حتى لا تتحول فرحة المطر إلى فاجعة
الأربعاء / 5 / شوال / 1447 هـ - 19:22 - الأربعاء 25 مارس 2026 19:22
بعد انقطاع طويل، جادت السماء بمائها، وهطل الغيث، واخضرت الأرض، وفرح الناس بمشاهدة هذا الضيف الوديع بعد غياب، غير أن هذه (الرحمة)، تتحول أحيانا إلى حزن، وتنقلب إلى كابوس، بسبب تهوّر بعض المستهترين لعبور الأودية، ومجازفتهم بأرواحهم، وأرواح غيرهم، رغم المناشدات المتكررة من الجهات الأمنية، ومحاولات التوعية الإعلامية التي تعلو قبل وأثناء كل حالة ماطرة، ولكن لا حياة لمن تنادي، وكأن لا أذن، ولا سمع، ولا بصر، ولا عقل لدى هؤلاء الذين يصارعون الموت، ويسابقون جريان الوادي الجارف، ولا يعبأون بالنتائج، ولا يلتفتون إلى الكوارث التي يسببونها لأنفسهم، ولغيرهم، ولا يعيرون انتباها لأولئك الذين يحاولون إنقاذهم من المواطنين ورجال الأمن، الذين يعرّضون حياتهم للخطر، بسبب مستهتر غير مبالٍ.
ولا يكاد يمرّ منخفض جويّ ماطر، دون أن تسجل أجندة الشرطة حالات غرق، ووفيات، وتتحول بعض البيوت إلى سرادق للعزاء، كان بالإمكان دفعه بقليل من التريث، والتعقل، والصبر من قبل سائق المركبة، ولكن البعض يعتقد بأن السيارة التي يركبها آلة خارقة، تستطيع أن تتجاوز الوادي، وتصل إلى بر السلام، غير أن الماء المنهمر لا يرحم أحيانا، فهو يأتي كثور جامح لا يرى من يقف أمامه، فيجرف ما يعترض طريقه، ولا يسلم منه إلا أولئك الذين يتمتعون بقليل من الحكمة، والعقل، ويقفون احتراما وتقديرا حتى يمر هذا الكائن الهادر، فكم من شاحنة كبيرة جرفها الوادي، وكم من سيارة سريعة لم تنفعها سرعتها وهي تحاول سبق سرعة الماء، وكم من أطفال تيتموا بسبب تهور والدهم، وكم من أسر تغشّاها الحزن بسبب عدم مبالاة ابنها في قطع الوادي، ورغم كل التجارب الماضية، والأحداث التي نشاهدها، ونسمع بها كل مرة، فإن البعض ما زال غير مدرك لعواقب أفعاله، واستهتاره، كأنه يتحدى القدر.
ولا يقتصر الأمر عند سائقي المركبات فقط، ففي بعض الأحيان يتسبب عدم مراقبة الأطفال -أثناء المطر- من قبل ذويهم، في حدوث كوارث محزنة، يكون ضحيتها طفل بريء، يحاول أن يلهو في الماء بعيدا عن رقابة الأهل، فيقع في حفرة مائية، أو يتعرّض لصعقة كهربائية نتيجة سلك عارٍ ومهمل، ولذلك على الأسر أن تنتبه لأطفالها، وأن تراقبهم، وتتفقدهم، ولا تجعلهم عرضة للخطر، والموت لا قدّر الله.
ومن المعرّضين للخطر في الأجواء الممطرة الصيادون الذين يجازفون أحيانا بأرواحهم ويرتادون البحر وهو في قمة هيجانه، رغم تحذيرات الشرطة بعدم ركوب البحر في مثل هذه الظروف، فيعرّضون حياتهم، وحياة مَن معهم للخطر المحدق، وقد يحدث ما لا يحمد عقباه، ويتعطل القارب، أو يحمل الموج المركب، ويتعرض الصيادون لمخاطر جسيمة.
وفي وسط كل هذه الكوارث، وفي وسط هؤلاء المستهترين، يدفع رجال شرطة عمان السلطانية ثمنًا باهظًا وهم يحاولون إنقاذ أسرة من الغرق، أو يبحثون عن صياد مفقود، أو يصارعون الوقت لمد يد العون لطفل علق في عين الماء، أو أسرة حاصرتها الأودية، وهم بذلك يضربون أروع الأمثلة وأشجعها لتأدية عملهم، فلهم كل الشكر والعرفان والامتنان، ولكن ليعلم أولئك الذين خاطروا بحياتهم دون إدراك، أن أفراد الأمن لن يكونوا حاضرين دائما مع كل شخص مستهتر ليمنعه من قتل نفسه، وقد لا يكون قريبا في اللحظة المناسبة لإنقاذه من براثن الموت، لذلك عليهم أن يتحلوا بالحكمة، والصبر، والتعقل، ويستمتعوا بنعمة السماء حتى لو دام جريان الوادي لساعات، كي لا تتحول فرحة المطر إلى كارثة مفجعة يصنعونها بأيديهم.
نسأل الله أن يسقنا الغيث، وأن يحفظ الجميع من كل مكروه.