوياء لرفض الحرب

خيار ضبط النفس والتزام التهدئة أصعبُ الخيارات وأقواها في مسرح يضج بالشحن الانفعالي والتأجيج العدائي، هو كذلك على مستوى التعامل الشخصي بين الأفراد، وهو كذلك في الصراعات الدولية وتدافعات القوى العظمى التنافسية. هو تحديدًا ما اعتنقته سلطنة عمان منهجًا تاريخيًا للتعامل مع الصراعات الإقليمية والعالمية.

الحياد وسيلة الأقوياء لرفض الحرب؛ والحرب هنا ليست هي هذه المُعلنة اليوم فحسب، بل هي تلك الحروب المرحلية، خفيّةً كانت أو مُعلنةً لصراعات جيوسياسية واقتصادية، أو حتى شخصية أحيانًا.

وإن كان منهج الحياد الملتزم بالتهدئة رغم دوائر التصعيد صعبًا شاقًا فيما مضى، فهو الأصعب اليوم مع كل مؤثرات التأجيج وقنوات التصعيد رسميًا وشعبيًا.

ولأن تاريخ عمان علّمها وأهلها الكثير فمن الصعب وقوعها في فخ الاستفزاز وتصنيع العداوات لجرّها إلى تبني معارك خاسرة أو شراء انتصارات وهمية، ولأن الحرب ليست لعبة لكنها خدعة فلا يجب التصريح قبل التثبت، ولا ينبغي الانفعال بعد التثبت، ثم حتى بعد التثبت واليقين فإن من الحكمة دراسة عاقبة التصريح وجدوى الصمت، فإن كان الصمت أولى وأحرى بتجاوز خسارة صغيرة لصد خسارة أكبر، حينها يصبح الصمت أقوى بيانا وأسلم برهانا.

ولأن الحياد ليس هينًا، والهدوء ليس خيارًا ممكنًا للجميع (إذ الانفعال أسهل وأهون) سيظن العامة الوهن في المحايد والضعف في المسالم، لتتفشى أصداء تساؤلات حول سر الهدوء ومبرر الصمت. وقد يتبدى الجهل في بعضها متجاوزًا نبرة التساؤل إلى نبرات اتهام ليست جديرة بالاهتمام ولا حرية بالتفنيد حتى، لتذهب كالزبدِ جفاءً يثبته التاريخ بعد أمد، وتعززه الحوادث بعد تحقق.

الحرب التي أشعلت فتيلها إسرائيل وأمريكا وحدهما مقوضة كل جهود مفاوضات السلام ومحاولات التوافق أتت على كثير من استشعار أمن الناس، واستقرار اقتصاد الدول، لا في الخليج وحسب، بل في العالم أجمع.

وفي خضم هذه الحرب اليوم يعيش العالم حروبا اقتصادية وأخرى نفسية يصعب معها تبين الحقيقة، أو التثبت من الحق؛ لكن اليقين الثابت هو أن المسؤول الوحيد عنها هو من أشعلها دون تفكير في تداعياتها، أو الاستهانة واقعيًا بعواقبها الوخيمة.. يقين أمريكا المأخوذة بقوتها التي غذتها إسرائيل لتسحبها إلى هذه الحرب ظنا من الاثنتين بأن إيران التي اكتفت بالرد العابر على هجمة أمريكا العسكرية السابقة قبل أشهر لن تملك الرد هذه المرة كذلك، مراهنين على قوتهم العسكرية والدعم المالي (متنوع المصدر علم أم خفي) مراهنين على تجاوز معاركهم الشعبية والقانونية بإشغال الناس بحرب على إيران. أوهمت إسرائيل أمريكا بأنها أعدت العدة لانقلاب داخلي على الحكومة الإيرانية وأن ليس على أمريكا إلا إشعال الفتيل لينهض الشعب الإيراني ثائرًا على حكومته مطالبًا بإسقاطها، مما يُسَهِّل تلبس أمريكا وإسرائيل حينها ثوب البطولة بانتصار تاريخي، أغرت إسرائيل الرئيس الأمريكي بالبطولة وهو المسكون أصلا بالبطولات الجاهزة وسيناريوهات النجاح الوهمية.

وها هو الخليج والعالم أجمع يدفع فاتورة العرض المسرحي الثنائي بين أمريكا وإسرائيل. عرض مسرحه الخليج الذي وجد نفسه في مواجهة مكشوفة مع إيران قد تنتهي بانسحاب أمريكا وبقاء الصراع على أرضه بين مطرقة إسرائيل وسندان إيران.

ومع استمرار الحرب وتحول الظن إلى يقين والهجمة الخاطفة إلى حرب إقليمية يطول مداها لتتشعب تأثيراتها، لا سيما مع تدخل أطراف أخرى شركاء وحلفاء للمتحاربين، رحى تدور على مهل أو عجل على أرض الخليج وعبر بحره وجوه، رحى طحينها ما حاولت سلطنة عمان منعه بوساطتها طوال أشهر من العمل الجاد والجهود المخلصة سعيا للتهدئة وتغليبا لمنطق السلام على أجراس الحرب.

ولمّا تراءت نية الحرب الوشيكة اختارت سلطنة عمان تفعيل أداتها في المفاوضات السرية إلى تنبيهات علنية داعية الجميع للسعي لوقف حرب وشيكة لم يُصغِ موقدوها لغير أطماع النفوذ وتوهم السلطة.

موقف الوسيط، صامتًا أو ناطقًا، أدهش الجميع لإدراكهم أن السلام ليس خيار الضعفاء وليست الوساطة منفعة شخصية، بل سعي حقيقي مخلص لعالم يأمن فيه الإنسان، وتتعايش فيه الأمم وفق مبدأ تفعيل المُشتركات وتكامل المختلفات، لا بد لجهود هذه السياسة العمانية من تكليل اليوم بمركز تأهيل وإعداد لفرق التفاوض، وقادة الوساطة وفض النزاعات الإقليمية والدولية يرفدها في ذلك الممكن من دراسة التاريخ واللغات، دروس الحروب ومشتركات الجغرافيا والحضارة الإنسانية؛ دعما لكل ما من شأنه سلام الشعوب وازدهار الأمم.

ختاما: تدخل اليمن طرفا في الحرب القائمة ممثلة بأنصار الله بما لا يشير إلى هدنة قادمة كما تروج تصريحات أمريكا بغرض تخدير احتجاج الأمريكيين على حرب ليست حربهم، وترتيب أوراق الحرب قبل جولة حرب جديدة، وقد تنطلق قنوات صراع أخرى مشتعلة أصلا في العراق ولبنان وإيران وغيرها مما يوسع رقعة الاشتباك، خصوصا إذا بدأت الحرب البرية فعلا. مواقد تصعيد كنا نتمنى تجنبها، كما تمنينا لو كانت كل تلك الموارد المالية المستنزفة في هذه الحرب قد استثمرت لصالح التنمية والإنسان، لا نملك اليوم إلا الدعاء آملين تفعيل جهود السلام والتهدئة، فخورين ببلاد اختارت أن لا تكون مع الحرب اليوم، منتمين لـ«سويسرا الشرق» التي يثبت الزمن -جولة بعد أخرى- حكمة اختيارها الحياد سبيلا للتعايش والبقاء.

حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية