"أصيل والأطفال الخمسة".. يوميات الحرب لأصيل سلامة وبلاغة الموقف
الخميس / 6 / شوال / 1447 هـ - 19:37 - الخميس 26 مارس 2026 19:37
'المفاجأة المدهشة أن جديّ ما زال على قيد الحياة'، في الثامن والعشرين 2024!
قصة الجدّ العائد إلى الحياة، تختصر المعنى الإنسانيّ العميق للوطن؛ فقد اختبر معنى اللجوء من قبل. إنه الإنسان الغزيّ الذي رفض ترك البيت بعد نزوح الغزيين تحت تهديد الاحتلال، 'لو نزحت راح أموت مليون مرة' صفحة 32. يدرك الجدّ معنى اللجوء الذي يعني كل الأوجاع مجتمعة، فيختار الموت في بيته، لأنه سيكون بالنسبة له أقلّ وجعا.
أما هو، فقد تعرّض لكل ما هو صعب، فطرده الجنود شرّ طردة، وكاد يهلك، لولا بقية من روح، ليعثر عليه من يساعده، فيعود، ولكن عبر جثث الشهداء على الطريق.
من السابع من أكتوبر 2023، حتى التاسع والعشرين من فبراير 2024؛ بما يعني خمسة أشهر، هي الأشهر الأولى للحرب على غزة، حيث يفاجأ الناس هناك بحرب حارقة مدمرّة، في حين كانوا يمارسون حياتهم بشكل عاديّ، لا يعرفون أن هذه الحياة اليومية التي كانوا يعانون خلالها، ستكون بعد أيام مطلبا كأنها الفردوس المفقود.
توثّق الكاتبة الشابة أصيل سلامة، القادمة من رفح، يومياتها كطالبة في الفصل الدراسيّ الأخير في الجامعة، فتصف بداية صباح يوم السابع من أكتوبر اليوم الأول للحرب، كيف صحت نصف نائمة، ثم مع بدء النهار، يبدأ تواصل الأهل للاطمئنان على بعضهم بعضا، بأنهم ما زالوا أحياء، فهذا هو الكنز المتبقي: وجودهم أحياء في ظل التدمير. ثم لتصف وقت القصف وبعده، كأن ما يتيحه الاحتلال للأحياء هنا تشرّب الحسرات على من يرحلون، وعلى ما يغيب من المشهد من شجر وحجر. تسارعت الحرب، 'وخلت الشوارع إلا من ناقلي الجثث' صفحة 10. ومع توقف المخابز، تبني الأسرة فرن الحطب. يودّ الناس أن يتأخر الشتاء لفوائد الصيف والربيع، لكنه لا يخالف موعده.
وهنا، ونحن في سياق الجدّة التي ما انفكت تتحدث عن 'أيام زمان'، وعن صعوبة تلك الأيام، وأساليب العيش، تحدث المفارقة من خلال الحرب، حين يضطر الأهالي للجوء لأساليب تقليدية؛ فتتحول الجاروشة 'المطحنة'، التي صارت تراثا للعرض، إلى أداة مستخدمة الآن في الوقت المعاصر جدا.
في الهدنة الأولى في 26 نوفمبر 2023، تسرق أصيل الكاتبة زمنا لزراعة البقدونس في 'حاكورة البيت'. تتذكر الكاتبة في يومياتها زيارتها لغزة قبل يومين فقط من بدء الحرب، فيكون الرثاء، فذلك كان اللقاء الأخير مع غزة وجامعتها.
في العاشر من ديسمبر، يستقبل البيت نازحين جددا من خانيونس. 'ربما نصبح نازحين مثلهم في وقت ما'، صفحة 29، و'الخيام على مدّ البصر'. يتابعون سقوط الصاروخ وهم يصنعون الشاي، ترتفع الأسعار، يتغير أسلوب حياة الناس، 'خيمة وبجانبها سيارة جيب' صفحة 37، في الرابع والعشرين من ديسمبر، في مفارقة بين ما كان من دلالة وجود الجيب اقتصاديا، والخيمة بعد النزوح، فالسّيارة الفارهة تتنقل بما تبقى من وقود، في حين تعجز البيوت عن اللحاق بأصحابها. يصبح العثور على ماء صالح للشرب حدثا مهما. تتأجل الأعراس، ثم ليصبح الذين استقبلوا نازحين نازحين مثلهم بعد اجتياح رفح.
عبارة أصيل سلامة في يومياتها تعيدنا إلى أحداث نكبة عام 1948، حيث كانت أهالي القرى الذين يتم تهجيرهم يلجؤون إلى قرى قريبة، ما إن يقيموا معا حتى يتم تهجيرهم معا، ليذهبوا إلى آخرين، لا يلبث المجموع أن وجدوا أنفسهم لاجئين، طال بعدهم عن بيوتهم 78 عاما.
أصيل والأطفال الخمسة!
إنهم عمر وزين ودنيا وإيناس، وعليّ، تذكرهم في ثنايا اليوميات، لكنهم لا يظهرون بشكل مركز، ما يجعلنا نميل إلى أن العنوان يوحي بما تريده الكاتبة من لفت الانتباه إلى عالم الطفولة، بكل براءته؛ فكيف أنه في ظل هذه الحرب تتحدث الطفلة عن الطائرة الورقية صفحة 81.
ربما اقتضى شكل اليوميات هذا الأسلوب، والذي كان ناظمه حياة الكاتبة وأهلها والأطفال من ضمنهم وأحداث الحرب، أكثر منه حياة الكاتبة والأطفال معا.
ملامح إبداع الأدب الجديد:
'تزامن صدور يوميات 'أصيل والأطفال الخمسة، مع صدور المجموعة القصصية 'قمر 14 وقصص أخرى'، حيث يبدو أن جزءا من نصوص المجموعة قريب الشبه من ناحية المضمون واللغة المستخدمة، والحالة الشعورية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة خلال الحرب عليه.
لذلك فإننا نلاحظ الصدق المرتبط بشكل اليوميات 'الطازجة'، وهو ما يميّز هوية اليوميات التي تركّز على الزمن الآن، وإن وجدنا أن نصوص اليوميات احتوت على استعادات قليلة لغزة قبل الحرب.
لذلك مالت البلاغة هنا إلى بلاغة المواقف لا اللغة الجمالية المتكلفة، وهو ما تتميّز به الكاتبة الشابة أصيل سلامة، وعدد من كتاب عزة وكاتباتها.
وتلتقط سلامة مشاهد وشواهد خلال الحرب، نذكر منها ما كتبته في السابع من عام 2024:
'شوارع رفح صارت نظيفة جدا، ربما لأن عمال النظافة ينشطون في الصباح. لا لا، تخمينك ليس صحيحا، فالبلدية في 'إجازة' منذ ثلاثة أشهر. السبب يا عزيزي أن الناس صاروا يلتقطون أي شيء يمكن إشعال النار فيه لغايات الطهي. وأصبح من المعتاد أن نجد الأطفال في الشوارع يحملون أي زجاجة بلاستيكية، أي ورقة شجر أو غصن، أي علبة سجائر، أي شيء، حتى الكتب تمّ حرقها، والدفاتر كذلك. والأشخاص الذين لديهم حدائق حول بيوتهم صاروا يكسّرون أخشاب الأشجار ليستخدموها في إشعال النار للطهي. لا يوجد غاااااز'. صفحة 46.
إنه التقاط ذكيّ وإبداعي، ينبئ عن إمكانيات كتابة أدب عربيّ جديد، بدأ يشق طريقه في قطاع غزة أثناء الحرب.
كما تلتقط في الثامن والعشرين من يناير 2024، ما كتبته:
'ستي أم أمي تعاني من الزهايمر، قبل النوم تسألني: ليش خالتك منال أجت زارتنا وما رجعت تاني إلى خانيونس؟ فأجدد التفسير لها: يا ستي، هلقيت الدنيا حرب، وما في طرق بين خانيونس ورفح، وخالتي منال نازحة عندنا في رفح. ثم تسأل سؤالا آخر: أصيل ليش بنتي غادة ما بتتصل؟ فأبدا مجددا سرد قصة مخيم جباليا الذي تسكن فيه خالتي غادة، وأنها حسب آخر الأخبار عنها، تتخذ من ملجأ للأيتام مأوى لها، وأن الاتصالات لا تمكننا من معرفة أخبارها...'. صفحة 53.
أما بلاغة الموقف، لا مجرد اللغة، فيتجلى في النص التالي:
'في أعياد ميلادنا السابقة، كانوا يقولون: عقبال 120 سنة. ها نحن عشنا المائة والعشرين سنة في أربعة أشهر!' في الثاني من فبراير 2024. صفحة 58.
صدر الكتاب عن مؤسسة تامر، وقع الكتاب في 95 صفحة من القطع الصغير، وكتب التقديم الكاتب الكبير محمود شقير.