رأي عُمان

حرب واحدة.. وعوالم متناقضة

 

تكشف الحرب على إيران خللا أعمق من توازنات السلاح ومسارات الردع، وتفضح اضطراب العالم في تعريف هذه الحرب نفسها. ما يبدو في الظاهر صراعا واحدا، يتشظى في الوعي الدولي إلى قراءات متنافرة، هناك من يراها ملفا للنفط، ومن يراها اختبارا للردع، ومن يراها عبئا على الأسواق، ومن يراها فرصة لإعادة بناء نظام إقليمي أحادي القوة. وبين هذه الرؤى والقراءات يتلاشى الحديث عن شرعية الحرب وعن النظام العالمي وحدود القانون فيه. هذا هو التناقض الذي تكشفه هذه الحرب بوضوح كبير؛ فالعالم لا ينظر إليها بعين واحدة. أوروبا تتحدث بلغة القانون، لكنها تتردد حين يقترب القانون من لحظة الاختبار الفعلي. آسيا تقرأ الحرب من زاوية الطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد. والأسواق لا يعنيها من أين يبدأ الحق، بل من أين تبدأ الخسارة. والخليج ينظر إليها في المجمل من زاوية أمنه وسيادته. أما القوى الكبرى فتتعامل معها ضمن حسابات النفوذ والردع وإعادة التموضع. لكل طرف نافذته الخاصة، ولكل طرف منطقه الخاص، والنتيجة النهائية غياب المعيار الأخلاقي المشترك، وصعود تفسير نفعي للحرب، يجعلها قابلة للتبرير ما دامت تخدم موقعا أو تمنع خسارة أو تعيد توازنا.

غير أن المسألة لا تكتمل من دون فهم كيف تنظر إيران نفسها إلى هذه الحرب. لا تقرأ إيران الحرب من زاوية الضربة العسكرية الخاطفة أو جولة ضمن جولات الضغط القصوى. الوعي السياسي والتاريخي لإيران يقرأ هذه الحرب في سياق المعنى الوجودي للدولة نفسها. هي لا ترى أن الهدف محصور في تقليص نفوذها أو إضعاف برنامجها النووي أو إنهاك قدراتها العسكرية.

ما تراه أوسع من ذلك، ترى مشروعا واضحا لإخراجها من بنية القوة الإقليمية ذاتها، ودفع المنطقة نحو نظام جديد تُرسم خرائطه الأمنية والسياسية والاقتصادية على نحو يستبعدها، أو يحاصرها داخل حدودها، أو يعيد تعريف وجودها بوصفه عبئا يجب التخلص منه لا قوة يجب التفاوض معها. ومن هذه الزاوية تحديدا تشتق إيران معنى الحرب باعتباره معركة على حقها في البقاء لاعبا تاريخيا في الإقليم، في سياق نظام إقليمي تميل موازينه النهائية إلى تكريس التفوق الإسرائيلي.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. العالم الخارجي يوزع الحرب على ملفات جزئية: أسعار، وشحن، وردع، وانتخابات، وتوازنات. أما إيران فتراها في مستوى آخر تماما، مستوى البقاء داخل التاريخ السياسي للمنطقة، لا خارجه.

ولهذا لا تتصرف بوصفها دولة تفاوض على بند، إنما كيانا يعتقد أن المطلوب منه تقديم تنازل ينتهي بتجريده من المعنى الإقليمي كله. وحين تبلغ الحرب هذا المستوى من الإدراك، فإنها تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. تصبح حربا على المكانة، وعلى الاعتراف، وعلى الحق في الحضور داخل معادلة القوة.

وهنا يكمن الخطر الأكبر على الخليج. فتحويل إيران إلى منطقة فوضى وصراع قوميات من شأنه أن ينقل جزءا كبيرا من هذه الصراعات إلى عمقه. كما أن منح إسرائيل الهيمنة في الإقليم دون أدنى توازن للقوة من شأنه أن يدفع المنطقة إلى أن تُبنى وفق إرادة أحادية متطرفة.

لا تكمن خطورة هذه الحرب في اتساع نيرانها فقط، بل في أنها تكشف عالما لم يعد يملك تعريفا أخلاقيا مشتركا للحرب. وكل نظام دولي يفقد هذا المعنى لا يظل نظاما إلا بالاسم. أما في الحقيقة، فإنه يترك القوة وحدها تتكلم، ويترك الإقليم والعالم مفتوحين على فوضى أكبر من أن تضبطها التحالفات أو تبررها المصالح.