أعمدة

أكتب أم أستقيل ؟

لا أعرف ما الذي ينبغي عليّ فعله الآن. هل أستمر في متابعة الأخبار؟ ولأنها ليست موثوقة يسرقني الوقت في تتبع مصادر مختلفة وفهم التباينات فيما بينها؛ لكي أصل لحقيقة ما يحدث. وحتى عندما يتحقق ذلك لا أكون واثقة من أنها ما يحدث فعلا.

هل أقفل كل الوسائط التي تتدفق منها الأخبار؟ لا أظن بأن ذلك أخلاقي على الإطلاق، كتبتُ كثيرا عن هذا فيما مضى. لا أظن أن صحتي النفسية منفصلة عما يحدث وفي عزلها هكذا، يقع عليّ استبداد ذلك الذي أدّعي انفصاله. بينما يعمل على تحييد فاعليتي السياسية. ثم وببساطة شديدة كيف ستكون صحتي النفسية عندما تُقطع عني الكهرباء مثلا، في قيظ مسقط أو الكويت أو الرياض بسبب استهداف مصادر الطاقة في هذه الحرب. لا أسمّي هذا سذاجة بعد الآن بل «خبلا».

حسنا إذا كنتُ متورطة بما يحدث شخصيّا، ما حدود هذا التورط؟ هنالك نقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي أعرف أنها تسرقنا مما يحدث فعلا لتُشغلنا بمشاكل هامشية تستنزفنا. مع ذلك أستدرك هذا بالتفكير أن لا شيء هامشي أبدا في هذا الموقف. أفكرُ أن النقاشات الجانبية هي بحد ذاتها ومن موقعها والظروف التي

أُنتجت فيها، تستطيع أن تعكس بنى الفضاء السياسي العام المعقد. إنها تمظهر له، فحتى في نقد عدم أهميتها الآن، يمكن أن نسأل ما الذي جعلنا نستدعيها الآن إذن؟ هذا مهم بلا شك.

في الحقيقة أظن بأن النظر لهذه النقاشات بتحفظ، هو امتداد لتقاليد ارتكاسية في التعامل مع القضايا الكبرى في بلداننا العربية، وهي في الوقت ذاته تمظهر لحالة الإحباط والهزيمة. المقلق في الأمر أن ينحاز الكتّاب والمفكرون أنفسهم لفكرة عدم الانخراط، مناقضين بذلك ما يُتوقع وظيفيّا منهم.

إن عدم التفكير في هذه الهزيمة كخسارة للشعوب العربية في طريقها للمشاركة في الحكم عبر المجالس الشعبية، والاستبداد يجعل الأمر أكثر تعقيدا. ما أعنيه أن البدهي والمسلَّم به أن يكون هنالك هذا الموقف المهزوم والمحبط، لكن ألا ينبغي أن تقاوم النخب والمثقفين في مواجهة هذه التقاليد عبر رفض نتائجها؟ ألا

يُفترض أنهم أنقذوا أنفسهم مما عملت هذه الأنظمة عليه لجعلهم تحت مظلتها. ثم أن أوطانهم أيضا بحاجة لهم حتى في الدفاع عنها. فأنا لا أشير بالضرورة لاتخاذ موقف بعينه، بل ضرورة اختيار موقف ما ودراسته.

ثمة كارثة أيضا في أن ينطوي هذا على عدم إيمان الكاتب بالكلمة. عدم تخيل قدرتها على أن تفعل شيئا، إذن ما الذي يفعله الكاتب كل هذا الوقت؟ إن أيّا مما سيقوله ليس إلا نقاشا جانبيّا في عالم كبير، واسع جدّا وسكانه بالمليارات. مليارات مقموعة ومراقبة بتطرف من أقلية صغيرة حاكمة. إلا أن النقاش في هذه المسألة، يطرح فكرة: شكل المشاركة إذن في هذه الحالة. فهل ينبغي عليّ أن أكتب رواية، أم أن أرد على منشور في إكس (تويتر سابقا)؟ الرواية وإن كانت عملا جماليّا في الظاهر إلا أنها عمل سياسي يتحدى وجها من وجوه السلطة في هذا العالم، وهو يخلخل الواقع الحالي بكل شروطه التي أنتجت الحرب مثلا؟

أما الثانية فهي تدافع للأفكار في أحسن الأحوال، أو إيهام بأن الواقع ليس إلا ما يطرح على إكس. المثير هنا: كم عدد المشتركين في إكس من مجمل الخليجيين مثلا؟ سيقال ببساطة: الواقع ليس في إكس.

ما أعتقده حقا أننا فقدنا البوصلة أمام هذه الأسئلة التي وضعتنا في موقف نمتلك فيه رفاه الاختيار بينهما. في الوقت الذي ينبغي فيه أن ننظم أنفسنا، وأن نثور على الشروط الحالية كلها عبر انخراط فيزيائي إن تطلب الأمر ذلك. كِلاهما -أي الموقفين- مع نسبيتيهما سيئان في هذه اللحظة. كلاهما وإن ادّعيا تضادهما إلا أنهما وليدان للشرط التاريخي الحالي وخضوع مطلق له.

ولنأخذ هذا المثال، تمكن مدوّن واحد في إكس من إثارة الرأي العربي لا عبر إكس فحسب؛ إذ إن مقالات نُشرت في الصحافة العربية للرد عليه. عرض المدوّن فكرته حول موقف المصريين أو العرب عموما مما يحدث للخليج. هنالك ادعاء بأنهم شامتون! طبعا علينا طيلة الوقت ألا ننسى أن هذه الشماتة عكسها إكس وحده مثلا -إن صدقنا ذلك- كم عدد المصريين على إكس يا ترى؟ لا أحاول نزع فاعلية هذه المنصة في إنتاج الواقع، لكن ما يهمني هو أهمية هذا النقاش الآن؟

في الوقت الذي تُقصف فيها مدننا ويستشهد فيها إخوتنا، هل أفكر في من يشمتون فيّ؟ ماذا عن إزاحة النظر قليلا ومواجهة أسئلة جوهرية: من الذي يقصفنا؟ لماذا يقصفنا؟ من بدأ هذه الحرب؟ لماذا توجد قواعد عسكرية على أراضينا؟ لماذا لا يوجد أي قدر من الشفافية في مشاركة الشعوب اتخاذ قواعد عسكرية على أراضيها؟ سرطان إسرائيل هل سيتوقف هنا؟ التهجير العنيف والإرهابي للبنانيين في جنوب لبنان والذي يزيد عددهم على المليون، هل ستستقر كتائب عسكرية على الأرض ولن يتمكنوا من العودة لبيوتهم أبدا كما حدث في فلسطين؟ لماذا جاءت تعليمات الأمريكيين والإسرائيليين بداية هذا الأسبوع بعدم استهداف القرى المسيحية في الجنوب؟ ما الذي يحدث في غزة بينما تُشغلنا حرب جديدة من الاحتلال في مكان آخر؟ ما الذي يعنيه توقف إمدادات النفط والغاز على حياتي اليومية هنا؟ ما الاستراتيجيات التي تنفذها إيران في مسألة حكمها وصمودها أمام العدو الأمريكي الإسرائيلي؟ هل إدانتي لهما يعني فرحي بقصف إيران حقل غاز هنا؟

ماذا سيحدث لو حدث تلوث بيئي مباشر في الأيام القادمة جراء الحرب أو استخدام أسلحة نووية؟ لماذا لا يوجد لدينا ملاجئ؟ لماذا تدفع بلداننا الملايين للتسليح العسكري ولا تستطيع الدفاع عن نفسها أو حتى محاولة ذلك؟ لماذا انتهت الحلول الدبلوماسية؟ ما علاقة أصحاب رؤوس الأموال بما يحدث؟ كيف سيستفيدون مما يحدث -كعادتهم فلنتأمل كورونا مثلا- كيف نستطيع مقاومة هذا كله؟ عوضا عن ذلك: الخليجي لا يحب المصري. الخليجي يحب المصري، المصري يحب الخليجي، المصري يكره الخليجي... إلخ. وإسرائيل تسرح وتمرح هنا على أجسادنا وتاريخنا كله.