أفكار وآراء

الحرب الأخيرة وإشكالية التحليل السياسي في البيت الخليجي

المتأمل في وسائل التواصل الاجتماعي العربي بشكل عام، والخليجي بشكل خاص، كانت مرئية أم مسموعة أم مكتوبة، لا يتوقف أحيانًا عند وسائل التّواصل الاجتماعيّ، بل يمتد إلى الصحافة وبعض القنوات الإعلامية، ومنها الرسميّة؛ المتأمل في هذا، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة (الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية) يجد الغثّ غالبا في العديد من التّحليلات السّياسيّة. وهنا نمايز بين الجانب الرّأسيّ المعرفيّ وبين الجانب الأفقيّ العام والغالب بشكل طبيعيّ، وهي أن يعبّر الإنسان بطبيعته، ومن موقعه عن أيّ رأي أو حدث في الساحة، كلّ حسب موقعه ومنطلقه الفكري والثقافي والدّيني، فأن تجد في هذا الغثّ والسّمين، العميق والهزيل، الجدّي والمضحك حالة طبيعيّة أفقيًا، وإن كانت مهمّة أمنيّا واجتماعيّا ومعرفيّا، أي تقيس مقدار الوعي الأفقي والجمعي في أيّ مجتمع كان، والجانب الولائيّ فيه. هذه الحالة ينبغي أن يتدافع معها طبيعيّا، ولا يتعامل معها بتلك الحدّة الموصلة إلى الإقصاء بسبب رأيّ أو تغريدة هنا وهناك لا تتجاوز القول إلى الفعل، ولا تؤدّي إلى حدوث خلل في المجتمع.

الإشكاليّة في سياسات دول الخليج العربيّ طيلة العقود السّابقة أنها يغلب عليها الحساسيّة الأبويّة والأمنيّة تجاه المراكز والبحوث السياسيّة المستقلة. وكانت الكويت أكثر تقدمًا من غيرها، بيد أنّها تراجعت كمثيلاتها، وما حدث في دول أخرى لاحقة غلب عليها الجانب العربي منه الاهتمام بصناعة عقول خليجيّة من أبنائها الإشكاليّة هذه ناتجة كما أسلفت في أكثر من مقالة عن عدم وجود مراكز بحثيّة مستقلّة تعنى بالبحث المعرفيّ العميق، خصوصًا في الدّراسات السّياسيّة والمجتمعيّة، وإن وجدت فهي مراكز مسيسة تعنى بالوضع الآني حسب مصلحة السّياسة القطريّة، وليس نتيجة لاستقلاليّة البحث العلمي؛ فوجود مراكز بحثيّة مستقلّة لها آراء ونتائج قد تختلف مع الرؤية السياسية الرسمية ليست حالة سلبية، بل حالة إيجابيّة تخلق وعيًا في الرّؤى السياسية والأمنيّة ذاتها، ويحتاج إليها ـ وقت الأزمات ـ بعيدًا عن هذه الاجتهادات الفرديّة غير العميقة، أو الانطباعات المتناقضة عند العديد من المحلّلين، ومن هؤلاء من لا تجد لديه أيّ نتاج بحثي وعلمي، ومقالات محكّمة عميقة، لكنه يصبح نتيجة الرّضا السّياسي أو الأمني من كبار المحلّلين السّياسيّين بينما يهمّش آخرون وإن كانوا أكثر نتاجًا ووعيًا لاستقلاليّتهم المعرفيّة والبحثيّة.

ومن زاوية أخرى لابدّ من التّمييز بين العمل السّياسي وبين التّحليل السّياسي؛ فالّذي عمل في السّلك السّياسي لا يعني أنّه محلّل سياسي عميق. قد يملك من الخبرة العمليّة بحكم موقعه العملي، ويطلع على ملفات مختلفة؛ فهو يقرأ الواقع من مساحة معينة يلقي لها اعتبارا خصوصًا إذا كان في موقعه العملي بينما الباحث والمحلّل السّياسيّ معرفيّا وعلميّا واستراتيجيّا يقرأ الموضوع من دائرة أكثر انفتاحا؛ فبمقدار عمقه المعرفيّ هو مطلع على الخارج معرفيّا، ولديه من الدّراسات العلميّة والبحثيّة ما يجعله مدركا للتّحليل السّياسيّ العميق، وهذا لا ينتج عادة عن خبرة عمليّة أكاديميّة أو إدارية ودبلوماسيّة، وإنّما ينتج عن مراكز بحثيّة تنتج أبحاثا لها رؤيتها المستقلّة، ومقاييسها العلميّة والمنهجيّة؛ حينها يمكن للبيت الخليجيّ أن يصنع رموزا تحليليّة بحثيّة مستقلّة لها اعتبارها وقيمتها في الرّخاء قبل الأزمات.

ما نراه اليوم من إشكاليّات في التّحليل السّياسي في البيت الخليجي يكشف عن أزمة معرفيّة في قراءة الواقع، وأهم أسبابه ثلاثة في نظري؛ الأمر الأول: اتّجاه السّياسات الخليجيّة في الجملة إلى صناعة رموز شعبويّة أفقيّة، منها صناعة رموز ناتجة عن مراكز بحثيّة مستقلّة؛ لهذا نجد شخوصا بأسماء ظاهرة، أو نتيجة أسماء وهميّة غير ظاهرة حسب سياقات إعلام الظّهور، تظهر فترة ما لتبرير مرحلة معينة وفق الاتّجاهات السّياسية والأمنيّة، ثمّ تختفي وتظهر غيرها في مرحلة أخرى، كثيرا ما تكون قراءاتها شعبوية حسب الاتّجاه السّياسي الموجه للرّأي العام الّذي عادة ما يقود البيت الخليجي إلى خلق مناكفات وصراعات لا قيمة لها وقت الأزمات، ويكون لهذه القراءة الشعبويّة الحضور الإعلاميّ أكثر من غيرها؛ ولهذا لا نجد تلك القراءات العميقة حاضرة؛ لأنّ الأخيرة لا تقرأ المرحلة آنيّا من البعد المصالحيّ، بل تقرآها آنيّا من البعد المعرفيّ العميق، وإن وجد اختلاف فهو اختلاف معرفيّ منهجيّ يؤدّي إلى التّكامل بما يخدم البيت الخليجيّ ككل على المدى البعيد.

الأمر الثّاني يتمثل في التّناقض الإعلامي والقانوني؛ حيث يغلب عليهما محاولة تقنين البعد الأفقي وفق أبويّة سياسات دول الخليج ذاتها في حين يضعف تسهيل مساحة وجود مراكز بحثيّة واستراتيجيّة مستقلّة، ولا أقصد من استقلالها أن تتحول إلى حركات سياسيّة مناهضة، بل تقدّم رؤى علميّة ومعرفيّة وبحثيّة جادّة تنتج رموزا يستطيعون قراءة الواقع حسب تخصّصهم بعمق -، ولا يقتصر عند البعد الأكاديميّ أو الإداريّ فحسب، بل يكون له استقلاليّته وسعة دائرة حريّة نتاجه. ووجود قراءات مستقلّة بعيدا عن أيّ إملاءات أو أدلجة مسبقة يعطي قوة للدّولة المركزيّة ذاتها أمنيّا وسياسيّا ومعرفيّا وإعلاميّا بينما البعد الأفقي حالة طبيعيّة، وتمدّد تأثيرها السّلبي ناتج عن غياب البعد الرّأسيّ الّذي يصنع الوعي الأفقي ذاته عن عمق. لهذا سياسات دول الخليج عموما إعلاميّا وقانونيّا ما زالت تراوح نفسها في الجانب الأفقي غير قادرة عن الخروج عنه، وتتعامل معه بحدّية اللّونين الأبيض والأسود، وهذا يصعب تحقّقه أفقيّا لغلبة اللّون الرّمادي بينهما.

الأمر الثّالث وهو الاتكاء الأكبر في التّعامل مع الأحداث الآنية مع تيارات شعبويّة إعلاميّة ودينيّة وثقافيّة ومجتمعيّة ما يجعل المجتمع على صورة متحدة ظاهريّا، لكن في وقت الأزمات سرعان ما ينكشف الخلل، وحينها تتجه السّلطة إلى استخدام أداة القانون والنّذير أكثر من استخدام التّعقل والتّحبّب، وهذا وإن كان طبيعيّا وقت الأزمات، إلّا أنّه ينبغي أن ننفتح على صناعة وعي حقيقيّ لا يتحقّق إلّا عندما يغلب في المجتمع البعد المعرفيّ القائم على حريّة البحث والمعرفة، وصناعة عقول معرفيّة لا تتوقف عند البرجماتيّة الفرديّة، بل تؤمن بالمعرفة كمعرفة، وتتدافع معها، وإلّا غلبت علينا القراءات الشّعبويّة، والبيانات العاطفيّة وغير المتعقّلة.