عمان الثقافي

«سرّ الجرة».. سرّ الخطيئة ونزعة التطهر لدى أحمد الحجري

مفيد خنسه

 

أتوقف عند قصة «سر الجرة»، من بين قصص المجموعة القصصية الثانية للقاص العماني أحمد الحجري، «الرقص مع السراب» لما تضمنته من معاني عميقة، ونزعة إنسانية للتطهر من الخطيئة عند بطل القصة الذي ضحى بصداقتة لمحمد الأقرب لديه بهدف امتلاك كتاب جده، الذي اشتراه من تاجر كتب قديمة في البصرة. 

قصة الكتاب (الواقع) 

«الكتاب برمته تحفة فنية، وقطعة أثرية نادرة بغلاف جلدي سميك، يحتوي على رسومات، وأشكال هندسية، وصور فنية، كما يتضمن حكما، وأمثالا وأشعارا، وكتابات فلسفية، ومواعظ، ووصفات طبية، ومقولات صوفية»، لعل الجملة الأخيرة من الوصف للكتاب، هي الأهم عند الطفل الذي كان بطل القصة، ولعله الكاتب نفسه، «المقولات الصوفية» التي تكشف عن سر يبحث عنه هو، وهذا السر هو الذي ولد عنده الرغبة في امتلاك الكتاب النادر الثمين، «أخبرني جدي أنه اضطر لبيع عقد ثمين من اللؤلؤ حتى يحصل عليه»، أما الصفات التي أضافها إلى الكتاب هي صفات إضافية عامة، ومن أجل ذلك لم يطلع أحدا من أصدقائه على هذا الكتاب، سوى صديقه الأقرب محمد، كانا معا يقرآن فيه في بيت جده، لذلك ترك صديقه يقرأ بالكتاب يوما وخرج هو، في خطة منه ليتهم جده محمدا بسرقته، وهذا ما حصل إذ عاد وأخذ الكتاب خلسة من دون أن يلاحظ جده عليه، وأخفاه في بيته من دون أن يعلم بذلك أحد، ومن وقتها صحيح أنه كسب الكتاب، لكنه خسر صديقه وبقيت الخطيئة عبئا ثقيلا عليه، فقد مات جده، وكان صديقه بين المعزين لكنه «تجنب النظر إليه أو مصافحته». 

قصة الجرة (المتخيل) 

الجرة في القصة هي هدية العجوز الصيني، الذي جاء إلى جده يطلب منه المساعدة بمبلغ من المال بعد إفلاسه في ميناء تجاري بين الهند واليمن وعمان، فتصدق عليه ببعض الكتب المخطوطة، التي قال عنها العجوز: «إنه لولا تلك الكتب لم تكن مشكلته المالية لتحل» و«بدا أنه وجد ضالته في قراءة تلك الكتب»، هذا العجوز الصيني من التبت تعلم اللغة العربية من شيخ أيغوري، يهدي الجد الجرة جزاء لتصدقه عليه بالكتب المخطوطة، ويقول له سرها: «ما إن تضع يدك اليمنى عليها حتى تنتقل لزمن واحد فقط تحدده أنت في مخيلتك، ساعة واحدة فقط ستنقلك إلى أي مكان ترغب بالذهاب إليه، وبعدها يرجع كل شيء إلى وضعه الطبيعي. وهذا السر هو حدث أسطوري متخيل، وإن كانت الحيثيات في السرد تشير إلى أحداث واقعية مرافقة لهذا الحدث. 

الربط بين «الكتاب والخطيئة» 

بين «الجرة والتطهر» 

نلاحظ أن ربطا خفيا بين الكتاب والخطيئة، يقابله ربط بين الجرة وسرها والنزعة إلى التطهر، لا يريد أن يفصح عنه الكاتب بشكل مباشر إنما يقصد تقديمه عبر صور فنية، وبأسلوب سردي تطغى فيه الحكائية وجمالية القص بتداخل الأزمنة الحقيقية والافتراضية، لينسج مناخا خاصا، تتجاور فيه الحقيقة مع الأسطورة، كما تتجاور فيه المعاني المجازية مع المعاني الحقيقية، ليضعنا القاص أحمد الحجري، في حالات من الواقعية حينا حتى نكاد نظن أننا نحن المعنيين بما يتحدث عنه، وسرعان ما ينقلنا إلى حالات من الإدهاش تجعلنا متأكدين أن ما مضى قد مضى ولا يمكننا نحن أن نعود في الزمن كما فعل هو باستخدام الجرة السر، ويتجلى هذا الربط بما يلي: 

(1): الكتاب بما يحمل من أوصاف وعلى رأسها «المقولات الصوفية» كان سببا أساسا بارتكاب الخطيئة من قبل الطفل الذي كانه الكاتب. 

(2) الجرة السر، التي يمكن من خلالها أن يجد بطل القصة طريقة لمحو الخطيئة، والتطهر من الإثم الذي لازمه منذ سرقة الكتاب وإخفائه. والجرة نفسها جاءت مكافأة بسبب الكتب المخطوطة!. 

(3) الكتب المخطوطة أنقذت العجوز الصيني من ضياع محتمل، على حد تعبيره في القصة. 

تعدد الإمكانات وواقعية الاختيار 

إذًا السر، يمنح من يضع كفه اليمنى على الجرة ساعة من أي زمان ومكان يحدده في مخيلته، وبذلك يضع بطل القصة (الكاتب)، أمام خيارات، «ماذا لو ذهبت إلى عصور الأرض السحيقة، لأكتشف سر الحياة على الأرض؟ أو ماذا لو رحلت إلى عصر الديانات الأولى، ورجعت بسر يغير وجه التاريخ؟ ماذا لو ذهبت إلى مغارة علاء الدين، وعدت بكنوز من الذهب؟ أو ماذا لو ذهبت إلى المستقبل، لأقرأ مستقبلي وأقوم بتغييره من الآن؟». وهنا يحضرنا قول الناقد الروائي الروسي بختين حول علاقة الكاتب الروائي بالبطل في الرواية، «البطل في الرواية يجب أن يمتلك وعيه وصوته المستقل عن المؤلف»، وهذا ينسحب على القصة أيضا، وعلى الرغم من أن المؤلف هنا يكاد يلبس شخصية البطل، فإننا نجده من خلال هذه الخيارات التي يطرحها يحاول أن يحرر بطله القصصي من سيطرته، ليطرح أسئلة كبرى تتعلق بسر الحياة، وسر الكينونة فيها، أو استحضار المستقبل، أو استحضار الأسطورة نفسها، وفي تقديري مهما بدا البطل القصصي متحررا من مؤلفه، فإن اختيار البطل إمكانية ما تتعلق بالمصير، فإن ذلك الاختيار يمثل وجهة نظر المؤلف، لأن المؤلف في النهاية لديه رسالة يريد أن يوصلها إلى المتلقي. 

لقد قرر البطل أن يستخدم الجرة وعاد بالزمن إلى الساعة التي أخفى خلالها الكتاب، أي إلى ساعة ارتكاب الخطيئة، وأخذ يبحث عن صديقه الذي خسره بسبب امتلاك الكتاب، وعندما لم يتمكن من إيجاده في الأمكنة التي اعتاد أن يوجد فيها خلال ثلاثة أرباع ساعة، فإنه يسرع في الربع الأخير منها إلى إحضار الكتاب من بيته إلى بيت جده الذي بدا «تائها وحزينا وفزعا»، فيضعه فوق المندوس، ويخرج ببطء، وإن هي إلا لحظات حتى يصرخ الجد فرحا، لقد وجدته... «كيف لم أنتبه له، لقد اتهمت محمدا زورا وبهتانا... نادوا محمدا لأعتذر منه». 

ملاحظة لا بد منها: 

إذا تأملنا وصف الجد، «بدا تائها وحزينا وفزعا»، فأن يكون الجد في حالة من التيه والحزن بسبب فقدان الكتاب أمر مبرر ومفهوم، لكن أن يبدو فزعا!! فذلك يدعو للتساؤل عن سبب الفزع؟ لنعود إلى محتوى الكتاب! لعله فزع من فقدان المحتوى الذي قد يتضمن أسرارا، وعظات، وحكما ثمينة! 

القيمة الأخلاقية 

من خلال هذه القصة، القاص أحمد الحجري يريد أن يكرس قيمة أخلاقية عليا، تتلخص في أنه فيما لو قيض للمرء أن يختار أعظم ما يرجو ويتمنى أن يتحقق لديه في الحياة، فعليه أن يختار سبيل التطهر من الآثار السلبية والآثام التي ارتكبها في حياته، إن كان مع صديق أو جار أو أي شخص آخر أساء إليه، وهذا القيمة الأخلاقية وإن كان قد قدمها من خلال الساعة التي منحته إياها هذه الجرة التي يكمن فيها السر، فإن هذه الساعة لا تحتاج إلى جرة، ولا تحتاج إلى أسرار وألغاز ومعجزات، بل تحتاج إلى المبادرة والجرأة والشجاعة، بالعودة والمحو بالاعتذار والمكاشفة والمواصلة والإصلاح بيننا وبين من أسأنا إليهم، وعندها سنتخلص في حياتنا من «أشواكها المدببة القصيرة» التي «تكاد تجرح الذاكرة»، «وأشواكها الطويلة الحادة» التي «تكاد تثقب الماضي البعيد»، فنكشف حقيقتنا للآخر حتى لا نرى «سوى أشجار زيتون بثمار خضراء وسوداء تزين المكان». 

اللغة وأسلوب القص 

هذا العنوان يحتاج إلى دراسة مستقلة ولكن سأوجز بما يلي: 

(1): يلتزم القاص باستخدام الجملة على أصلها، ويحرص في الغالب الأعم على عدم التقديم والتأخير، فتأتي الجملة الفعلية لديه، (فعل +فاعل+ تتمة الجملة)، (تأملت المكان، ماتت زوجته، اختفت الابتسامة على شفتيه، لا تخذل جدك، توفي جدي، أغلق الباب، اعترتني قشعريرة، رجعت إلى المندوس، مرت لحظات... صببت القهوة... ) والجملة الاسمية تأتي مبتدأ وخبرا، أو فعلا ناقصا واسمه وخبره، أو حرفا مشبها بالفعل واسمه وخبره، من دون تقديم أو تأخير أيضا، (كانت أشواكها تخز ذاكرتي، كنت ألتهم غذائي، إنها حكاية، أصبحت عيناي، لم يكن المندوس مغلقا، إن هذا الكتاب اشتراه، أنه مكتوب بخط الثلث)، وهذا يشير إلى أن الأسلوب لدى القاص يتسم بالوضوح والبساطة والواقعية. 

(2) أحيانا يقدم القاص شبه الجملة الجار والمجرور على المفعول به أو الفاعل في الجملة الفعلية، (رفع عنه الشال، ارتشفت منه بضع رشفات، استولت عليه رعشة، نسجت عليه صور، ستجد بداخله جرة، ما تحدث عنه جدي) وهذا يشير إلى التخصيص والحصر، وهذا يساعد على لفت انتباه القارئ إلى العنصر السببي بوصفه جوهريا في وصف الحدث، كما يساعد على التشويق والتوتر، إضافة إلى التكثيف وكسر الرتابة الإيقاعية خلال السرد القصصي، كما أنه أحيانا يقدم الخبرعلى المبتدأ، (كان لي جد، كان ما في الوصية واضحا، إذا كان ما قاله جدي) وهذا يشير إلى التنوع في صيغ الجمل. 

(3) يستخدم القاص أسلوب القصر بشكل واضح ومتكرر، (لم يرجع إلى قريته إلا قبل خمسة وثلاثين عاما، لم يكن يعنيني سوى الركض، لم يكن يبعد عنا سوى أمتار، لا شيء يعنيني سوى إجازة نهاية الأسبوع، لا يعرفه أحد سواي، لا يعلمه أحد سوانا، لم أكن أملك حينها سوى بضعة كتب ورثتها من أبي، لم أطلع... سوى صديقي... لم تكن هناك من حيلة سوى إخفائه، لم يبق من الوقت سوى ربع ساعة...) ومن دون شك هذا الأسلوب يفيد نفي جميع الاحتمالات ليثبت معنى واحدا فيرسخ في ذهن المتلقي من دون أن يقبل الشك، كما يساعد على إبراز العنصر المركزي في المشهد القصصي، لكن الإكثار منه على هذا النحو يضعف من تأثيره، وخاصة في نمط هذه القصة لأنه قد يوحي بالحتمية والانغلاق. 

الخط الزمني 

من المعروف أن خط الزمن وحيد الاتجاه، لكن الزمن الفني يترك قياده للمبدع، فنجد القاص أحمد الحجري، يبدأ زمن قصته من الآن، وهو في انتظار صديقه محمد في مقهى (37)، لكن أشواك الصبار حملته إلى الذكرى والعودة بالزمن، الجد وحياته المتنقلة بالتجارة ثم العودة والزواج بأرملة تصغره بخمسة عشر سنة، وبعد وفاتها يطلعه على سر الجرة، ويخصه بها، ثم يتوفى ويستخدم الجرة، خلال ساعة، تتحول العودة في الزمن، من زمن التذكر إلى الزمن الافتراضي لارتكاب الخطيئة والإثم، وبالحقيقة لم يحتج المؤلف من الوقت سوى ما يكفي لإعادة الكتاب، وإعادة الكتاب بعودة الزمن ليس سوى مخرج فني لاعترافه بالخطأ المرتكب، فمن يدري؟ لعل المسكوت عنه خلال دعوته للصديق محمد لتناول كوب من القهوة، أنه كان قد اعترف له بما حصل واعتذر، لذلك أخبرنا عن قبول صديقه محمد للدعوة، بعد انقطاع دام طويلا، لأنه فور سؤال الجد عن محمد للاعتذار إليه، وقبل أن ينفذ الوقت من الساعة، يعود الزمن إلى الآن، «ها هو قد وصل» وكأن العودة في الزمن هي عودة بالفعل إلى ما ينبغي أن يكون عليه، كأننا في هذه الحياة في رحلة، رحلة طويلة والذي يؤخرنا عن الوصول فيها إلى خلاصنا هو أخطاؤنا وآثامنا، وقد يعود بنا الزمن ونعود فيه لتصحيح ما زللنا فيه في لحظات الأنانية والضعف والطمع.