العرب والعالم

رغم القصف وخطر الحصار الخانق.. سكان مدينة "صور" الجنوبية يرفضون الرحيل

ريبورتاج

 

صور'أ.ف.ب': يتمسّك خليل بالبقاء في صور في جنوب لبنان مع عائلته، على غرار بضعة آلاف آخرين، متحدّين القصف الإسرائيلي على المدينة والتهديد بغزو وشيك ومخاوف من نقص الإمدادات بعدما باتت المدينة الساحلية شبه معزولة عن بقية أجزاء البلاد.
ويقول خليل الذي لا يفصح عن اسم عائلته ويحتمي مع زوجته وطفلهما البالغ عامين في مسرح بالبلدة القديمة بعدما فرّوا من منزلهم الذي تعرّض للقصف 'لا نريد أن نترك أرضنا... روحنا معلّقة هنا، في مدينتنا وأرضنا، لن نتخلّى عنها'.


ويضيف 'إذا أرادوا أخذنا من هنا، فليأخدونا بالقوة. لن نسلّم أنفسنا'.
ولا يزال نحو 20 ألف شخص، من بينهم نحو 15 ألف نازح من القرى المجاورة، يعيشون في صور على الرغم من أوامر الإخلاء الاسرائيلية التي أرغمت عشرات الآلاف على التوجّه شمالا. وهم يتجمّعون في مدارس وفي حيّ ذي غالبية مسيحية ما زال بمنأى عن الضربات.


إلا أن كثرا يتساءلون إلى متى يمكن الصمود في المدينة المشهورة بشواطئها الرملية وآثارها العريقة.
على الرغم من أن هؤلاء السكان يقولون إنهم باتوا معتادين على الضربات منذ الثاني من مارس، تاريخ اندلاه المواجهة الجديدة بين حزب الله وإسرائيل، إلا أن عشرات الانفجارات العنيفة التي سمعها أيضا فريق وكالة فرانس برس الثلاثاء في وسط صور ومحيطها، أثارت الهلع بينهم. وأعلنت وزارة الصحة إصابة 24 شخصا بجروح في غارة استهدفت قلب المدينة.


في سماء المدينة، تحليق متواصل للمقاتلات الحربية والمسيّرات حتى بعد حلول الليل.
عند مداخل المدينة والمستديرات، أو على دراجات نارية في الشوارع الخالية، يمكن التعرّف على عناصر حزب الله من خلال لباسهم الأسود، وقد انتشروا بكثافة في كل مكان. ومع كلّ إنذار إسرائيلي بضربات قادمة، يطلقون النار من اسلحتهم الرشاشة لتحذير المدنيين من خطر وشيك.


- 'لا أريد أن أنزح إلى مكان جديد-
لا يغادر مصطفى ابراهيم السيد (50 عاما) حرم المدرسة التي لجأ إليها مع زوجتيه وأطفالهما الأحد عشر.
وهي ليست المرة الأولى التي ينزح فيها مع عائلته إلى المكان نفسه، فالعائلة المتحدرة من قرية حدودية، فرّت أيضا خلال الحرب السابقة في العام 2024.
على الرغم من تهديد الغزو البري، يقول مصطفى 'لا أريد أن أنزح إلى مكان جديد... لا أريد الذهاب إلى منطقة لا يعرف أولادي أحدا فيها'.


وأعلن الجيش الاسرائيلي امس الاول أنه يعتزم السيطرة على 'منطقة أمنية' في جنوب لبنان تمتد حتى نهر الليطاني، أي بعمق 30 كيلومترا داخل الأراضي اللبنانية.
ويقول السيد 'طبعا، كل إنسان يخاف على بيته وأرضه... إلى أين نذهب وماذا نفعل؟'.
ويضيف الرجل أنه منذ عام 1978، تاريخ أول اجتياح اسرائيلي لجنوب لبنان، 'نزحت خمس مرات من قريتي...كل حياتي قضيتها بالنزوح'.


وقال عدد من المسؤولين في البلدية وعمليات الإغاثة لوكالة فرانس برس إنهم تلقّوا اتصالات من عسكريين إسرائيليين يطالبونهم بإخلاء السكان.
ويؤكد رئيس وحدة إدارة الكوارث في صور مرتضى مهنا الذي يقضي وقته بمساعدة النازحين 'أنتم تقومون بعملكم، وأنا أقوم بعملي!'.
ويضيف 'نصحنا الناس بالمغادرة، وشرحنا لهم أننا نستطيع تأمين حافلات تقلّهم برفقة الجيش، لكنهم رفضوا'.


أما هو، فيؤكد أنه لن يبارح مكانه طالما أن هناك مدنيين بحاجة إليه. ويقول 'سأكون آخر من يغادر هذا المكان'.


- لم يبقَ سوى جسر واحد -
يوما بعد يوم، تزداد مدينة صور عزلة، لا سيما بعدما قصف الطيران الجسور الرئيسية على نهر الليطاني في خطوة قال إنها تمنع حزب الله من التزوّد بالعتاد. ولم يبقَ سوى جسر واحد يربط صور بالعاصمة بيروت، عبر الطريق الساحلي القديم.
ويحذّر نائب رئيس بلدية صور علوان شرف الدين من أنه 'إذا تمّ استهداف هذا الجسر، فنحن قادمون على كارثة إنسانية، لأنه سيكون هناك حصار، ولن تتمكن قوافل الإمدادات الغذائية من الوصول إلى صور'.
ويضيف 'مخزوننا بدأ ينفذ'، مشيرا إلى أن هناك حاجات ملحة باتت تلزم المدينة: من الغذاء ومستلزمات النظافة وكذلك الوقود لتشغيل المولدات التي توفّر جزءا كبيرا من الكهرباء'.


وتنام ندى أبو ساري (82 عاما) على فراش على الأرض داخل قاعة دراسية ذات جدران بيضاء باهتة، وتؤكد أنها تبقى هنا لانعدام الخيارات.
وتضيف المرأة التي تحمل في يدها علب أدوية فارغة 'أنا مريضة... ولا أملك ثمن دواء ولا ثمن طعام'، متابعة وهي تبكي بحرقة 'لا ننام الليل، كلما سمعنا ضربة نستيقظ، نموت مئة مرة كل يوم'.
منذ أكثر من سنتين، لم تر المرأة منزلها في الضهيرة، وهي قرية لبنانية تقع على الحدود مع إسرائيل وسويّت تماما بالأرض.


وتقول 'لم تبق لدينا بيوت، ولا أرض ولا كروم، دمار خراب في كل مكان...أولادي كلٌّ منهم في مكان ولا أعرف عنهم شيئا'.
ثم تسأل 'أهذه حياة؟ أحيانا أفكّر برمي نفسي في البحر وأرتاح'.