ما غاية الحرب؟
السبت / 8 / شوال / 1447 هـ - 20:06 - السبت 28 مارس 2026 20:06
جاءت الأعياد ومضت وانقضت، لكن الحرب باقية؛ فلا هي انقضت ولا هي مضت. القتلى والجرحى في كل مكان، والآن يمكننا السؤال، ويكاد يمر شهر على هذه الحرب: ما غاية هذه الحرب؟ فكل التصريحات كأنما تفضح لنا أن هذه الحرب لا غاية لها، اشتعلت النار في المطارات والمدن وسقطت القذائف، وفاضت الأرواح وسقط الجرحى وهرب النازحون؛ فمن انتصر غير الخراب؟ ومن فاز غير الجريمة نفسها؟ وهل ستفضي حرب كهذه لغير الدمار؟
هل يراد لهذه الحرب أن تستمر وقتًا أطول؟ حروب هذا العصر تبدو حروبًا لا نهاية لها لا يمكن حسمها، ليس فقط حرب روسيا وأوكرانيا بلا حسم، بل حتى الحروب التي خاضتها الولايات الأمريكية خرجت منها بلا حسم، حتى تلك الحروب التي شاركت فيها مشاركة جزئية. كل هذا الخراب المتخلف من تلك الحروب يمكن تلمسه في يوميات كابول وبغداد وطرابلس والخرطوم ودمشق وبيروت؛ حتى إسرائيل التي تصوّر نفسها زعيمة الحرب هي نفسها لم تحسم حربًا واحدة، لا حروبها مع حزب الله في لبنان، ولا حروبها مع حماس في غزة.
مات الناس وقُتل الأطفال والرضّع بدم بارد، ودمرت البنايات واغتيل القادة، وانتشر الخراب والدمار بأقصى صوره، ثم ماذا؟ لا انتصار يمكن تسميته انتصارًا، ولا هزيمة يمكن تسميتها هزيمة، إنما منطقة هي منطقة «المابين»، لا هذا ولا ذاك، كل شيء يمكن أن يعود.
هذه هي القوات الأمريكية في العراق تتلقى الهجمات من داخل العراق، وها هو حزب الله يهاجم الجيش الإسرائيلي على الحدود، فهذا هو الواقع الحقيقي، وليقل الساسة ما شاءوا أن يقولوا؛ فكل كلامهم لا يعني شيئًا على أرض الواقع. هوجم الحوثيون في اليمن على مدى حرب استمرت سنوات، ثم انتهت الحرب والحوثيون باقون وما زالوا يشكلون قوة على ضفاف محيط باب المندب، والبارحة يهددون بالاشتراك في الحرب القائمة إن اتجهت وجهة لا يرونها مناسبة.
حروب هذا القرن تبدو بالغة العبثية. كل الأسلحة باهظة الأثمان تبدو بلا قيمة ما دامت الأسلحة الصغيرة والبسيطة وغير المكلفة يمكنها التسبب في الأضرار، كما أثبتت هذه الحرب، ومن قبلها الحرب الأوكرانية، واليمنية وغيرها؛ فما غاية هذه الحرب حقًا؟
لا أرى لهذه الحرب غاية غير الدمار والخراب، وزعزعة الاستقرار، وترويع الناس وقتلهم. الساسة عينهم على الطاقة وأسعارها، وعلى مؤشرات النمو والتضخم، وعلى شعبيتهم والانتخابات، ولا شيء من ذلك يمضي على هواهم. لا يكف رئيس الإدارة الأمريكية -هذا الظاهرة العلنية- عن التصريح اليومي؛ سعيًا لكبح جماح الأسواق، وتقليل الخسائر صدقًا أو كذبًا، ولا تتوقف إيران عن التصريحات المضادة؛ لزيادة الضغط، وتسريع تفاقم الأزمة، وما المنتظر من كل ذلك؟ إما أن تنجح المفاوضات التي يقال إنها بدأت في إسلام أباد، وإما أن تباغت إسرائيل بإحداث صدمة ثانية تجعل الحرب مستمرة.
هذه عقيدة الصدمة التي يبدو أن نعومي كلاين كانت محقة في جعلها السمة الأساسية التي تدير السياسة الأمريكية في هذه العقود الأخيرة، وهي نفسها العقيدة التي يحاول أصحابها السيطرة من خلالها على أسواق العالم، وهي العقيدة التي في لبها الاقتصادي ليست غير شكل اقتصادي من أشكال التطرف الأيديولوجي والعقائدي، تبشر بطهرانية السوق وبمدينة التجارة الحرة الفاضلة، تلك المدينة الجنة التي لا وجود لها إلى اليوم على الأرض، وكل ما في الأمر أن هذه الدعاوى إنما يحصد أرباحها رجالات المال، كأنهم يريدون أن يحلوا أنفسهم محل رجال الدين القدماء، وأن يجعلوا عقيدتهم محل تلك العقائد، إن لم يكن في قلبها النابض، حتى وإن جرّ ذلك انتشار الفقر والبطالة والهجرة والجريمة، ما دام يزيد من حجم ثروات الأثرياء، ولا أدل من ذلك على أن يكون إيلون ماسك أثرى أثرياء العالم من أصل جنوب أفريقي، أي من رحم اللعبة الاقتصادية التي سلمّت السلطة السياسية لحزب المؤتمر الوطني بقيادة نلسون مانديلا، واستحوذت للبيض على السلطة الاقتصادية.
قبيح وجه هذه الطغم السياسية وفضائحها تزكم الأنوف، ثم هي لا تتورع عن تصدّر الشاشات والأنباء كل مرة بتصريح، وعن زعزعة استقرار البلدان كل مرة بخطة وبقرار وبجيوش تطلق النار في كل اتجاه بلا غاية واضحة وبأخطار مزعومة كاذبة، وبانتصارات سرابية.
أكتب في يوم من أسبوع ماطر، ولا شك أن الطبيعة تقول شيئًا وسط الحرب؛ لعلها تعد بانفراج وبهجة قادمة بأعوام من الخصب والرخاء والسلام. هل يمكن أن يصدق المرء هذه الإشارات السماوية والأمل الذي تبثه؟ من يدري؟ فكما قيل من قديم الزمن: يكمن الخير في بطن الشر، وهذا الشر الحربي العبثي قد يحمل في داخله خيرًا ما. حولي من الأصدقاء من يؤمن أن كل هذه الحروب ستغسل وجه الأرض من الشرور، وسيولي المجرمون الأدبار، وينتصر الحق، وأنا أقول لهم: لعل هذه آمالكم وأحلامكم، تتمنون لو كانت حقائق، حالكم حال المبتهجين بالضربات الموجهة لإسرائيل، ونسوا أن صدام حسين من قبل كان قد وجّه هو الآخر صواريخه لإسرائيل.
نحن محكومون بالأمل، كما كان يقول سعد الله ونّوس، وما زلنا كذلك، محكومون بالأمل أن كل هذا التطرف والجشع الأمريكي بلغ منتهاه، وأن الجريمة الإسرائيلية البشعة وصلت حدودها، وأن الإنسانية اليوم في كل مكان أكثر حاجة للسلام والأمن والاستقرار والعدالة والمساواة، وأن هذه المشاعر البشرية المتظافرة هي البوصلة المستقبلية لهذا العالم، وليس الخراب الذي يبشّر به الساسة.
يتعاظم التطرف اليوم، وما كان تهمة الشرق من قبل أصبح سمة الغرب السياسي، وها هو التطرف يسعى سعيًا لتقسيم الناس وشق صفوف حياتهم؛ فالحروب لا تفعل شيئًا آخر غير زرع الفوارق والشقاق، ونشر الكراهية، وقتل فرص التعايش والسلام، والتطرف يعمل لإعدام الاختلاف علنًا، ومن وراء ذلك لا يعمل التطرف إلا لخدمة الخراب. كل المعارك تدور أولًا داخل رؤوس المتطرفين وقلوبهم حتى تجدهم يحاولون أن يشعلوها في العالم ليحترق معهم.
كل أسباب شن الحروب كاذبة، والناس أكثر رغبة في طرق التغيير السلمية منهم في التغيير العنيف؛ ذلك أن التغييرات العنيفة إنما تعقبها كوارث أشد عنفًا، والتطرف يريد التغيير السريع والمفاجئ، ولكن النتائج ترتد بنفس السرعة وعكس الاتجاه. والساسة الذين يتحرّقون لبلوغ السلطة والبقاء فيها يحرقون أوراقهم سريعًا، ويسقطون بالسرعة نفسها. وإذا كانت الاستراتيجية الجديدة التي تعلمها ساسة العصر هي أن إثارة الفوضى والاضطرابات والحروب والعنف تضمن لهم مزيدًا من البقاء في السلطة فإن ذلك لن يضمن لهم أن الجزاء لن يكون من جنس العمل، وأن المرء إنما يجني ما زرع، وكما قال المثل العربي «يداك أوكتا وفوك نفخ».
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني