إيران توقع أمريكا في ورطة.. والذاكرة الاستراتيجية تفشل !
ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني
الأربعاء / 5 / شوال / 1447 هـ - 19:56 - الأربعاء 25 مارس 2026 19:56
إذا كانت أسطورة «كاساندرا» حقيقة بيننا، فلا بد وأنها سوف تصاب بالإحباط لما يحدث بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، و«كاساندرا» هي شخصية أسطورية يقال إنها تتنبأ بالمستقبل وتحذر مما سوف يحدث.
يقضي الكثير من الكُتاب أشهرا بل وأعواما لكتابة كتب في السياسة، مثل: كتاب «المستنقع» وكتاب «العاصفة الرملية»، والكثير من المقالات التي تُنشر في مجلات عديدة وصحف كثيرة، تتحدث كلها عن مغبة دخول الولايات المتحدة الأمريكية في حرب في الشرق الأوسط، وأن مصيرها سيكون كارثيا هي من تسببت به، ثم تجد كل ذلك يُضرب به عرض الحائط لتخوض واشنطن حربا ضد إيران، وتتكشف يوما بعد الآخر حقيقة ما كُتب وحقيقة التحذيرات، تماما كما جاء في المقالات والكتب. تضرب قنبلة قلب طهران، ليموت جنود أمريكيون في كل من الكويت والسعودية، ثم تستمر الأحداث إلى إغلاق مضيق هرمز، فيؤدي ذلك إلى خلل كبير في أسواق النفط العالمية، وفي الجانب الآخر تنشغل تلك المؤسسة السياسية الخارجية المدعومة من الولايات المتحدة بتبرير أفعالها العدائية، وتسعى جاهدة إلى إثبات أنها غير مسؤولة عن كل ما يحدث! بالعودة إلى عام 1992، العام الذي كتبت فيه كتابي «المستنقع»، أوردت في الكتاب: «إن نماذج السياسة الخارجية من الصعب أن تموت»، لم أكن أعلم حينها أن مقولتي تلك ستكون صالحة لأن تُذكر الآن مرة ثانية، أعتقد أنها ستصبح مقولة خالدة.
سأتحدث هنا بكل صراحة في ما يحدث حاليا، فقد اعتقدت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أن سنوات العقوبات على إيران سوف تُضعفها، كما اعتقدتا أن حرب الـ 12 يوما في عام 2025 على طهران سوف تُرهقها عسكريا، وكذلك ظنتا أنهما قد أهلكتا أذرع إيران في الشرق الأوسط، لذلك كان بتصورهما أن 900 ضربة في 12 ساعة، في أول ضربة أمريكية إسرائيلية على إيران، سوف تقضي على إيران، وذلك في عملية أطلقا عليها اسم «عملية الغضب الملحمي» التي كانت في 28 فبراير 2026.
المبررات من هذه الضربة تتغير بشكل شبه يومي، وقدمت إدارة ترامب العديد من التفسيرات المتناقضة، ومن تلك التبريرات «تجنب التهديد الإيراني الوشيك»، و«مباغتة الرد الانتقامي بعد الهجوم الإسرائيلي»، و«تدمير الترسانة الإيرانية التي تهدد العالم»، و«منع امتلاك سلاح نووي»، و«تأمين الموارد الطبيعية لإيران»، و«السعي إلى تغيير النظام الإيراني القمعي».
ولكني على يقين أنه عندما تكون الحكومات عاجزة عن حسم مسألة الحرب، ففي الغالب يكون السبب من وراء ذلك عدم النزاهة، فالنزاهة هنا هي الكشف عن السبب الحقيقي وراء تلك الحرب.
أدخلت الولايات المتحدة الأمريكية دولا أخرى في الحرب، لتكون هي الأخرى أطرافا فيها، ففي الكويت أدت غارة جوية إيرانية إلى مقتل 6 جنود أمريكيين، إضافة إلى مقتل عدد من الجنود الأمريكيين في السعودية، كما قُتل 6 طيارين أمريكيين عندما تحطمت طائرة تزويد بالوقود من نوع «كيه سي- 135»، وذلك في غرب العراق، وكل تلك تُعد خسائر ليست بسيطة أبدا، ولا تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من الفرار منها، وقد تكون نتيجة طبيعية على نشر قواتها في بلدان ربما لا ترغب في الوجود الأمريكي على أراضيها.
كما أدت الحرب إلى تعطيل حركة السفر والشحن والتجارة العالمية، ففي مطارات الشرق الأوسط توقفت الحركة، والسفن التجارية أصبحت ملزمة بإيراد طرق بديلة تجنبها المرور في مضيق هرمز، إلى جانب وجود حوالي 3000 سفينة عالقة في عرض البحر في الخليج العربي، الذي أصبح بمثابة ساحة للانتظار إلى حين انفراجة أزمة مضيق هرمز.
هذا هو الثمن الذي تدفعه الولايات المتحدة عندما تُسند استراتيجيتها إلى أطراف أخرى، وتحديدا إلى إسرائيل، لا أقول ذلك جزافا، فقد أشار معالي بدر بن حمد البوسعيدي، وزير خارجية سلطنة عُمان والوسيط الرئيسي في المفاوضات، إلى أن المسار النووي كان يحقق تقدما ملحوظا، وأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تكن سوى محاولة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الإسرائيلية.
وتعزز هذا الطرح مع تقارير تحدثت عن أن دبلوماسيين خليجيين رأوا أن شخصيات أمريكية مثل: «ستيف ويتكوف» و «جاريد كوشنر» كانت تمارس ضغوطا تدفع واشنطن نحو المواجهة العسكرية بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية، في وقت كان فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» يشعر بقلق متزايد من احتمال نجاح المسار الدبلوماسي، فسارع إلى لقاء «دونالد ترامب» للدفع نحو الخيار العسكري، تماما في اللحظة التي بدأت فيها المفاوضات تُظهر بوادر إيجابية. هذا المشهد ليس جديدًا، بل يعيد إلى الأذهان ما حدث قبل غزو العراق عام 2003، حين تم إجهاض المسار الدبلوماسي عمدا من قبل أطراف كانت تدفع نحو الحرب، في مقابل إدارة أمريكية لم تتمكن -أو لم ترغب- في مقاومة ذلك التوجه. المفارقة هنا لافتة، فهذه الإدارة جاءت إلى الحكم بشعارات تدعو إلى ضبط النفس، ووضع المصالح الأمريكية أولا، وإنهاء حقبة الحروب المفتوحة، لكن الواقع اليوم يكشف عكس ذلك، مع أكبر حشد عسكري أمريكي في الشرق الأوسط منذ غزو العراق، يضم حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية وقدرات جوية ضخمة، ما أدى إلى استنزاف القدرات العسكرية الأمريكية بشكل قد يؤثر على جاهزيتها في مناطق أخرى من العالم، خصوصا في المحيط الهادي، حيث تتشكل ملامح التنافس الاستراتيجي الحقيقي في هذا القرن.
وهنا يكمن الجرح الأعمق، وهو جرح ذاتي، فبينما أدانت الصين الحرب، واكتفت روسيا بموقف متحفظ، كانت بكين تراقب المشهد بعناية، مستفيدة من استنزاف القدرات الأمريكية، وتراجع صورتها في العالم الإسلامي، واضطراب أسواق الطاقة، في وقت تواصل فيه الصين الحصول على النفط الإيراني دون انقطاع. لم يكن على «شي جين بينج» أن يطلق رصاصة واحدة ليحقق مكاسب استراتيجية كبيرة.
في المقابل، ستسارع المؤسسة السياسية في واشنطن إلى تبرير ما حدث، عبر الحديث عن ضرورة تدمير البرنامج النووي الإيراني وضيق الوقت، وأن التردد قد يشجع على العدوان. لكن هذه الطروحات تحتاج إلى مراجعة، فحتى الوكالة الدولية للطاقة الذرية أشارت إلى عدم وجود أدلة واضحة على برنامج نووي عسكري منظم لدى إيران في لحظة اندلاع الحرب، رغم القلق من مستويات التخصيب وضعف الشفافية. والأهم أن التجربة على مدى عقود تؤكد أن تغيير سلوك الأنظمة لا يتم بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر المسارات السياسية والاقتصادية والعمل الدبلوماسي طويل النفس. قد تكون إيران قد تلقت ضربة عسكرية اليوم، لكن ما سيأتي لاحقا يبدو أكثر تعقيدا، فمرحلة ما بعد «علي خامنئي»، وإعادة تشكيل الحرس الثوري، وتصاعد الغضب الشعبي الممزوج بالنزعة القومية، كلها عوامل تفتح الباب أمام تحديات أكبر من تلك التي سعت هذه الحرب إلى حلها. وهنا تتجلى فكرة «الانفصال المدمر»، حيث تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة بين التورط في المنطقة وعدم القدرة على إدارتها بحكمة. فبدلا من اتباع نهج يقوم على تعزيز القنوات الدبلوماسية -خاصة عبر سلطنة عمان- والضغط من أجل حلول متوازنة، والعمل مع الحلفاء الأوروبيين على إطار نووي مستقر، تم الانزلاق نحو التصعيد، مدفوعا بحسابات سياسية وضغوط خارجية. وفي العشرين من مارس، لمح ترامب إلى إمكانية التراجع التدريجي، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تقترب من تحقيق أهدافها، لكن الحديث عن «التهدئة» لا يُعد استراتيجية حقيقية، خاصة في ظل استمرار التوتر في مضيق هرمز، وغموض مستقبل إيران، وترقب الميليشيات في العراق ولبنان لما ستؤول إليه الأحداث، وسط مشهد إقليمي يزداد هشاشة وتعقيدا.
لقد كنت أكتب عن «المستنقع» الأمريكي في الشرق الأوسط منذ عام 1992، وكنت أتمنى أن أكون مخطئا، لكن الواقع اليوم يقول العكس، فخسائر الجنود الأمريكيين، ومعاناة المدنيين الإيرانيين، ليست دليلا على صحة التحذيرات بقدر ما هي ثمن لثقافة سياسية لا تتعلم من أخطائها.
نماذج السياسة الخارجية قد لا تموت بسهولة، لكن إن كان هناك ما تبقى من حكمة استراتيجية، فإن الدرس اليوم واضح، يقول الدرس: «الشرق الأوسط لا يكافئ من يخوض فيه الحروب بدوافع أيديولوجية، ولم يكن يومًا كذلك، ولا يمكن للقوة العسكرية، مهما بلغت، أن تكون بديلا عن العمل الدبلوماسي الجاد، القائم على المصالح والصبر». العاصفة مستمرة... ونحن من صنعها.