إيران ترى أنها قد تفوز بحرب طويلة
الاحد / 9 / شوال / 1447 هـ - 21:21 - الاحد 29 مارس 2026 21:21
دينا إسفندياري - زياد داود / ترجمة: أحمد شافعي
لم تكن إيران ترغب في هذه الحرب، لكن لديها الآن أسبابًا وجيهة لإطالة أمدها، وتمثل هذه مشكلة بالنسبة للرئيس دونالد ترامب الذي يبدو غير قادر على إعادة فتح مضيق هرمز على الرغم من تهديداته. وتمثل هذه مشكلة بالنسبة للاقتصاد العالمي الذي يعاني من ضغط الارتفاع الكبير الذي طرأ على تكاليف الطاقة.
كما تمثل هذه مشكلة لقادة دول الخليج الذين تستنزف من بين أيديهم العائدات النفطية. وسوف تسيطر هذه المشكلة على الرؤساء الأمريكيين في المستقبل؛ فإذا كان مضيق هرمز قد أغلق مرة فمن الممكن أن يغلق مرة أخرى. على الرغم من ارتفاع حصيلة الموتى وتعرض البنية الأساسية للدمار؛ فإن ارتفاع أسعار النفط يحمي الاقتصاد الإيراني من تكاليف الحرب. ولقد واجهت إيران تقريبا كل ضربة تلقتها بضربة مضادة، وفي مقابل كل تهديد أطلقت تهديدا مكافئا له.
والمنطق الذي يتحرك به قادة إيران منطق بارد لكنه منطق محسوب: لنجعل هذه الحرب باهظة التكاليف على جميع الأطراف بحيث يفقد كل طرف الرغبة في إطلاق حرب أخرى. والأهداف بالنسبة لطهران بسيطة وتتمثل في أن الجمهورية الإسلامية لا بد من أن تصمد أمام هذه اللحظة، ولا بد من أن تضمن عدم تعرضها للهجوم تارة أخرى من الولايات المتحدة الأمريكية ومن إسرائيل.
وبغية تحقيق هذا الهدف تعتقد إيران أنها لا بد من أن تفرض تكلفة على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى إسرائيل، وعلى صورة دول الخليج بوصفها دولا مستقرة، وعلى الاقتصاد العالمي. وهي حتى الآن تحقق النجاح؛ فقد تعلمت إيران أنه من السهل والرخيص نسبيًا أن تأخذ الاقتصاد العالمي كله رهينة عندها.
هذه اللحظة بالنسبة لطهران لحظة وجودية؛ فلقد واجهت من قبل سنين من المصاعب الاقتصادية؛ إذ أدت العقوبات وسوء الإدارة إلى ارتفاع التضخم وضعف العملة. كما أنها واجهت من قبل أزمات سياسية وأزمات تتعلق بالشرعية، وتفاقم كلا النوعين من هذه المشكلات بفعل الضغوط الاجتماعية والبيئية التي بلغت من الشدة حد أن دفعت الرئيس الإيراني إلى التحذير من أن طهران قد تضطر قسرا إلى إجلاء سكانها بسبب النقص الحاد في المياه، ثم جاء الهجوم الأمريكي والإسرائيلي والحديث المعلن من قادة في كلتا الدولتين عن تغيير النظام الحاكم في طهران.
أفضى هذا الوضع بإيران إلى رد جاء على هيئة تصعيد متدرج لا يعرف الرحمة؛ فخلافا للحرب قصيرة الأمد التي شهدناها في شهر يونيو لم يكن التصعيد رمزيًا؛ إذ تستمر إيران في ضرب دول الخليج العربي ضربات موجعة تستهدف الطاقة والسياحة. وتأخذ طهران الاقتصاد العالمي الآن رهينة عندها بخنقها الملاحة في مضيق هرمز في خطوة طالما هددت بها، لكنها لم تعمد قط إلى تنفيذها من قبل.
رأى البعض أن هذه خطوات لا مبرر لها، ورأتها طهران خطوات محسوبة بحرص؛ ففي بداية الحرب وجه الجيش الإيراني ضربات لبنية الطاقة الأساسية في المنطقة بهدف تعطيل الإنتاج، فأدى ذلك إلى إيقاف بعض خطوط الإنتاج إيقافا مؤقتا. ولكنها لم تنطلق متجاوزة كل الحدود إلا بعد أن نفذت إسرائيل ضربة لحقل غاز جنوب فارس في الثامن عشر من مارس؛ فبعد الضربة الإسرائيلية استهدفت إيران بنية الطاقة الأساسية في قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية رامية من ذلك بوضوح إلى التسبب في ضرر بعيد المدى. وكان الهجوم على أكبر منشأة في العالم لتصدير الغاز المسيل شديد القوة حتى أنه من المرجح أن يتسبب في خسائر في العائدات يقدر بعشرين مليار دولار فضلا عن خمس سنوات من الإصلاح. فأظهرت إيران أنها عازمة وقادرة على الرد بالمثل.
وإيران تفعل كل هذا بتكلفة زهيدة؛ فهي تستعمل مزيجا من المسيرات والصواريخ منخفضة التكلفة نسبيا تغمر بها دفاعات الخصوم.
أما الدفاعات فهي أعلى تكلفة؛ فإيران تنشر طائرات مسيرة تتراوح قيمة الواحدة منها ما بين عشرين ألف دولار وخمسين ألفا لتواجهها صواريخ اعتراضية تتجاوز قيمة أحدها أربعة ملايين دولار. كما أنها تستعمل الألغام والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة لإبعاد السفن عن مضيق هرمز.
فطهران ببساطة هي المستفيدة من منافسة التكلفة. وفي حين أن الذخيرة الإيرانية غير معدومة الحدود فالجيش الإيراني يزداد تحسنا في ضرب الأهداف مع تقدم الحرب. فلعلهم يوجهون ضربات أقل، لكنهم يوجهون ضربات أفضل.
ولقد أدت هذه الديناميكية إلى تحقيق ميزتين لإيران: الأولى هي أن ارتفاع أسعار النفط يؤذي الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه يقوي ذراع إيران. وقد أدى هذا إلى سياسة إدارة دونالد ترامب المتناقضة المتمثلة في تخفيف العقوبات على النفط الإيراني. وثانيا: يشكل إغلاق مضيق هرمز ضررا على إيران أقل منه على جيرانها؛ فصادرات النفط الإيراني لم تتراجع إلا قليلا منذ أن بدأت الحرب في حين أن صادرات جيرانها انهارت. ومع القفزة التي شهدتها أسعار الخام لعل إيران تكسب من نفطها اليوم أكثر مما كانت تكسب منه في ما قبل الحرب. بل إن عملة البلد التي طال تعثرها بدأت تكتسب قوة.
وكل هذا له تكلفته؛ فإيران لا تزال تتعرض لقصف كثيف يؤثر على المناطق السكانية وشبكة الطاقة، كما أن إيران تسببت في خصومة مع جيرانها؛ فالعديد منهم الآن يدعون دونالد ترامب إلى إكمال المهمة.
وفي حين أن الاستراتيجية التي اتبعتها طهران باغتت خصومها في أول الأمر فإن جميع الأطراف سوف يتكيفون بمرور الوقت؛ فقد يعثر الخليج على بدائل للمضيق من خلال الاستثمار في مسارات وخطوط أنابيب تحويلية. والولايات المتحدة والقوى الإقليمية سوف تستعد على الأرجح لمنع أي إغلاق للمضيق في المستقبل. ولن يكون في شيء من هذا عون لحكام إيران الجدد على البقاء في السلطة؛ فسوف يظل لزاما عليهم أن يواجهوا أزماتهم الداخلية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية، فضلا عن وفيات الكثير من قادتهم.
لم تكن إيران ترغب في هذه الحرب، لكنها تعلمت كيف تحسن استغلالها. ويمثل مضيق هرمز نقطة ضعف أساسية للاقتصاد العالمي. وسوف تتذكر طهران قيمة قدرتها على إغلاقه، ولكن هذه الميزة لن تحل مشكلاتها المحلية العميقة، بل سوف تزيد من رسوخ الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط برغم سنين من الحديث عن الابتعاد عنها.
دينا إسفندياري هي رئيسة قسم الجغرافيا الاقتصادية للشرق الأوسط، وزياد داود هو كبير الاقتصاديين في الأسواق الناشئة في بلومبرج إيكونوميكس
الترجمة عن ذي نيويورك تايمز