عمان الثقافي

عاشق على خطا سيزان.. بحث في منابع الجمال ومساراته قراءة في «أحاول» لعزت القمحاوي

أحمد سراج

«سوف تكونين كذلك يا سيدتي» قالها سيزان لامرأة لم يعجبها البورتريه الذي رسمه لها، وقالت له: «أنا لست كذلك» يذكر العلامة شاكر عبد الحميد هذا الواقعة في حديثه عن «الذات المتكلمة في اللوحات» واصفا تطور اللوحة المرسومة من المطابقة إلى المعايشة، وكي يصل سيزان إلى أعماق الشخصية ويظهرها فقد كان يُجلس الشخص أمامه مائة مرة، نحن هنا أمام مفارقة؛ كيف ترسم شخصا في مائة جلسة ثم يقول لك لست أنا؟ ما المسافة التي تفصل بين الواقع وفنه؟ هل لأن العناصر التي يصاغ منها الفن غير عناصر الواقع؟ هل لأن الفنان يعبر عن شيء يراه هو؟ أسئلة كثيرة.. تدفعنا لقراءة الكتب التي يتحدث فيها المبدعون عن أعمالهم.. ويجيء «أحاول» للسارد والصحفي عزت القمحاوي الصادر عن دار المحيط، باحثًا أكثر من كاشفًا متسائلًا أكثر منه مجيبًا عن ماهية الفن وأصول نصوصه وكيفية صوغها بطريقة فنية... والأهم: ما الكتابة؟ 

(1) 

عِناية القَمحاوي بالعتباتِ جلية تكشفُها عند قراءة العنوان والإهداء والمفتَتح والعناوين، وبدايات الفصول؛ ففي العنوان «أحاول» وهو مضارع يأخذنا إلى سيزيف في محاولته التي لا تتوقف؛ فما الذي يحاوله الكاتب؟ ولماذا لم يصل؟ وهل العنوان يدل على تواضع كاتبه الذي أثرى المكتبة الإبداعية بروايات وكتابات عابرة للنوعية؟ وهل تناص - كعادته – بذكاء مع قول الإمام علي: «إن القوم لم يجروا في حلبة تعرف الغاية عند قصبتها». 

وفي المفتتح: «كل الذين أحبوا وكتبوا يعرفون ما الكتابة: علاقة حب» يبدو التعريف رومانسيا للوهلة الأولى وهذا ما يفعله الساحر تحديدا تخدير المتلقي بأفعال (تبدو) عادية.. لكن في التفاصيل تكمن مواطن الخدع؛ فعطف (أحبوا وكتبوا) يقتضي الجمع والاقتران وهما لازمان معًا لاكتشاف اكتمال الدائرة؛ فالكتابة حب بكل ما يحمله الحب من إيحاءات وحالات واستعصاء على التعريف. 

وفي الإهداء «إلى أحمد عزت القمحاوي/ لقد ألهمني كثيرًا، حين كان طفلًا» نجد أن المهدى إليه هو ابن الكاتب الذي يصر على التسمية الثلاثية؛ ليحيلنا إلى فهم أولي بأنه إهداء (اعتيادي) لكن الحركة الثانية «لقد ألهمني كثيرًا» تنبهنا إلى جملة غير متوقعة (حين كان صغيرًا) هذه الجملة وهي بلاغيًّا جملة اعتراضية كان ترتيبها قبل سابقتها، لكن تأخيرها يعطي إيحاء بأنها (قمة الجبل) لكن هل يحتمل أن يقودنا الإهداء إلى فهم عالمَي القمحاوي النصي والحقيقي؟ 

سينبهك العنوان إلى أن فقرة من فقرات الساحر ستبدأ، خذ مثلًا: «في البدء يكون القارئ» لن تخطئ العين استدعاء افتتاحية الإنجيل: «في البدء كانت الكلمة» مع ضرورة الانتباه لتغيير زمن الفعل، ولتغيير الفاعل، ومع أن الفصل سيحمل كشفًا لمعنى العنوان فإنه سينقل دون أن تنتبه كثيرًا من سمات الكاتب التي لخصها ببراعة حين عنون كتابه (أحاول) وعلى عكس المتوقع فلن يتوقف الكاتب عند بدايته كاتبا بمحطة القراءة، بل سيجعل هذه المحطة مركزًا لتأمل ما كان وما سيكون، إنها الدائرة التي لا يفتأ القمحاوي يصنعها؛ ومعها تسقط أهمية الزمنية الحتمية، ومعها يمارس التلاعب بالزمن وبالمكان وبالأحداث، وحين يطرح أسئلته التي تقوض الثوابت ستتسع ابتسامة قارئه حين يكتشف خدع الآخرين: «معجبًا بمقدرة شاعر البرتغال فرناندو بيسوا على التخفي تحت تسعين اسمًا. وإن كنت أشك في أنه أراد أن يظل مخفيَّا مثلما أشك في نوايا كافكا عندما ترك مخطوطاته لصديقه ماكس برود ليعدمها. لو كان الكاتب صادقًا في رغبته بأن يصير عدمًا لفعلها بنفسه. لماذا لم يحرق كافكا كتاباته؟! لابد أنه كان متأكدًا من أن صديقه سينشرها، مثلما كان بيسوا متأكدًا من أن لعبته ستنكشف، وتعود نصوصه إليه». ومنها يخلص إلى كشف لعبة الخفاء/ الظهور: «أحب أن أعتبر الكتابة لعبة استغماية يلعبها الكاتب مع القارئ. ومن البديهي أن هذه اللعبة لا تصح دون خفاء، كما أنها لا تصح إذا اختفى اللاعب في مكان يستحيل على شركائه في اللعبة الوصول إليه». (2) 

كيف بنى القمحاوي مدينته؟ 

تنتبه وأنت تقرأ، إلى أنك تسير في طريق محدد خطي، ثم تكتشف بعد جملة أو اثنتين أنك في غابة دائرية كأبطال «الهوبيت» ستنظر للعنوان باعتباره أول الطريق فتكتشف أنه في مكان ما؛ ففي على ظهر النمر «نحن أمام إحالة ذكية» القريب من السلطان كراكب الأسد، الكل يخافون منه وهو أشد الناس خوفًا» فمن هذا النمر؟ إنها الصحافة ابنة المطبعة ومبشرة الحداثة وموطن العداء من الإبداع حتى دفعت كاتبًا إلى تأليف: «دفاعًا عن البلاغة» وجوهره تكملة لجملة العنوان: من الصحافة، لكن لماذا يراها الكاتب نمرًا؟ ولماذا يفتتح فصلها بهذه الأمثولة الإحالية: «حلمت بالجنة؛ فدلني رجل أحبه على طريق الجحيم» التي لا تقف عند كونها عتبة تلخيصية، بل إنها تأخذك لأحلام أفسدها محبون؟ المحب الأول هو معلم اللغة العربية الذي اكتشف موهبة الكتابة؛ فوجهه إلى الصحافة دون تفرقة بين صراع الصحافة والكتابة، أو بالأحرى دون أن ينتبه إلى التغير الذي جرى على الصحافة المصرية التي بدأت بصفحات أولى تحتلها قصائد شوقي وحافظ، ثم انتقلت إلى فرض موادها بإيقاعها اللاهث وبنيتها الصارمة وإطارها الموضوعي، وجد القمحاوي نفسه على ظهر النمر: « من حيث الأسلوب، تشبه الكتابة الصحفية السير في الطريق السريع «الأوتوستراد» حيث يجب أن تكون الفكرة واضحة وكاملة وتمضي في خط مستقيم لتصل إلى القراء جميعهم بطريقة واحدة. في أوقات الخوف تلجأ الصحافة إلى القليل من المراوغة، بينما تستلزم الكتابة الأدبية السير في الحارات الملتوية وترك أشياء دون تفسير على القارئ أن يفسرها لنفسه، وأشياء مخفية عليه أن يخلقها ليُكمل الحكاية. الوفاء لطبيعة الأدب يمنع الكاتب من قول الأشياء بطريقة مباشرة حتى لو تمتع بكامل حريته لقولها عارية ومباشرة». 

لكن النمر لا يخلو من عطايا وسيجد القمحاوي نفسه مخرجًا صحفيًّا؛ ما يجعله بمنأى عن مفرمة السرعة، وسيمنحه الدرس المؤلم الملهم: «ألا تتطابق الكتابة مع الحياة بل أن تشبهها؛ خيال، يُصدِّق القارئ أنه يمكن أن يكون واقعًا. وبدأت أكتب قصصًا لم أُطلع عليها أحدًا، بينما تواصلت كتابتي العلنية في الصحافة». وما سيمنحه دون أن يدري سمته الإبداعية التي سيتميز بها. 

(3) 

يسافر القمحاوي إلى الدوحة صحفيًّا، ورغم ما يلقى من تقدير، وما يعرف عن مصر بأنها ما زالت: «بحطة ايده» فإنه يقرر أن يكون كاتبًا وأن يعود إلى مصر، ويحاول صديقه الأقرب المقرب منعه وحين يجده مصرًّا، يطلبه إلى جواره: «عدت من قطر في ديسمبر ١٩٩٢، وفي الشهر نفسه صدرت مجموعتي القصصية الأولى «حدث في بلاد التراب والطين.. حكايات وتصاوير». وبدأنا مع بداية العام التالي في الإعداد للجريدة، ثم إصدار العدد صفر، ثم خرج العدد الأول في يوليو ١٩٩٣ لكن أخبار الأدب ستلتهم وقته، وستمنعه من إصدار عمل ثانٍ «مدينة اللذة» إلا بعد خمس سنوات من الغرق الذي سينتبه لخطره لكنه لن يستطيع النجاة منه بسهولة، ويجهز نفسه لترويض النمر؛ فيقسم يومه بين الإبداع والصحافة، ثم سيصل إلى نقطة أبعد بتحويل مشاهداته إلى أعمال إبداعية، لا فرق بين إقامته في فندق في قطر، أو سيره في أروقة المؤسسة المصرية، ولولا غلبة الأدب على طبيعته لخرج لنا بكتب يؤرخ لتاريخ الأذى، ودون أن يدرك تسيطر سمة صحافية على إبداعه. 

سيتطلع القارئ إلى أن يعرف ماذا فعل الكاتب بالنمر بعد أن أكل - طبقًا لرأيه - وقته، وفي تتبع هذا الأمر كما في تتبع لماذا يكتب القمحاوي، وفي تتبع أي محور من المحاور ستجد أنك أمام جملة هنا، وفقرة هنا، كأنك أمام مخرج صحفي حر في توزيع مواده على بياض الصفحة. 

«بالنتيجة، صار الأمر مُسليًا، وأتقنت العيش بالخيال والسخرية في صالات التحرير، أراقب ما يجري حولي، وحتى ما يقع لي أو يقع عليّ، دون انغماس في المشهد، ودون شعور بالفرح بما أحصل عليه أو الحزن على ما يفوتني، ودون تبديد روحي في الرد على من يجتهد في إيذائي. وعليّ أن أعترف بأن مبعث ذلك لم يكن النبل أو التسامح، بل الأنانية والحرص على ألا أذهب إلى عزلتي الإبداعية في الليل محملًا بضغائن النهار». نحن هنا أمام ترتيب أولويات ينطلق من اختيار الإبداع والأنانية المثالية، وإلقاء كل ما يعكر الروح ويعرقل الكتابة، وشيئًا فشيئًا تتحول صالة التحرير إلى مستويين؛ مستوى واقعي غير مرئي، ومستوى ما قبل إبداعي يهيئه الكاتب لعمل إبداعي قادم، دون التورط في كتابة مباشرة عن الصحافة وهمومها، بسكين طاهٍ محترف يعزل القمحاوي ما يريد، ويقهره (يغير مادته حتى تخفى عليك). 

من ثم ستكون الكتابة الصحفية مدخلًا لكتابة عبر نوعية: «مع الوقت بدأت أكتسب أسلوبي الخاص في هذا النوع من الكتابة، وأضع بنفسي قواعد عمارة مقالي الذي يتسع للحكاية والنقد الأدبي والثقافي والتأمل الفكري مع حفاوة بالحواس التي أعتبرها طريقة للسعادة وإدراك العالم من حولنا؛ السعادة القابلة للاستعادة والإدراك الأكثر استعصاء على التزييف. وبعد نحو عقد ونصف من الاتكاء على هذه الروافع في مقالات متنوعة، فكَّرت في كتاب يتعلق بالحواس» وبها سنصل إلى الأيك. 

(4) 

بوصولنا «الأيك، في المباهج والأحزان» وهو كتاب عبر نوعي إلى سلسلة الهلال العريقة، بعد نشره منجمًا في «الأهرام العربي» وجد القمحاوي نفسه أمام احتفاء لم يفهمه وقتها: «تلقى الكتاب استقبالا مبهجا من قبل نشره، بدأه الدكتور فيصل درَّاج إذ تحمس للمخطوط، وكتب له مقدمة. وبعد النشر استطاع الكتاب أن يقيم صلة مع دائرة واسعة من القراء، أوسع من دائرة الأدب. أسهمت في هذا الانتشار طبيعة سلسلة توزع كتبها لدى باعة الصحف، وموضوعات الكتاب التي تتجاوز دائرة قراء الرواية والشعر والقصة». ويكتشف جزءًا من الكنز: « كنت جادًا في تنبيه القارئ إلى أن كتابي ـ وأي كتاب لا يُقدِّم الحقيقة، لكنه يسعى للبحث عنها، وقمة نجاحه أن يقترب من أحد وجوهها. وبسطت يدي لقارئ شريك لديه الاستعداد لمرافقتي في رحلة البحث عن المعنى. ولا يمكن لصحبة القارئ والكاتب أن تكون ممتعة من دون السخرية والخيال». 

الوصفة التي أنتجها الطهو أعجبت صاحبها لذلك قرر أن يطور كتابه الأول، ويخرج بكتاب ثانٍ: « كان «الأيك» خطوتي الأولى على طريق النص الذي يصعب تصنيفه. وامتد الطريق وأثمر كتبًا أخرى، أحدثها حتى كتابة هذا الكتاب «الطاهي يقتل الكاتب ينتحر» وما لم أدركه في حينه، أن «الأيك» الذي رسم طريقي في النص المفتوح سيكون هو نفسه النص المفتوح على حياتي كلها، القابل للإضافة وإعادة الكتابة طول العمر!» لكن هذا الأمر سيقوده إلى السؤال المهم: لمن تنتسب هذه الكتابة؟ وسيقوده إلى بحث معمق من الجاحظ إلى بشلار وإيكو والإنترنت: «يمكن للنص المفتوح أن يحمل كل أشكال التعدد والانفتاح في المعنى، يمكن أن يُضمر إشارات ثقافية خفية أو يتناص مع أعمال أخرى، بالتوافق معها أو بالمحاكاة العكسية الساخرة». (5) 

الوفاء لهدف الكتاب الأصلي لماذا أكتب؟ وكيف؟ سيظهر جليًّا عند وصولنا إلى: «ليس في الإدراك أي نبل» قبل ذلك كان الكاتب يضعه منجمًّا في أماكن متفرقة لكننا سنجده هنا في بداية الفصل: «عن نفسي، أكتب للتعويض. الخسارة في الكتابة تخلق دافع الاستمرار مثل الخسارة في القمار، ومثل أذى الطَعم الحار الذي يفتح شهيتنا». أما الموضوع فسيختاره المؤلف بهدوء منذ عمله الرابع: «غرفة ترى النيل» وسيكون (الموت) أولًا، هو الموضوع المحوري؛ نظرًا للطمة الأولى تلقاها الطفل الذي كانه، ثم ارتباطه بقريته وحضور جنازاتها المتعددة، ثم اقتراب الموت من صديقه عن طريق المرض والسكنى في مستشفى آخر أيامه، وستكون الكتابة – لا تقبيل يد لا نستطيع عضها – انتصار العابر على المداهم: «بوسعنا أن نعتبر هذه الحيلة انتصارًا على الزمن، ولو بشكل جزئي، وهذه إحدى متع الكتابة وعطاياها الغامضة، نجح فيها سوفوكليس، وسرفانتيس ومارسيل بروست ورواة ألف ليلة وليلة وغيرهم ممن امتلكوا الجسارة والحيلة لمنازلة الزمن». ثم تأتي «الحارس»: «الحارس رواية عن الأوهام التي تأكل أعمارنا القصيرة، رواية عما يفوتنا كسابقتها «غرفة ترى النيل» لكن في وضعين مختلفين. في «غرفة ترى النيل» رأينا ندم عيسى على تبديد حياته، ومحاولته عيش أخرى بديلة في أيام معدودات، بينما في «الحارس» نطلع على عملية التبديد ذاتها، يمارسها وحيد ضد حياته يومًا بيوم ولحظة بلحظة». 

لا يجيب القمحاوي عن: «لماذا و«ما» فقط بل ينثر في أناة «كيف» سواء كان بالحديث عن التقنيات ودواعيها؛ دليلك إلى ذلك اختياره اسم بطله «وحيد» أو بالمقارنة بين المادة الخام التي استقى منها فكرة النص وبين النص ذاته: «الرجل الذي ألهمني «الحارس» عندما رأيت لحمه الرجراج ينداح من باب السيارة السوداء، ألهمني قفاه من قبل فصل «الصفع وما فيه من الفوائد والنفع» بكتاب «الأيك» الذي تأملت فيه فساد الجسد عند محدثي النعمة، عندما يتراكم اللحم الجديد سريعًا كالروث، ولأنه لم يواكب رحلة آلام الجسد، لا يستطيع أن ينفعل، وهذا ما نصفه بـ «الخنزرة». أو مقارنة العمل اللاحق بالسبق كمقارنة «ذهب وزجاج» بالأيك، وإضمارًا بأعماله الإبداعية، ويبدو أننا في بورتريهات هذا العمل أمام ما كان يفعله سيزان: «هاتفني الأبنودي معلقًا على البورتريه الذي يخصه يوم نشره، قال: يا ابن الـ ...أقرأ الجملة ولا أكاد أهنأ بسعادتي بها، فإذا بالخازوق يداهمني في الجملة التي تليها. بالنهاية، لم يكن راضيًا أو غاضبًا، وأحسست أنه لم يعرف أين يضع هذا البورتريه، لكنه يُقدِّر الأسلوب». لقد تلاعب القمحاوي بالبورتريه المتعارف عليه بدءًا من اختيار شخصياته ومرورًا بطريقة بنائه حتى في أصغر وحداته البنائية. 

(6) 

«قبل الشغف والمهارة تحتاج الكتابة إلى الألم والإيمان». عتبة استهلال يتحرك الكاتب بعدها ليرسم عالمه، وفي هذا الفصل تحديدًا تنكشف إستراتيجية الكاتب الكبرى؛ الكتابة بمنطق المخرج الصحفي وتصوره. 

الكاتب الحقيقي هو الذي يحركه الألم والشوك، حتى وهو يكتب ما يبدو تقريرًا أو بموضوعية: «وحدث أن فاض الألم عن قدرة الرواية على احتوائه. مات ابن أختي في مركب من مراكب الفرار إلى أوروبا؛ فكان كتاب «العار من الضفتين» الذي ينتمي إلى الصحافة الاستقصائية ويحمل معها ما في جعبة الرسام من طريقة رسم للبورتريه، ومن ارتباط بالنص المفتوح، ومن استدعاء سببي عبر ذاكرة حافظة، ومن قراءة نهمة. 

سيتجلى هذا وأكثر في عمليه «ما رآه سامي يعقوب» و«بخلاف ما سبق» ويمكنك في الأول أن ترى كيف حقق المعضلة؛ عمل متوسط الطول عن مشوار لا يستغرق في هذا اليوم ربع الساعة لكنه لا يكتمل، ثم تكتشف أن الكاتب استطاع عبر تقنياته المتعددة أن يضعك أمام واحد من هذا الزمان.. هو أنت لكنك تنكره، ليس أنت لكنك تدعيه. (7) 

«الكتابة ليست مجرد هواية وليست عملًا أزاوله، بل رفيقًا من روح ودم ولحم» هكذا يجلي القمحاوي جزءًا جديدًا من وجه فاتنته، إنها أكثر من هواية وأكبر من عمل، وسيظل عبر رحلته يكشف بقية الأجزاء إلى أن يصل إلى أن الكتابة هي التي أنقذت حياته: « فيما بعد قال لي الطبيب أن فقدان السيطرة على الأعصاب، لتلك الدرجة هي اللحظة التي تسبق الموت مباشرة. «لكن تمسكك بتذكر الحلم لتكتبه جعل وعيك يصمد اللحظات إضافية كانت كافية لإنقاذك». وهنا تتجلى الكتابة الحبيبة في صورتها الأسمى، التي تدفع مفتونها إلى البوح: «سأواصل الكتابة بشغف فيما يتبقى لي من العمر، دون نظر إلى النتائج. ولسوف تغمرني سعادة إضافية كلما وجدت من يُثني على النتيجة. لا أعرف ماذا يمكن أن يبقى من كتابتي، لكنني لن أكف عن المحاولة» ومع هذه الفقرة الأخيرة يتجلى لنا سبب عنونة الكتاب، وسبب تصديره، وسبب سعي الكاتب إلى أن يجعل الكتابة عن الحياة.. حياة. 

وما جرى هنا سيجري