دير الحطب.. منازل وممتلكات استحالت حطباً
الضفة الغربية في قبضة المستوطنين المنفلتين
الخميس / 6 / شوال / 1447 هـ - 19:06 - الخميس 26 مارس 2026 19:06
رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي
كل شيء في الضفة الغربية بات في متناول الأيدي الآثمة وغير الرحيمة، فعصابات المستوطنين تقتل وتحرق وتدمّر، بينما الفلسطينيون محتجزون في منازلهم، الشوارع في الأرياف الفلسطينية تحولت إلى خنادق وكمائن للمستوطنين، ينطلقون منها لشن هجماتهم، وكل شيء بات في متناول قبضة فولاذية مفعمة بالإنتقام، ومنفلتة من كل الضوابط.
بين فكي كماشة استيطانية، تتربع قرية دير الحطب على امتداد السفوح الشرقية لمدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، والتي تقتسم معها السهل والجبل، لتبدو كصدفة محار بين الأشجار المتشابكة والكثيفة، تغفو بين ذراعي سهلين، وفي القرية الجميلة أحلام كبيرة، تختلط برائحة التاريخ وتعبق بزيت الزيتون، وما تبقى من تراث الأجداد وأدواتهم، وحكمتهم أحياناً.
شارع متموّج يهبط من أعالي جبال نابلس الشاهقة، كخيط فضي ينساب بين السهول، ومن بين تضاريس أخاذة تلوح قرية دير الحطب كدرّة سهلية تعانق الأرض، تحرسها الهضاب والتلال في صمت.. هذا قبل أن تشوش اعتداءات المستوطنين حياتها اليومية.
عُرفت قديماً بـ'دير الحطّاب' وتالياً بـ'دير الحطب' وهناك روايات عدة عن سبب التسمية، أكثرها تكراراً تلك التي تقول إن حطاباً مشهوراً سكنها قبل العهد الروماني، ولوجود أديرة قديمة فيها، واليوم تعاند كل محاولات ضمها أو تهويدها، على أيدي غربان مستوطنة 'ألون موريه' الجاثمة على صدرها، وتعني 'شجر البلوط'.. حتى التسمية تكاد تكون مسروقة، إنهم يسطون على كل شيء يرمز لفلسطين وتاريخها عروبتها.
لم تقتصر حرب المستوطنين على قرية دير الحطب، بمصادرة أراضيها لصالح مستوطنات عدة أخذت تختصر مساحة أراضيها، وتختطف خيراتها، بل امتدت لتطال المنازل والمركبات والممتلكات، وتنشر الرعب والخوف في نفوس الأهالي، وكل ذلك تحت سمع وبصر جيش الاحتلال، وفي ظل دعوات قادة المستوطنين المتطرفين، لتحويلها إلى حوارة ثانية، والمقصود بذلك 'حرقها' أو غزة ثانية بتدميرها، وتسويتها بالأرض.
وقودها الناس وممتلكاتهم
في ليلة العيد، الذي حل غير سعيد، عاش أهالي دير الحطب ليلة رعب غير مسبوقة، إذ غزتها عصابات المستوطنين، وأخذت تحرق المنازل والمركبات والممتلكات، وتحول كل ما تصل إليه أيديها العابثة إلى حطام ورماد.
كانت فرقعة الحطب تُسمع بوضوح في دير الحطب، بعد أن شبت فيها نار المستوطنين الحارقة، وكذلك أصوات طرقات الحجارة والعصي وهي تضرب المنازل، فأتت النار على عشرات المنازل والمركبات والأراضي الزراعية، مخلفة دماراً واسعاً، وإصابات كثيرة في صفوف المواطنين الذين هبواً لإخماد الحريق، وفي غضون دقائق، تحولت القرية الهادئة والغافية بين أحضان سهل نابلس، إلى كتلة مشتعلة، فاجأت الأهالي الآمنين في بيوتهم.
في دير الحطب، يطل الأطفال والأمهات، العالقين تحت وطأة حصار خانق، من وراء قضبان النوافذ، على شوارع قريتهم المستباحة، والخالية إلا من عصابات المستوطنين، تحرسهم قوات من جيش الاحتلال، فيما يجتهد الرجال لتحسين ظروف 'اعتقالهم' داخل السجن الكبير، وغير الآمن!.
'في الشوارع، وفوق المنازل، يتنقل المستوطنون المدججون بالقتل والإجرام، يحرقون ويعربدون، ويطلقون النار على المنازل، ويمنعون الحركة، الأوضاع ليست سهلة، فالمستوطنون لا يفارقون القرية، وقد انفلتوا من عقالهم، وهم يمارسون أفظع أنواع الجرائم بحقنا.. هذه ممارسات مفعمة بالخراب والدمار، وهدفها ترحيل المواطنين' هكذا لخص إسماعيل عمران من قرية دير الحطب، ما شهدته قريته، منوهاً إلى أن اقتحامات المستوطنين وجيش الاحتلال للقرية لا تتوقف، بل تبدو كأنها مرسومة، ومتفق عليها بين جيش الاحتلال ومستوطنيه.
ويشرح لـ'عُمان': 'في لحظات اقتحام المستوطنين، تبدو قرية دير الحطب كغابة صيد، فمن يغامر بالخروج من بيته يكون عرضة للضرب والقتل والحرق، خصوصاً وأن جيش الاحتلال يغلق مداخل القرية، ولا يسمح بدخول فرق الإسعاف والأطقم الطبية، أو الإطفائيات، وهذا دليل واضح على تواطؤ جيش الاحتلال في تسهيل مهام المستوطنين في هذه الاعتداءات'.
جدول عقوبات
ويبدو جدول العقوبات والاعتداءات ضد أهالي دير الحطب، مفتوح إلى المدى الذي يحدده مزاج جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين، الذين راحوا يتفنّنون في قهر وتعذيب الأهالي العزّل، الذين تحولت منازلهم إلى سجون غير آمنة، فهؤلاء لا يقتحمون القرية إلا تحت وابل من الرصاص والعبوات الحارقة، ومن يصادفونه، يصبّون عليه غصبهم، ويصوّبون بنادقهم نحوه، ويعتدون عليه بالضرب الوحشي.
ولم تعد النساء في قرية دير الحطب، تخرج لتملأ جرارها من عيون الماء النتشرة في القرية، بل إن عصابات المستوطنين قطعت عنهن مياه الشرب، لكن وقع أقدامهن سيظل محفوراً في الطرقات، وإن حاول مستوطنو 'ألون موريه' محو آثارها.
أيام ثقيلة الوطأة مرّت على أهالي دير الحطب، التي بدت كأنها في سباق محتدم مع 'قُطّاع الطرق' وأخذت تشكل عنواناً عريضاً لاعتداءات المستوطنين، وإلحاقها بقرى أبو فلاح وقريوت وطمّون وسنجل، وقرى أخرى عديدة، يجري استنساخ تجاربها الدامية، مع حالة من العداء التي يكنّها المستوطنون لأشجار ومنازل هذه القرى، بينما يحاول جيش الاحتلال أرضاؤهم، تارة من خلال رفع وتيرة قمعه للمواطنين، وأخرى بإطلاق أيديهم للدمار.
لم تكن دير الحطب استفاقت بعد من هول الحريق الذي اشعله المستوطنون، حتى وجدت نفسها مجدداً في وضع اقتياد إلى قلب جولة أخرى أكثر التهاباً، وإلى خط مواجهة ثانية لم تعد تحتمل أنصاف الحلول، أو نتائج رمادية 'نكون أو لا نكون'.
في وسط قرية دير الحطب، تشمخ نخلة باسقة، يبدو أنها آثرت الوحدة، واختارت أن تحرس القرية بمفردها، وبين الحارات القديمة، لوحة أخرى مختلفة.. هنا عاش الأجداد، وهنا الكنوز التي أضحت تحت حوافر الخيول، وهنا لا مكان للمستوطنين ولا مكان لنظريات الضم والتوسع الاستعماري.. حتى الطيور اعتادت على المكان، فباتت تضع أغلى ما تملك، في كومة قش بدير من حطب.