عمان الثقافي

الحُبّ والكتابة وجهان لعملة التجدّد والتعدّدnقراءة في « كما البحر يمحو» لعبدّالله حبيب

 

جاسم جميل الطارشي

تشتبك موضوعة الحب بسؤال الكتابة اشتباكا واضحا يبرز بعض أسرار هذا الاشتباك ما ينطويان عليه (أي الحب والكتابة) من مكابدة ومعاناة، ورغبة في التجدّد والحركة تكاد تسم أغلب خطابات الحب ومدوناته الأصيلة التي تجسد نزعة الانفصال والتوق إلى تمزيق حجاب السكون، حيث أي شوق يسكن بالوصال لا يعوّل عليه حسب عبارة الشيخ ابن عربي الشهيرة؛ فالحبّ، كما يرى الشاعر اللبناني (شوقي بزيع) في كتابه: (هجرة الكلمات، الآداب،2009)، «يتغذّى من العناصر نفسها التي يتغذّى منها الإلهام الأدبي والفني كالاندفاع والوسوسة والاشتعال والشغف. لكنّه لكل يظل مشتعلا يحتاج إلى الغياب». ليصبح هذا الغياب بدوره وقودا لإشعال نار الكتابة وإيقاد جذوة اللغة من جديد بعدما ران عليها رماد الاعتياد والابتذال.

إنّ أقنومي الاتصال والانفصال اللذان يحكمان طبيعة الحب، يتمظهران في الكتابة عبر قانونها اللساني الذي يقضي بمبدأ استحالة التطابق التام بين الدّال والمدلول، حيث اللغة تبقى عاجرة عن استيعاب التجربة الإبداعية وما يتولّد عنها من دلالة يرتاح إليها قارئ ما، هي إلا بعض احتمال وفيء ظلال لتلك التجربة التي تبقى حقيقتها في حالة إرجاء مستمر وتظل دلالاتها مشرعة على التأجيل، ننتظر ما يستجد من تأويل حسب تفكيكيّة (جاك دريدا). ليترجم جوهرُ الكتابة بذلك رغبةَ الذات العاشقة (الكاتبة) في إبقاء مسافة بينها وبين المحبوب (المكتوب). مسافة كفيلة أن تجسّر عبر الوصال والخيال حلم الذات المبدعة في أن تدخل نهر الوجود ثانية عبر فعل الحب ومآل الكتابة القرائي؛ بحيث يُبقي جذوة الشوق مشتعلة وجمرة الكتابة متقّدة.

إنّ التلازم بين الحب والكتابة وفقا للتصوّر السابق يتمظهر في تجربة عبدالله حبيب الأدبية، بل يمكن الزعم أنّه أحد مفاتيح التفاعل والتواصل مع ما تقترحه هذه التجربة من تأويل خاص للوجود، ينتصر لجوهر الكتابة عبر موضوعة الحب التي تستأثر بمعظم نتاجه الأدبي؛ ليكون الحب والكتابة وجهان لعملة تجربته الأدبية المشرعة على التجدد والاستمرار، تجدّدا تشكّل وتمرأى عبر خطاب الحب في غير كتاب من كتبه؛ حيث اللغة بحريتها وحركيتها مسكن لهوية الذات «الحبيبية» وملاذ لاغترابها، كما كشفت عنها نصوص حبّه في كتاب«كما البحر يمحو، الانتشار العربي 2017» الذي نحن بصدد قراءته، وكما هو مفرق أيضا بين دماء تجربته الكتابية كما نجد، على سبيل التمثيل لا الحصر، في هذا المقطع المعبّر من كتاب «صخرة عند المصب» مقاطع من رسائل حب، ( مسعى،2014) حيث يقول:

الاقتراب الأخرق الفظيع الذي يحدث بين كائنين؛ الاقتراب الذي يلغي المسافة؛ الاقتراب الذي يحدث حين يعرف رجل وامرأة بعضهما البعض بالكامل الاقتراب الذي يجعل كل شيء عاديا، وطبيعيا، ومألوفا؛ ذلك الاقتراب الذي أخاف يا أقرب الناس! أتراني سأصدمك حين أبوح لك أنه إذا لم يكن هناك مجال سوى لاختيار واحد منهما، فإني أفضل الاغتراب على الاقتراب؟

إنّ تفضيل الذات الكاتبة الاغتراب على الاقتراب كما نراه في هذا النص، انحياز إلى الغريب الجديد بدلا من الركون إلى الترتيب المألوف الذي يحيل بدوره إلى جوهر الكتابة ونزعتها إلى التعدد والاختلاف والمغايرة؛ لتأتلف مع جوهر الحب وطبيعته التي لا يمكن أن تُسجن في صورة واحدة. ولعلّ تكثير هذه الصورة وتوسّع أشكالها هو ما انشغلت بها نصوص تجربة «كما البحر يمحو» التي افتتحها عبدالله حبيب بنصّ قارب ماهية الحب ووفق تصوّره الخاص إذ حام حول حماه دون أن يقع فيه إمعانا في تكريس دلالات التعدّد والاختلاف التي ينطوي عليها مفهوم الحب وطبيعته وتجسيدا لمبدأ الحرية والحركة الذي تقوم عليه الكتابة.

وهذا ما تمثّل برأينا، في تشكيل هذا المفهوم طباعيا؛ إذ جاء عنوان النص الأوّل الذي يستجلي حقيقة الحب وينشد كنهه، حائرا بين التعريف والتنكير بعد فصل آل التعريف عن كلمة حب لتخرج بهذه الهيئة: (ال) حبُّ هو...، تجسيدا لدلالات التعدد والتنوع التي يجب أن تنطوي عليها طبيعة الحب وماهيته التي تتأبّى أن تحدّ في تعريف وتسجن في مفهوم واحد. وتأتي نقاط «اللاتحديد» الثلاث أو فراغات البياض تاركة مساحة المفهوم مشرعة على احتمالات مؤجلة لتأكد بدورها انفتاح الحب والكتابة على تنويعات مفهومية وتشكيلية متعدّدة.

إنّ هذا التعدّد المفهومي والتباين التشكيلي، هو ما دارت عليه المقاطع المتفرعة من عنوان النص الأوّل: الحب هو؛ إذ بلغت ثلاثون مقطعًا، حاول الكاتب من خلالها مقاربة طبيعة الحب والكشف عن تمثّلات ماهيته. وإمعانا في انفتاح هذه الماهية على احتمالات شتّى، ختم هذه المقاطع بسطر يشي بعجز الذات الكاتبة عن حدّ طبيعة الحب في مفهوم بعينه، وحصر تمثيله لغويا في شكل واحد، تأكيدا منه لمبدأ عجز اللغة عن التعبير عن كنه الحب؛ فقدر العبارة أن تضيق أمام سعة الرؤيا، حسب مقولة النفّري الشهيرة، ومستقبل الكتابة أن تظل منذورة لكشوفات مستقبلية لتمثيل الوجود والكشف عن بعض أسراره؛ فجاء السطر الأخير متوّجا ماهية الحب في فشل إدراك كنه والكشف عن طبيعته؛ ليبقى مشرعا على احتمالات تتجدد وتمثيلات تتعدّد:

الحبّ هو: ألا تحاول إكمال كتابة هذا النص.

وإذا ما تأملنّا المقاطع الثلاثين التي سبقت هذا المقطع نجدها تجسّد دلالات التعدد والانفتاح التي ينطوي عليها مفهوم الحب من جهة وتبرز دور الكتابة في إعادة تشكيل هذا المفهوم ونفي تمركزه في طبيعة واحدة لصالح التشظي والانفتاح والمغايرة. ولعلّ هذا ما جسّدته مقاربة الكاتب الثالثة لمفهوم الحب وطبيعته عندما قال:

«ألا تقرأ كتاب فنّ الحب لإيريك فروم، وأن تسخر من كلّ الذين يكتبون الحب بطريقة نظرية وليس شعرية ( بمن فيهم أنت)» عندها لن تكون طبيعة الحب إلا شخصية وحميمية تسعى كل تجربة «حِبيّة»، مثل الكتابة تماما، في إعادة اكتشاف ماهية الحب وتوسيع مفهومه دون أن تتدعي امتلاك سرّه المطلق. وهذا ما مثلّه تحديدا، المقطع السابع والعشرون من المقاطع السابقة:

«أن تعيد تعريف الحب (بينك وبين نفسك فقط) بعد كلّ مرة، وأن تكتشف ألا جدوى من ذلك. «لذلك فإنّ الحبّ» هو ناقص دوما (وسيبقى كذلك)، لأنّ الحب مشروع الكمال (الذي لن يتحقق أبدا) كما جاء في المقطع الثاني والخمسين. إنّ هذا النقصان الذي يسم طبيعة الحب كفيل بأن يوفر للذات الكاتبة فرصة اكتشاف نفسها في كل تجربة حب جديدة تعيشها؛ لأنّ الحب كما جاء في المقطع الثالث عشر، هو: «أن تعود إلى عنصرك الأوّل في كل مرة» في كل مرة تتجدد مظاهر الحب وتتوسّع تمثيلاته اللغوية. وهذا ما جسدته بقية نصوص الكتاب التي قاربت موضوعة الحب من زوايا عدّة ومن وجهة نظر ورؤية إنسانية وإبداعية خاصة جدا لن نبالغ إن قلنا إنهّا تمثل إضافة إلى مدونة الحب الكبرى وتوسيعها لمجرى نهرها المتدفق بهجة وتعاسة في الوقت ذاته. وكأنّ قدر الحب أن يُعاد اكتشاف بعض أسراره عبر الكتابة التي بدورها تعيد اختبار إمكانياتها في استيعاب الوجود وتمثيل التجربة الإنسانية الأصيلة. وقد تمثّل هذه الاستيعاب في نصوص هذا الكتاب في شكل «الشذرة» الذي انحازت إليها أغلبها، والتي عدّها الكاتب محاولة مشروعة لتوسيع شجرة الكتابة عبر هذا الشكل الذي استوحاه من مفهوم «الكادرة» في نظرية السينما كما فصّل في نص «بعيد عن العين» والذي يبدو أنه قد أصبح خيار كتابيا، أفرد له الكاتب مجموعة خاصة صدرت مؤخرا حملت عنوان «شيء واحد ينقص هذه الوحشة، شذرات تأملات نصوص» وقد سبقه كتاب آخر انحاز فيه الكاتب للشكل الكتابي نفسه، وقد حمل عنوان «كثيرة جدا هذه اليابسة».

ويمكن أن نشير في خاتمة هذه القراءة إلى أنّ نصوص هذا الكتاب قد انتهت بنص يحمل عنوانه «كما البحر يمحو» الذي يجسد قضية تلازم الحب والكتابة كما مرّ معنا، وقد جاء تنويعا آخر على إيقاع الحب المتجدد؛ فهذا العنوان مستلّ من الفقرة الأخيرة من نص وسم بالعنوان نفسه، حيث جاء فيه: «وأحبك كما يحبّ الأطفال الحصون العتيدة، والقلاع الرملية الحصينة، والخنادق الدفاعية العميقة، وأبراج المراقبة العالية التي شيّدوها برمال الشاطئ المبتلّة وسيشيدونها طوال عمر كامل من حرج، وموج، وغرق، وعواصف، وأنبياء لم يتوافروا على أقدار نوح. أحبّهم وهم يبنون مملكة عند البحر.

وأحبك كذلك كما يحبون البحر، وأحبّك كما البحر يمحو».

تربط هذه الفقرة موضوعة الحب بنموذجين يجسدان دلالة التجدّد والتعدّد: تمثّل الأول في نظرة الطفولة إلى العالم التي تحكمها البراءة والدهشة والطزاجة الطفولية ورغبة في اللّعب وإعادة تشكيل نماذج المعاني الكبيرة وهدمها من جديد، وذلك ديدن الكتابة بوصفها لعبا حرا وحركة بين ماضي الدوال ومستقبلها ، أمّا النموذج الثاني فتجسّد في فعل المحو الذي ينهض به البحر؛ حيث يقرن الشاعر أثَرُه في إزالة تفاصيل ما يُرسَم على الرمال إثْرَ تناوب حركة الموج ، بالحب والكتابة ؛ لتغدو طبيعة الحب في تجدّده وتعدّد صوره وحركته المستمرة، صنوا لأصالة الكتابة وحيوية استيعابها لأحلام الذات الكاتبة، وتوقها إلى التشكّل من جديد هربا من الرتابة والجمود؛ فكأنّ الحب باندفاعه، موجٌ يعيد صياغة الوجود برمل اللغة المنذور للتجدد تحت تأثير فعل المحو، الذي يشكّل، أي الرمل، بدوره وجه آخر للكتابة وهي تفرغ الأشياء واللغة من ذاكرتها لتحيا من جديد وهي تشع نضارة وألقا. وقد مررّ عبدالله حبيب إليّ فرضية هذا القراءة التي توصلت إليها، وأرجو أن أكون قد وفقّت في بسط وتمثّل ما انطوت عليه من إشارة قادحة، عندما وقع إهداؤه لي نسخة من هذا الكتاب قائلا: «في حالتك يا ابن البحر ينبغي القول: كما البحرُ يكتب».tttt