ترجمة

روسيا وإيران.. حدود الشراكة في زمن الأزمات

ألكسندر جابويف ـ نيكول جراجيسكي ـ سيرجي فاكولينكو - ترجمة - نهى مصطفى

 

في العام الماضي، وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التي ألزمت بلديهما بمعارضة أي تدخل من أطراف ثالثة في الشؤون الداخلية والخارجية لكل منهما. واحتفلت موسكو وطهران بالمعاهدة باعتبارها تتويجًا للعلاقات المتنامية بين النظامين.

لكن عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا على إيران في أواخر فبراير -وهو الهجوم الثاني خلال ثمانية أشهر فقط، بعد حرب الصيف الماضي التي استمرت 12 يومًا- وقفت روسيا مكتوفة الأيدي. وصف بوتين اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بأنه «انتهاك صارخ لجميع معايير الأخلاق الإنسانية والقانون الدولي»، ودعت وزارة الخارجية الروسية إلى «خفض التصعيد الفوري، ووقف الأعمال العدائية، واستئناف المحادثات السياسية والدبلوماسية»، لكن لم يذكر أي من البيانين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو يلمح إلى إمكانية تدخل روسيا للدفاع عن إيران.

ربما التزمت موسكو حرفيًّا بنص المعاهدة، التي لا تتضمن بندًا للدفاع المشترك، لكنها لم تقدم دعمًا ملموسًا لشريك رئيسي في الشرق الأوسط وحليف مهم في حرب بوتين ضد أوكرانيا. أفادت «واشنطن بوست» و«سي إن إن» أنه من المحتمل أن روسيا زوّدت إيران ببيانات استهداف وتكتيكات متقدمة للطائرات المسيّرة، إلا أن هذه المساعدة المحدودة لا يرجح أن تحدث أثرًا يذكر. وينسجم هذا العجز مع نمط مألوف في سلوك الكرملين: فحين يحتاج حلفاء روسيا إلى الدعم، تكتفي موسكو بإصدار بيانات حادة دون خطوات عملية حقيقية.

في أواخر عام 2023، تقاعست روسيا عن التدخل في حرب قصيرة بين حليفتها أرمينيا وأذربيجان، مما سمح لباكو باستعادة السيطرة على إقليم ناجورنو كاراباخ. وبعدها بعام، سمحت موسكو لقوات المعارضة بإسقاط نظام بشار الأسد في دمشق. وخلال العام الماضي، قصفت الولايات المتحدة (بالتعاون مع إسرائيل) منشآت نووية وقواعد عسكرية ومصانع صواريخ إيرانية؛ وقتلت مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى وقادة عسكريين وعلماء نوويين. واختطفت الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الشريك الرئيسي لموسكو في أمريكا اللاتينية، دون أي تدخل روسي. تكشف كل هذه الحالات عن محدودية قدرة روسيا على التأثير في الأحداث حول العالم.

للحرب الدائرة في إيران عواقب تصب في مصلحة روسيا. فمع استمرار الحرب، من المرجح أن يرتفع سعر الطاقة، مما سيساعد موسكو على جني إيرادات إضافية ومعالجة عجز الميزانية المتفاقم نتيجة حربها في أوكرانيا. في وقت سابق، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية رفع مؤقت للعقوبات المفروضة على النفط الروسي الموجود في البحر في محاولة لكبح جماح ارتفاع الأسعار. في المقابل، ستزداد حاجة الصين -القلقة على استقرار إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط على المدى الطويل- إلى النفط والغاز الروسيين. أيضًا، تمثل الحرب في إيران مصدر إلهاء إضافيًّا للولايات المتحدة، إذ تستنزف موارد وجهودًا كان يمكن توجيهها إلى أوروبا وأوكرانيا. وقد لا تكون روسيا قادرة على حماية شركائها، لكنها تظل بارعة في التكيف مع الإخفاقات الاستراتيجية وتحويلها إلى مكاسب تكتيكية.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تحولت موسكو وطهران من خصمين إلى شريكين بدافع المصلحة؛ إذ باعت روسيا لإيران تقنيات عسكرية شكّلت أساس ترسانتها. لكن هذا التعاون ظل محدودًا ومتقطعًا بفعل العقوبات، ولم يرتقِ إلى تحالف فعلي، كما حافظت موسكو على علاقات موازية مع خصوم إيران. وفي 2010، علّقت روسيا تسليم منظومة «إس-300» استجابةً لضغوط غربية، ما عزز شعور طهران بأنها تعامل كورقة تفاوض لا كشريك حقيقي.

منذ مطلع الألفية، سعت روسيا وإيران للتعاون في قطاع الطاقة دون نتائج ملموسة؛ إذ لم تثمر محاولات الاستثمار والاتفاقات، وظل التبادل التجاري محدودًا. وفي عام 2015، دفع الصراع في سوريا إلى تحالف تكتيكي بينهما لدعم نظام الأسد، عبر دعم جوي روسي ودور بري إيراني. غير أن العلاقة لم تتحول إلى شراكة أوثق وأكثر توازنًا إلا بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

بعد فبراير 2022، سعى الكرملين إلى ثلاثة أمور رئيسية من شركائه الخارجيين: الاستعداد لدعم حملته العسكرية ضد كييف، والمساعدة في الالتفاف على العقوبات ودعم الاقتصاد الروسي المتعثر، والقدرة على استخدام أدوات الضغط والانتقام ضد التحالف الغربي الداعم لأوكرانيا. استوفت إيران الشروط الثلاثة بدرجات متفاوتة، لتصبح بذلك الشريك الرئيسي لروسيا في الشرق الأوسط. أثّر ميل موسكو نحو إيران سلبًا على علاقاتها مع إسرائيل، التي بدأت بمشاركة بعض التكنولوجيا العسكرية مع أوكرانيا، لكن الكرملين رأى أن الشراكة مع طهران تستحق التكلفة. قلبت الحرب في أوكرانيا منطق العلاقة الأمنية الإيرانية الروسية رأسًا على عقب. ولأول مرة، أصبحت إيران موردًا للأسلحة إلى روسيا. وكان أبرز إسهاماتها المبكرة سلسلة صواريخ شاهد، التي بدأت القوات الروسية بنشرها في خريف 2022 لتعزيز مخزونها المتضائل من الصواريخ الدقيقة. سارعت موسكو إلى توطين إنتاج نظام شاهد، وأعادت تصميم المكونات الداخلية لتلائم سلاسل التوريد المحلية والإلكترونيات المقيدة بالعقوبات، ووسعت الإنتاج إلى ما هو أبعد بكثير مما كانت إيران تزودها به في الأصل.

في المقابل، ووفقًا لتقارير إعلامية، زودت روسيا إيران بمعدات عسكرية جديدة، شملت عدة طائرات تدريب من طراز ياك-130 ومروحيات هجومية من طراز مي-28، وعشرات المركبات المدرعة من طراز سبارتاك، وأسلحة خفيفة. وقّعت إيران عقودًا لشراء طائرات مقاتلة من طراز سو-35 وأنظمة دفاع جوي محمولة، إلا أن وضع تسليمها غير واضح. ويرجح أن يكون مجال الفضاء هو الأهم في التعاون الأمني؛ إذ كانت البنية التحتية الروسية للإطلاق والخبرة المدارية حاسمة في تطوير الصواريخ الباليستية الإيرانية. في عام 2023، حذر مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية آنذاك، ويليام بيرنز، من أن فنيين روسًا يعملون بشكل مباشر على برنامج إيران لإطلاق المركبات الفضائية وجهودها الأوسع نطاقًا في تطوير الصواريخ.

ساعدت إيران الاقتصاد الروسي على الصمود أمام العقوبات الغربية، فعلى مدى العقد الماضي، برزت طهران كدولة رائدة في إنشاء البنية التحتية للالتفاف على العقوبات في تجارة النفط. وفي العقد الثاني من الألفية، طورت إيران «أسطولًا خفيًّا»، وهو عبارة عن شبكة من ناقلات النفط، لتسريع صادرات النفط الإيرانية، إلى جانب خدمات مساعدة لإدارة التأمين وتحويل الأموال وجوانب أخرى من نقل النفط وبيعه. ابتداءً من عام 2022، تبنّت روسيا هذه الممارسات الإيرانية. ومنذ ذلك الحين، رفعت موسكو مستوى هذه التجارة إلى آفاق جديدة، حيث صدرت كميات أكبر بكثير مما كانت إيران قادرة على تصديره. من جهة، استفادت إيران من تبني روسيا زيادة العدد الإجمالي لناقلات الأسطول، وبالتالي خفض تكاليف تشغيل مثل هذه السفن. لكن من جهة أخرى، أصبحت روسيا منافسًا لإيران ببيعها نفطها بشكل رئيسي إلى الصين والهند، وهما نفس المشترين اللذين كانت إيران تستهدفهما.

مع ذلك، تضاعف حجم التبادل التجاري بين روسيا وإيران أكثر من مرتين منذ بدء الحرب في أوكرانيا، من حوالي ملياري دولار سنويًّا إلى ما يقارب خمسة مليارات دولار حاليًّا. وقدمت موسكو مساعدات أخرى لإيران: ففي عام 2023، بذل الكرملين جهودًا حثيثة لإقناع إيران بالانضمام إلى منظمة شنجهاي للتعاون. وفي العام التالي، سعت موسكو جاهدةً لضم طهران إلى مجموعة البريكس الموسعة، التي تضم في الأصل البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا. وفي مايو الماضي، رتبت روسيا توقيع اتفاقية تجارة حرة بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي يضم أرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وروسيا. وأبدى الكرملين استعداده للتعاون مع بعض الجماعات الموالية لإيران، من خلال تزويدهم بالتدريب والأسلحة.

مع تعمق العلاقات بين طهران وموسكو، تتكشف حدود نفوذ بوتين وقدرته على حماية شركائه. فروسيا تمتلك ما تحتاجه إيران في أي صراع مع إسرائيل والولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج هذه الإمكانات لحربها في أوكرانيا، بالإضافة إلى أن نقلها يتطلب وقتًا طويلًا للتدريب والتشغيل. لذلك، ورغم الخطاب الدبلوماسي، لم تمنح موسكو طهران دعمًا ملموسًا، خاصة مع انشغالها بالحرب وسعيها لتفادي التصعيد، إضافة إلى انخراطها في مفاوضات مع إدارة ترامب بشأن أوكرانيا.

تأمل القيادة الروسية في جني فوائد من هذه العملية الاستعراضية، على الأقل فيما يتعلق بتقليص الدعم الأمريكي لأوكرانيا وإبطاء وتيرة فرض عقوبات جديدة تستهدف روسيا. في ظل هذه الظروف، لا يستطيع الكرملين تقديم دعم أقوى وأكثر وضوحًا لإيران. بالإضافة إلى أن التزام موسكو تجاه طهران مقيد بحاجتها إلى تحقيق التوازن في علاقاتها بالمنطقة. وتعد دول الخليج التي تواجه حاليًا هجمات إيرانية شركاء مهمين لروسيا في حد ذاتها.

قد تقدم روسيا لإيران دعمًا أقل وضوحًا من شحنات السلاح، مثل إتاحة معلومات استخباراتية وبيانات مراقبة واستطلاع فضائية تعزز دقة الاستهداف. ورغم صعوبة تتبع هذا النوع من الدعم وسهولة إنكاره، فإنه يظل مهمًا، وأشار مسؤولون أمريكيون إلى تورط موسكو فيه سرًا. ومع ذلك، يبقى أثره محدودًا مقارنة بالدعم الاستخباراتي الواسع الذي قدمته الولايات المتحدة لأوكرانيا. وفي المقابل، تستفيد روسيا من تداعيات الحرب؛ إذ تستنزف الولايات المتحدة موارد عسكرية تحتاجها كييف، ويدعم ارتفاع أسعار الطاقة الاقتصاد الروسي بعد تراجعها سابقًا.

لم تكن لدى روسيا طاقة إنتاجية فائضة كافية لزيادة إنتاجها النفطي، فلم تستطع تعويض تراجع الأسعار بزيادة الكميات. وأدى فائض المعروض وتوافر بدائل للنفط الروسي، إلى جانب تشديد العقوبات الأمريكية، إلى انخفاض حاد في أسعاره. أما الآن، فيسهم النقص الناتج عن إغلاق مضيق هرمز في رفع الأسعار، ما يمنح روسيا وميزانيتها المتعثرة دفعة إضافية. خففت وزارة الخزانة الأمريكية الضغط على الأسواق بمنح ترخيص لمدة 30 يومًا يسمح ببيع النفط الروسي إلى الهند. كما أن تراجع صادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج يعزز قدرة روسيا على تسويق غازها، خاصة في الأسواق الآسيوية.

يحتمل أن تستفيد روسيا لأسابيع من اضطراب إمدادات الطاقة في الخليج، لكن بشكل محدود؛ فكل زيادة تصل إلى 10 دولارات في سعر برميل النفط تدر نحو 95 مليون دولار يوميًا، وهو أثر قصير الأجل. أما إذا ألحقت الحرب أضرارًا كبيرة ودائمة بالبنية التحتية للنفط والغاز في المنطقة، فمن المحتمل أن ترتفع الأسعار لفترة أطول، بما يعزز إيرادات الكرملين. وحتى اليوم، تجنبت الولايات المتحدة وإسرائيل استهداف قدرات إيران التصديرية. وإذا اتجهت طهران، بدافع اليأس، إلى إلحاق أكبر ضرر ممكن بجيرانها والاقتصاد العالمي، فستكون التداعيات على إمدادات الطاقة أكثر استمرارًا.

أما خيارات روسيا فهي أقل تعقيدًا. كشفت إخفاقات الكرملين الأخيرة في مساعدة شركائه في سوريا وفنزويلا وإيران عن محدودية نفوذه كقوة عالمية. ومع تركيز مواردها في أوكرانيا، لا تستطيع موسكو تقديم مساعدة مادية لأصدقائها. ويبقى هدفها : جني الأرباح من التداعيات غير المقصودة للتدخل الأمريكي.