أعمدة

عيدان في عيد

حين توافق نزول المطر، مع حلول أحد الأعياد التي شهدها الشاعر أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني (1000-1064م) صاحب كتاب (العمدة في صناعة الشعر ونقده) قال بيتين عدّهما الدارسون من أجمل ما قيل في أيام العيد الممطرة، فقد أنسن القيرواني العيد، وجعله يشعر، ويفرح، ويحزن مثل الإنسان، وشبّه هطول المطر في العيد بنزول الدموع حزنا على سفر الممدوح، وهو المعز بن باديس حاكم (القيروان) في ذلك الوقت، فوجه العيد يتجهّم، والسماء تبكي اشتياقا له، فتنزل قطرات المطر- الدموع، ويخاطب الشاعر الحاكم قائلا:

تجهّم العيد وانهلّت بوادره

وكنت أعهد منه البِشر والضحكا

كأنّه جاء يطوي الأرض من بُعُد

شوقًا إليك فلّما لم يجدك بكى

وقد تنزل الدموع من شدّة الفرح، عند لقاء الأحباب الذين طال انتظارنا لهم، وربّما لو لم يسافر الممدوح، لجعل الشاعر دموع السماء دموع فرح، وليس هذا بمستبعد ما دام المعنى قد تلجلج في ذهن الشاعر، ولا توجد مناسبة تجمع الأحباب مثل العيد، وفي تلك اللقاءات تصير فرحة الصائمين بظهور هلال شهر شوّال فرحتين، وفي الثقافات القديمة كان الناس يجعلون من نزول المطر عيدا؛ لأنّ المطر يرتبط بخصوبة الأرض، وتطهيرها من الأوساخ والأدران، فنزول المطر هو عيد للأرض، وعودة الحياة لها، بعد أشهر الشتاء الباردة، وتساقط أوراق الأشجار، وجفاف التربة، وأشهرها عيد (أكيتو) المعروف في بلاد ما بين النهرين، الذي يقام في الأول من أبريل لدى البابليين، والآشوريين والكلدان، أي مع بداية موسم الربيع، الذي يشهد نزول الأمطار في تلك المناطق، وتعتدل درجات الحرارة، وتتجدّد دورة الحياة، ويضع الفلّاحون بذور القمح والشعير في التربة بعد حراثتها، و(أكيتو) من أقدم الأعياد الدينية إذ يعود إلى 5300 ق.م، ويستمرّ اثني عشر يوما، ويُقام في المعابد البابلية، وتصاحب ذلك العيد طقوس، ومسيرات شعبية، ورقصات تقليدية وتراتيل دينية، وارتداء ملابس جديدة، ولعل من معاني كلمة أكيتو (بداية) في السومرية أو البابلية، ويعد بداية تقويم السنة الآشورية، أو (بذور القمح)، فهو عيد لحراثة التربة، ووضع البذور فيها وسقيها، من ماء السماء، وتحتفل بعض القوميّات من سكّان سوريا والعراق بهذا العيد إلى وقتنا الحاضر، كجزء من موروث ثقافي، يعتزّون به.

ومن بين الأعياد التي ترتبط بالمطر عيد (الخضر) أو (مار جريس) لدى المسيحيين، ويُحتفل به في فلسطين وبلاد الشام، بأوقات مختلفة، من بينها في مايو وأبريل وذلك من أجل إحياء الأرض وعودة الخضرة إليها، وتزداد بهاء مع نزول الأمطار، وفيه تكثر دعوات المصلين من أجل نشر المحبة والسلام، وسط طقوس خاصة تضاء خلالها الشموع، وتكثر النذور، ويُقدّم الخبز، وتُملأ الجرار بزيت الزيتون الذي يروي قناديل الأديرة.

ومن الجميل، في عيد الفطر المبارك الذي ما زلنا نعيش مباهجه، أن يتزامن مع دخول المنخفض الجوّي (أخدود المسرّات) أجواء سلطنة عمان، لتتضاعف مسرّاتنا بالعيد، عندما أضيفت إلى أفراح القلوب فرحة الأرض، والأشجار، والكائنات بهطول الأمطار، وجريان الأودية، ونزول الشعاب، ورغم أن الأمطار حالت بين خروج الكثيرين من البيوت وحدّت من التزاور بين المعيّدين والذهاب إلى المطاعم وأماكن الترفيه، والمقاهي تجنبا لخطر تجمع الأودية، فإننا استمتعنا بمنظر نزول الأمطار، واعتدال درجات الحرارة، ومثلما غسلت فرحة العيد القلوب، غسل المطر الدروب، والأشجار، واخضرّت الأرض واستأنست الأرواح، وصار العيد بعيدين، كما يقول ابن الرومي:

للناس عيد ولي عيدان في العيد

إذا رأيتك يا بن السادة الصيد

ومن دون أن نشعر، ردّدنا الأغنية اليمنية الشهيرة (آنستنا يا عيد) التي أول من غناها: علي الآنسي، وتقول كلماتها التي كتبها عباس المطاع:

«اضحك على الأيام

وابرد من الأوهام

وامرح مع الأنغام

وافرح بهذا العيد

سلّم على احبابك واهلك وأصحابك

وقل لمن عابك: مبروك عليك العيد»

وتكتمل أفراحنا بالعيد في حلمنا بحلول السلام في المنطقة، ليعمّ الإخاء وينعم الجميع بالأمان.