أعمدة

دول المجلس وتحديات التنمية

تشهد دول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الراهن عددا من التحديات الاقتصادية نتيجة للتصعيد الذي تشهده المنطقة خاصة مع استهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية، وإذا كانت الدول الخليجية قد استطاعت على مدى العقود الماضية تحقيق تقدم في العديد من القطاعات الاقتصادية حتى أصبحت وجهة استثمارية رائدة وموطنا مفضلا للعيش والإقامة والعمل والسياحة فإن هناك العديد من التساؤلات حول أولويات الإنفاق خلال المرحلة المقبلة: هل ستستمر دول المجلس على نهجها في التنمية الاقتصادية والإنفاق على التعليم والصحة والبنى الأساسية؟ أو أنها ستتجه إلى زيادة الإنفاق العسكري ورفع ميزانيات الدفاع في ظل أوضاع شديدة الحساسية وتقلب أسعار النفط؟ أدركت دول المجلس منذ اكتشاف النفط فيها وتصديرها عبر موانئها الحاجة إلى نشر مظلة التنمية وتوجيه الفوائض النفطية لبناء المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والجامعات وشق الطرق وبناء محطات الكهرباء وتحلية المياه وتحقيق تنمية عمرانية وإسكانية غير مسبوقة،

كما ركزت على بناء المواهب المحلية وتوفير فرص العمل للمواطنين وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية وتعزيز قدرات وإمكانيات القطاع الخاص، وبشكل عام اتسمت تلك الفترة بارتفاع الإنفاق على التنمية بشكل عام على الرغم من وجود إنفاق دفاعي لمواجهة أي تهديدات محتملة،

غير أن ما شهدته المنطقة من تغيرات منذ مطلع الألفية أو قبلها بقليل أظهر أهمية المحافظة على التنمية المحققة والدفاع عن مكتسبات العقود الماضية، واليوم ومع التطورات التي تشهدها المنطقة واستهداف البنى الأساسية بدول المجلس وارتفاع تكاليف الدفاع في ظل التطورات التكنولوجية المتلاحقة فإن كثيرا من المتابعين للشأن الخليجي يخشون أن تتجه هذه الدول إلى زيادة الإنفاق الدفاعي على حساب الإنفاق على التنمية، وقد أشرنا في مقالنا قبل أسبوعين «الاقتصاد والسلام والتنمية» إلى أهمية تعزيز السلام في المنطقة والعودة إلى الحوار والتعايش السلمي وبناء العلاقات الدولية وفقا لاقتصاد السلام فهو الخيار الذي يتيح للشعوب أن تعيش في أمن ورخاء وهو الذي من شأنه المحافظة على مكتسبات التنمية التي تم تحقيقها خلال العقود الماضية.

يعكس حجم الإنفاق المرتفع لدول المجلس على التعليم والصحة اللذين يشكلان 50% أو أكثر من الموازنات العامة رغبة الدول الخليجية في أن تعود مكتسبات النفط بالخير على شعوب المنطقة، في الوقت الذي تظل فيه مستويات الإنفاق على الأمن والدفاع عند مستويات لا تتجاوز 20% إلى 25% على الرغم من الارتفاع الذي شهدته في السنوات الأخيرة وهو ما يشير إلى أن الدول الخليجية تركز على التنمية وليس على الإنفاق العسكري في ظل رغبتها في أن تكون المنطقة هادئة وخالية من التوترات، وإذا كانت الأوضاع الحالية بالمنطقة تشكل تحديا رئيسيا للتنمية فإننا نتطلع إلى أن تتمكن دول المجلس من تجاوز هذا التحدي،

فالتنمية هي أساس نهضة الشعوب وهي الفلسفة التي بنت دول المجلس استراتيجياتها عليها، وفي حقيقة الأمر فإن صيانة السلام وتعزيز الاستقرار في المنطقة وسيادة الدول على أراضيها أمر بالغ الأهمية ويتيح مجالات أكبر للنمو الاقتصادي وتحقيق أهداف الشعوب في الأمن والأمان والتنمية والرخاء.