العرب والعالم

كيف استغلت إسرائيل «ضجيج هرمز» لشرعنة إعدام الأسرى؟

 

غزة- «عُمان»- بهاء طباسي


في الوقت الذي تحبس فيه العواصم أنفاسها بانتظار مآلات التصعيد في مضيق هرمز، وتنشغل وكالات الأنباء بتحركات الأساطيل وتغريدات الإدارة الأمريكية الجديدة حول أمن الطاقة العالمي، مررت لجنة الأمن القومي في الكنيست الإسرائيلي «بصمت» قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين تمهيداً لإقراره النهائي. خطوة يصفها حقوقيون محللون بأنها «صيد ثمين» في لحظة انشغال كوني، حيث تسعى حكومة اليمين المتطرف لتحويل السجون من مراكز احتجاز تخضع للرقابة الدولية الباهتة إلى ساحات تنفيذ أحكام إعدام قطعية، مستغلة «العمى الدولي» الناتج عن الصراعات الإقليمية الكبرى.
تفكيك «قانون الموت»
وفي قراءة قانونية معمّقة لبنود هذا التشريع، يرى شعوان جبارين، مدير مؤسسة «الحق» لحقوق الإنسان، أن القانون الجديد يفكك الضمانات القضائية الهشة عبر ثلاثة بنود كارثية؛ أولها: كسر «الإجماع القضائي» والاكتفاء بالأغلبية العادية لإصدار حكم الإعدام، مما يحول القضاء لأداة تنفيذية لرغبات اليمين الإسرائيلي المتطرف. وثانيها: فرض «سقف زمني» (90 يوماً) للتنفيذ، لقطع الطريق أمام أي ضغوط دولية أو التماسات قانونية، مما يجعل الإعدام عملية «خاطفة» وباتة.
ويختم جبارين خلال حديثه لـ«عُمان» بأن البند الثالث الذي يتمثل في «إغلاق باب العفو أو التخفيف» بمثابة «إطلاق رصاصة الرحمة على العدالة»، محولاً القانون إلى «مقصلة سياسية» لا رجعة عنها، في انتهاك صارخ للبروتوكولات الدولية التي تضمن للمحكومين حق التماس العفو دائمًا.
تشريع «القتل البارد»
من جهته، يؤكد رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، رائد أبو الحمص، أن هذا القانون ليس مجرد إجراء داخلي إسرائيلي، بل هو إعلان صريح عن «شرعنة القتل البارد». ويشير أبو الحمص إلى أن الاحتلال استغل التوقيت بدقة متناهية، معتبراً أن الانشغال العالمي بملف مضيق هرمز والعدوان على إيران منح تل أبيب غطاءً مثالياً لتمرير تشريعات كانت في السابق تثير زوابع دولية، لكنها اليوم تمر في أروقة الكنيست كأنها إجراءات إدارية عادية.
ويضيف أبو الحمص، لـ«عُمان»، أن الهيئة بدأت بالفعل تحركات واسعة لمخاطبة المنظمات الأممية، محذرًا من أن تطبيق هذا القانون سيعني إلغاء صفة «أسير حرب» عن الفلسطينيين وتحويلهم إلى «أهداف للتصفية الجسدية» بغطاء قانوني.
ويرى أن خطورة القانون تكمن في كونه يستهدف فئات محددة من الأسرى الذين فشل الاحتلال في كسر إرادتهم عبر سنوات السجن الطويلة، مما يجعل الإعدام وسيلة للانتقام من صمودهم وتاريخهم النضالي.
«المقصلة لن تكسرنا»
من القاهرة، يعلق عميد الأسرى المحرر مؤخرًا، نائل البرغوثي، على القانون بنبرة من عاصر عتمة الزنازين لـ 44 عاماً، قائلاً: «الاحتلال يريد أن يحول الأمل بالحرية إلى رعب من الموت، لكنه لا يدرك أن الأسير الذي يقضي عقوداً في السجن قد هزم فكرة الموت مسبقًا». ويرى نائل خلال حديثه لـ«عُمان» أن هذا القانون يستهدف رفاقه الذين تركهم خلفه، وخاصة أولئك الذين استثنتهم الصفقات الأخيرة، ليكون بمثابة عقوبة إضافية على فشل الاحتلال في إخضاعهم.
ويضيف البرغوثي أن 'قانون الإعدام' هو اعتراف إسرائيلي صريح بالعجز عن مواجهة الحركة الأسيرة داخل السجون، فبعد فشل سياسات العزل والتنكيل، يلجؤون الآن إلى الإعدام الجسدي. معتبراً أن «الحياة بكرامة هي التي يسعى لها الأسير، وإذا فرض الاحتلال الموت، فسيكون ذلك وقوداً لثورة جديدة داخل السجون وخارجها».
مخاوف عائلات الأسرى
أما فدوى البرغوثي، زوجة القائد الأسير مروان البرغوثي، فتعبر عن قلق عميق يسكن بيوت عائلات القادة الأسرى الذين بقوا داخل السجون رغم كل الصفقات. تقول فدوى، لـ«عُمان»: «هذا القانون صُمم خصيصًا لاستهداف الرموز السياسية؛ فبعد أن عجزوا عن تغييب مروان ورفاقه خلف القضبان، يحاولون الآن تغييبهم عن الوجود نهائياً عبر تشريعات انتقامية تُقر تحت ستار الحروب الإقليمية».
وترى البرغوثي أن غياب إمكانية «العفو أو التخفيف» في القانون هو رسالة مباشرة لعائلات الأسرى بأن باب الأمل في صفقات تبادل مستقبلية قد يُغلق بقرار من منصة الإعدام. وتضيف: «نحن لا نخشى القانون كعقوبة، بل نخشى الصمت الدولي الذي يرافق إقراره، فالعالم الذي يقلق على تدفق النفط في هرمز يجب أن يقلق أيضاً على دماء الأسرى التي يخطط الاحتلال لسفكها بدم بارد وبرداء قانوني مزيف».
صُنع في مطبخ الكنيست
المحلل المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، أنطوان شلحت، يحلل «ديناميكية التمرير» داخل الكنيست، موضحاً أن اليمين المتطرف بقيادة إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، وبتسئليل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي، يمارس ما يسمى بـ«الانتهازية السياسية القصوى». ويرى شلحت أن تمرير القانون في لجنة الأمن القومي بهذا التوقيت بالذات يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن المجتمع الدولي غارق في أزمات جيو-سياسية كبرى (إيران، هرمز، ترامب)، مما يقلل من تكلفة «الفضيحة الحقوقية» لهذا التشريع.
ويشير شلحت، لـ«عُمان»، إلى أن القانون يمثل انتصاراً لجناح الصقور الذي يريد إثبات قدرته على تنفيذ وعوده الانتخابية الأكثر تطرفاً، معتبراً أن «الإعدام» بالنسبة لهذا التيار هو الحل النهائي لما يصفونه بـ«عبء الأسرى». ويرى أن الكنيست تعمد تسريع الإجراءات للوصول إلى القراءتين الثانية والثالثة قبل أن تهدأ العواصف الإقليمية، لضمان مرور القانون بأقل قدر من المعارضة الخارجية أو الضغوط الدبلوماسية الأمريكية.
هرمز وترامب كدخان ساتر
إقليميًا، يرى شلحت أن الأحداث في المنطقة تعمل كـ«دخان ساتر» لهذا القانون؛ فالتوتر في مضيق هرمز ليس مجرد حدث عسكري، بل هو «زلزال إقليمي» أعاد ترتيب أولويات العالم. ويقول شلحت: «حين تصبح أسعار النفط وأمن الممرات المائية هي الشغل الشاغل لواشنطن وبروكسل، تصبح قضية إعدام أسرى فلسطينيين مجرد تفصيل صغير في هامش الأخبار».
ويوضح رائد أبو الحمص أن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسياساته «البراغماتية المتطرفة» أعطت اليمين الإسرائيلي شعوراً بالحصانة؛ فالعالم الذي ينتظر خطوات ترامب تجاه طهران لن يلتفت إلى تشريع قانوني داخل الكنيست. ويرى أبو الحمص أن إسرائيل تقرأ المشهد كفرصة ذهبية لـ«تصفية الحسابات» التاريخية مع المقاومة، مستغلة حالة الاستقطاب العالمي التي تجعل ملفات حقوق الإنسان في المرتبة الثانية بعد ملفات الأمن الاستراتيجي.