ثقافة

أرشيف "بيت الصفاة" يفتح أسرار التحالفات والنزاعات في عُمان قبل عصر النفط

 

د. خير الدين عبد الهادي: ترجمة كتاب 'السلطة القبلية' كانت رحلة لإعادة تأصيل المصطلحات العُمانية - 

صدر حديثا عن مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية في جامعة نزوى، وبالتعاون مع مكتبة الشيخ محسن بن زهران العَبْري الأهلية بولاية الحمراء، كتاب 'الشيخ محسن بن زهران العَبْري: السلطة القبلية في عُمان في القرن التاسع عشر'، تأليف الباحثة الألمانية البروفيسورة ميشائيلا هوفمان-روف، وترجمة الدكتور خير الدين عبد الهادي، رئيس شعبة اللغة الألمانية في جامعة نزوى.


ويُعد هذا الكتاب إضافة رصينة إلى الدراسات الأكاديمية في التاريخ العُماني، حيث يقدم قراءة تحليلية معمّقة لشخصية الشيخ محسن بن زهران العَبْري بوصفه فاعلًا محوريًا في الحياة السياسية والاجتماعية في عُمان خلال القرن التاسع عشر، وتنبع القيمة العلمية لهذا الكتاب من اعتماده على تحليل موسّع لوثائق أصلية عُثر عليها في 'بيت الصفاة' بولاية الحمراء، وهي مادة أرشيفية غير منشورة تسلّط الضوء على تفاصيل دقيقة تتعلّق ببنية المجتمع القبلي العُماني، وأنماط العلاقات والتحالفات والصراعات، وتفاعلاتها مع السلطة المركزية في تلك المرحلة.


ولا يقتصر العمل على تقديم سيرة شيخ قبلي، بل يتجاوز ذلك إلى دراسة منهجية لبنية السلطة القبلية وآليات عملها في سياق سياسي واجتماعي معقّد، ومن خلال قراءة نقدية دقيقة لهذه الوثائق، تتبّع الباحثة تحوّلات المكانة الاجتماعية، وطرائق إدارة النزاعات، وصياغة الأولويات، وبناء التحالفات، والتعامل مع القوى الإقليمية، بما يكشف أبعادًا جديدة لدور الشيخ محسن وقبيلته، ويسهم هذا المنهج في تجاوز التصور التقليدي للسلطة القبلية بوصفها بنية جامدة، ويبرزها كفاعل ديناميكي يتشكل ضمن ظروف تاريخية متغيرة .. كما تشكل الترجمة إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجالي التاريخ والعلوم السياسية، إذ تتيح للقارئ والباحث فهمًا أعمق لديناميات القوة والسلطة في المجتمع العُماني قبل عصر النفط، وتدعو إلى إعادة الاعتبار للوثائق المحلية كمصادر أساسية لقراءة الماضي قراءة علمية نقدية.


وقال الدكتور خير الدين عبد الهادي، رئيس شعبة اللغة الألمانية في جامعة نزوى: ترجمة هذا النوع من الدراسات التاريخية تفرض على المترجم تحديًا مركّبًا؛ لأن النص الألماني نفسه يتعامل مع مفاهيم اجتماعية وقبلية عُمانية نشأت في سياق تاريخي محلي لا يقابله دائمًا مصطلح مباشر في اللغات الأوروبية، وقد اعتمدت الباحثة في دراستها على نقل هذه المفاهيم إلى الألمانية عبر مقاربات تفسيرية، مثل مفاهيم السلطة القبلية، والتحالفات، والوساطة، ونظم التوازن بين القبائل، كما حرصت المؤلفة على نقل المصطلحات القبلية والسياسية والدينية العُمانية نقلاً صوتيًا مباشرًا مثل: 'تحالف الشف'، 'دار القبيلة'، 'الفلج'، 'زكاة' وغيرها، ما سهّل على المترجم إعادة عملية نقلها إلى العربية دون فقدان المعنى الأصلي، وعند إعادة النص إلى العربية كان التحدي مزدوجًا، فمن جهة يجب احترام التحليل المفاهيمي الذي صاغته الباحثة بالألمانية، ومن جهة أخرى إعادة المصطلح إلى جذوره الاجتماعية في البيئة العُمانية.

ولذلك اعتمدت منهجًا ترجمياً يقوم على ثلاثة مستويات، منها أولاً، العودة إلى المصطلح العربي التاريخي الأصلي عندما يكون معروفًا في الوثائق، وثانيًا، استخدام المقابل العربي الأقرب دلالةً في الدراسات التاريخية العُمانية، وثالثًا، توضيح بعض المفاهيم في الحواشي عندما يكون المصطلح الألماني قد اكتسب معنى تحليليًا خاصًا في النص الأكاديمي، وبهذا المعنى لم تكن الترجمة مجرد نقل لغوي، بل كانت أيضًا إعادة تأصيل مفاهيمي للمصطلحات داخل سياقها التاريخي العُماني.


وبين أن أرشيف 'بيت الصفاة' يعد من أهم المصادر المحلية التي تكشف البنية الاجتماعية والسياسية في عُمان خلال القرن التاسع عشر، والوثائق الموجودة فيه مكتوبة بلغة عربية تاريخية تجمع بين الأسلوب الإداري التقليدي واللغة المتداولة في المراسلات القبلية آنذاك، وفي الترجمة حرصت على التمييز بين مستويين لغويين، لغة التحليل الأكاديمي التي كتبت بها الباحثة، وهي لغة علمية حديثة تتبع تقاليد البحث التاريخي في الجامعات الألمانية، وأيضاً لغة الوثيقة التاريخية التي تعكس روح العصر وأسلوب الكتابة في القرن التاسع عشر، وقد أفردت المؤلفة قسماً خاصاً عن اللغة العربية في عُمان، وأسمتها 'اللغة العربية الوسطى'، وبينت خصائص هذه اللغة الإملائية والنحوية، وبذلك فتحت آفاقًا لبحث لغوي مستقبلي ينظر إلى هذه اللغة بوصفها مرحلة تطورية من مراحل اللغة العربية .. كما أشارت المؤلفة إلى ملاحظة بالغة الأهمية، مفادها أن لا تقتصر مساهمة الأقليات الدينية، كالمسيحية واليهودية، في بلورة ما يُعرف باللغة العربية الوسطى، كما يُشاع في الدراسات الشرقية الأوروبية، بل يشترك في ذلك أيضًا المجتمع اللغوي العام، ما يعكس بعدًا أوسع للتطور اللغوي في عُمان خلال تلك الفترة، ولهذا حاولت الحفاظ على نبرة اللغة الأصلية للوثائق عند نقلها، مع تبسيط ما قد يكون غامضًا للقارئ المعاصر، دون أن أفقدها طابعها التاريخي واللغوي، مما يتيح للقارئ العربي تجربة قراءة قريبة من روح القرن التاسع عشر، مع الاستفادة من التحليل الأكاديمي المعاصر للباحثة .. مضيفاً: في الدراسات التاريخية المقارنة قد تظهر أحيانًا مفاهيم تحليلية صاغها الباحث الغربي ضمن إطار نظري معين، مثل مفاهيم 'البنية القبلية' أو 'توازن القوى بين القبائل'، وهذه المفاهيم حين تُترجم حرفيًا قد تُفهم أحيانًا خارج سياقها التحليلي، أو تثير لبسًا لدى القارئ المحلي، لذلك حرصت على أن تكون الترجمة تفسيرية بقدر ما هي لغوية؛ أي أنني لم ألتزم بالترجمة الحرفية إذا كان من الممكن أن تولّد التباسًا، كما حرصت كل الحرص على تجنب ما يمكن أن يثير بعض الحساسيات الاجتماعية، وخاصة عند النظر إلى سلم العلاقات الاجتماعية التي كانت قائمة في تلك الفترة، فقمت بصياغة العبارات بطريقة لا تثير مثل هذه الحساسيات في الوقت الحاضر، مثل علاقات التبعية والولاة التي ربما كانت شائعة آنذاك واختفت في الوقت الحالي.


لافتاً إلى أن مثل هذه الدراسات التاريخية يجب أن تُفهم ضمن سياقها التاريخي الخاص، وليس من منظورنا الاجتماعي الحالي، كما استخدمت المصطلحات والملاحظات التوضيحية في الحواشي لضبط الدلالة، بما يضمن وصول الفكرة الأصلية للباحثة دون إساءة للفهم أو تحريف للمعنى التاريخي.


وذكر أن أهمية هذا الكتاب تكمن في أنه يقدم قراءة تحليلية جديدة لتاريخ عُمان في القرن التاسع عشر اعتمادًا على الوثائق المحلية نفسها، وليس فقط على الروايات التاريخية الرسمية اللاحقة، فالدراسة تجمع بين منهج نقد الوثائق التاريخية الذي تتميز به المدرسة الألمانية وبين مصادر عُمانية أصلية مثل الرسائل القبلية والمكاتبات السياسية، وبذلك يضيف الكتاب بعدين مهمين إلى المكتبة التاريخية العُمانية يكمن الأول في إعادة قراءة الأحداث من داخل الوثيقة اليومية وليس فقط من خلال السرد التاريخي العام، والثاني هو تحليل البنية الاجتماعية للسلطة القبلية، وكيف كانت القبائل والتحالفات والوساطات تشكل نظامًا سياسيًا عمليًا لإدارة الصراع والحفاظ على التوازن، وهذه الزاوية التحليلية نادرًا ما تناولتها الدراسات التقليدية بنفس العمق.


وتطرق إلى أن أبرز ما يميز البحث التاريخي في الدراسات الشرقية هو ما يُعرف بالنقد التاريخي للمصادر، أي التعامل مع الوثيقة ليس فقط بوصفها نصًا ينقل معلومات، بل بوصفها حدثًا تاريخيًا بحد ذاته، وهذا يعني تحليلا من كتب الوثيقة، ولأي غرض، وفي أي سياق سياسي واجتماعي، وقد ظهر هذا المنهج بوضوح في عمل الباحثة، حيث قامت بمقارنة الوثائق بعضها ببعض، وربطها بالأحداث السياسية والقبلية في الفترة نفسها، ثم بناء تفسير تاريخي قائم على هذا التحليل، ويمكن للباحث العُماني أن يستفيد من هذا المنهج عبر ثلاثة أمور أساسية تكمن في توسيع الاعتماد على الوثائق المحلية الأصلية، وتحليل سياق إنتاج الوثيقة وليس الاكتفاء بمضمونها، والربط بين التاريخ السياسي والتاريخ الاجتماعي للقبائل والمجتمعات المحلية.


وأوضح أن الوثائق التي تناولتها الدراسة تكشف عددًا من الجوانب المهمة التي قد تفاجئ القارئ المعاصر، منها أن السلطة في عُمان خلال القرن التاسع عشر لم تكن تقوم فقط على الحكم المركزي، بل على شبكة معقدة من العلاقات القبلية والتحالفات والوساطات التي ساهمت في حفظ التوازن السياسي، كما تظهر الوثائق أن كثيرًا من النزاعات القبلية لم تكن مجرد صراعات مسلحة، بل كانت تُدار أيضًا عبر المراسلات والوساطات والاتفاقات، وهو ما يكشف عن وجود ثقافة سياسية محلية قائمة على التفاوض وإدارة النزاع، إضافة إلى ذلك تقدم الوثائق صورة دقيقة للحياة السياسية اليومية، مثل دور الوسطاء، وطبيعة التحالفات، وأشكال التواصل بين الزعامات القبلية والسلطة السياسية، وهذه التفاصيل غالبًا لا تظهر في السرديات التاريخية
العامة، لكنها تصبح واضحة جدًا عند
قراءة الوثائق الأصلية.