عمان الثقافي

حين واجهت أمُّ الموت بالكتابة

 

في التاسع من أغسطس 2024 تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي خبر حادث سير أليم تعرضت له عائلة عُمانية كانت في طريق عودتها من صلالة إلى حيث سكناها في ولاية بهلا، نتج عنه وفاة صبي في عمر الزهور، وتعرُّض بقية أفراد العائلة لإصابات تراوحت بين البليغة والمتوسطة، مرفقة مع الخبر صورتين؛ لسيارة وقد ظهر من انبعاجاتها إلى أي مدى كان الحادث شنيعًا، ولصبي وسيم وهو يرتدي قميصًا رياضيًّا ويحمل في يده كرة قدم. وكما اعتدنا دائمًا فإننا عندما نرتطم بمثل هذه الأخبار المفجعة نتأثر ونحوقل ونضرب كفًّا بكف، ونترحم على الميتين داعين الله أن يصبّر أهاليهم، وأن يمن على المصابين بالشفاء العاجل، وقد نقضي بقية اليوم في حزن وتحسُّر، لكننا ما نلبث أن ننشغل بأمور الحياة الأخرى، وننسى. وهذا ما حصل لي بالضبط.

بعد ذلك بشهر، فوجئتُ برسالة واتسب من رقم كنتُ قد خزنتُه في هاتفي باسم «مدرسة جماح، بهلا»، ويبدو أنه لمعلّمة كانت قد أحضرت لي قبل ذلك بعدة سنوات طالبات من تلك المدرسة للمشاركة في برنامجي الإذاعي «القارئ الصغير». فوجئتُ بصاحبة الرسالة تعرفني بنفسها بأنها «عَزَّاء الشيبانية، مديرة مدرسة»، ثم تضيف: «ولدي اليوسف توفاه الله منذ شهر في عمر أربعة عشر عاما. كتبتُ له بعض الكلمات، وددتُ أن تكون بصوتك إذا ممكن»! هنا حدث لي ما يشبه الصدمة ففغرتُ فمي، بينما تجمدتْ أصابعي عدة دقائق أمام الرسالة وأنا لا أعرف بِمَ أردّ! فإذا كنتُ أنا البعيد نظريًّا عن هذه القصة قد تأثرتُ وحزنتُ لمجرد معرفتي أن أمًّا فقدت ولدها (وليس أي ولد، عمرُه يشي بأنه ترك لأمه وعائلته ذكريات ثقيلة)، فكيف بالأم المكلومة التي لم يمضِ سوى شهر واحد فقط على فقدانها إياه. مجرد إقدامها على فعل الكتابة دليل على محاولة عظيمة للتحامل على أحزانها وتجاوز الموت إلى الحياة. قلتُ لنفسي متناسِيًا أنها لم ترسل النص بعد: «من أنا لأرفض طلبًا كهذا! هذا أقل ما يمكن أن أقدمه في مواساتها». ورددتُ عليها برسالة تعزية متبوعة بعبارة: «طبعًا ممكن».

بعثتْ لي النص فوجدتُه مرثية تفيض بالألم والشجن واللوعة، وتكتب الفقد بنبرة صادقة وعالية الحساسية، فيتسرب الحزن إلى قارئه دون أن يشعر. لكنه ليس حزنًا مجانيًّا، وإنما من ذلك النوع الذي سبق لي وصفه في كتابة سابقة بــ»الحزن النبيل»، القادر على تأمل الفجيعة وتجاوزها في الآن ذاته، لأن صاحبه يمتلك قدرًا كبيرًا من الإيمان بالله، والتسليم لقضائه.

في روايته «رجل تتعقبه الغربان» يتمنى الروائي السعودي يوسف المحيميد على الموت أن يخبرنا قبل أن «يتسلَّل مثلَ لِصٍّ مدرَّبٍ أو قاتلٍ محترف» كي نكون على أهبة الاستعداد له، ونكمل أي عمل بدأناه قبل مباغتته إيانا، «كأن نعيد ملابسنا مثلًا من فوق حبل الغسيل، أو نطفئ الموقد في المطبخ، أو نسدِّد دَيْنًا مُستحقًّا لفلان، أو نقبِّل من نحب». لكن الموت لا يستأذن ولا يخبر أحدًا بقدومه، وإنما يرسل إشارات لا ينتبه لها الميت ولا أحبابه إلا بعد أن ينجز هادم اللذات مهمته، لتظل الأيام الأخيرة لأي ميت، أكثر الأيام إيلامًا على محبيه، إذ تتكشف شيئا فشيئا تلك الإشارات بقرب النهاية التي لم ينتبه لها أحد، وما أكثرها في حالة اليوسف. تكتب الشيبانية في كتابها هذا على لسانه بعد أن طلب منها قبل موته بأيام قليلة أن يحضّر حقيبته بنفسه على غير العادة، وألا يشاركه إخوته وضع أغراضهم فيها: (اكتفيتِ فقط بـــ»حسنًا يا بُني»، قوةٌ عجيبةٌ تجعلكِ لا ترفضين لي طلبًا. ربما تكونُ من تلك القوى الخارقة التي يمتلكها الراحلون). وقد تكون عبارة «وصلنا إلى جنة الله في الأرض» جملة جِدّ عادية حين ينطق بها صبيٌّ وصل توًّا إلى صلالة، ولكنها تصير بعد ذلك - وبفعل الموت - عبارة تنبؤ تحيل إلى الجنة الأخرى التي عرضها السماوات والأرض: «المروج الخضراء الساحرة، والتلال الواسعة. رائحةُ المطر تُحيي النفوسَ العطشى، والرذاذُ يُغذِّي الأرواح». لا تكتفي الأم بهذه الاستعارة، بل تعمد - نكاية بالموت الذي لا يستأذن - إلى إنطاق اليوسف بعبارات وداعية من قبيل: «في كل زاويةٍ من هذا الفضاء، أُحدِّقُ بعينَيَّ نحو السماء. لم يَبقَ لي سوى أيامٍ قليلةٍ حتى تصعدَ روحي إلى أعالي الجنان. تعمَّدتُ أن تكونَ معظمُ صوري ورأسي مرفوعٌ نحو الأفق. نحو الحياة الأبدية، نحو الخلود».

صاغت عزاء الشيبانية كتابها على هيئة رسائل من فلذة كبدها إليها، وهو شكل كتابي يتيح للكاتب المفجوع أن يعيد فقيده إلى الحياة، وكأنه لم يمت أصلا. ذلك أن رسائل الموتى إلينا (وكثيرا ما تصلنا رسائلهم في الأحلام) تمنح الحزن إيقاعًا إنسانيًّا حميمًا، وتُشعرنا بأن فقيدنا لم يغادر، بل إن روحه تحوم حولنا، تراقبنا وتطمئن علينا، وتذكّرنا بأن الحب لا ينقطع بالموت، وإنما يتحوّل إلى حضورٍ آخر أعمق وأهدأ. إنها رسائل تشي بأن الشيبانية

اكتسبت بعد هذه التجربة القاسية وعيًا جديدًا بالموت، أقرب إلى ما كتبه تولستوي في يومياته بأنه «من الجنون أن يعيش المرء متناسيًا الموت، وأن الوعي بحتمية الموت وإمكانية حلوله في أي دقيقة هو أكثر شروط الحياة ضرورة، وأن في غياب هذا الوعي لا يمكن للحياة إلا أن تصبح محض جنون». يتبدى هذا الوعي قبل أشهر من رحيل ابنها في العبارة التي خاطبت بها زوجها عقب نجاة ابنتهما بأعجوبة من الغرق في المزرعة: «أعمار أبنائنا ليست بأيدينا، هي أمانةٌ يأخذها اللهُ حين يشاء». هنا يعلق ابنها اليوسف: «هل بدأتْ الحاسةُ السادسةُ عند أمي؟ هل شعرتِ بقرب رحيلي فتهيّأ قلبُكِ لصدمة الفراق؟ أم زارك حلمٌ ينذركِ بما لم أستطع أنا إخباركِ به؟». وفي الحقيقة فإن هذه التساؤلات المُمِضَّة، وإن بدت تساؤلات الابن، فإن علينا ألا ننسى أن الأم هي الكاتبة، وأنها لم تضعها في فم اليوسف إلا لتواصل بالكتابة ما لم تعد تستطيعه بالحياة، وليساعدها طيفه وحواراته المتخيلة على تجاوز الفجيعة، خصوصًا إذا ما علمنا أنها - كما يبدو من الكتاب - من ذلك النوع من البشر الذين قال فيهم الشاعر الإسباني رافائيل ألبرتي: «أنت في وحدتك بلدٌ مزدحم»، فهم لا يستسيغون إظهار ألمهم للآخرين، ويحبون أن يظهروا دائمًا متحلّين بالجَلَد والصبر لكي لا يؤثر انهيارهم النفسي على أحبابهم، وهذا يجعل حزنهم ينكفئ إلى الداخل، فتتضاعف بذلك معاناتهم. وفي حالة أم اليوسف فإن هذا الصبر والجَلَد يظهر في تفاصيل كثيرة لا تبدأ بيوم الحادث، ولا تنتهي بمرور عام كامل عليه. من هذه التفاصيل طلبها من النسوة ألا يبكين «فاليوسف شهيد، والجنة غالية»، وتحوُّلها وقت الحادث من أم مكلومة إلى منقذة تنتشل ابنتها «درر» من الاختناق، وهرعها إلى ابنها «يعقوب» المشقوق رأسه نصفين لتطمئنه: «ستعيش يا بني!»، وإشرافها على علاج أبنائها المصابين في الحادث، بل والسفر بهم إلى الهند، وقرارها العودة إلى عملها التربوي لكي لا تستسلم للأحزان، وتوطينها النفس على تجاوز الذكريات المؤلمة: أول فطورٍ بدون اليوسف، وأول نتائج بلا اسمه، وأول عيد بدون حضوره، وتنظيمها شؤون أسرتها بهدوءٍ يليق بأمٍّ لبست حقا ثياب الصبر كما أخبرت ابنها في رسالتها المؤثرة. من هنا نفهم خطاب اليوسف المتخيل لها في أحد الفصول الأخيرة للكتاب: «ثمة أمر يؤلمني يا أمي. كل هذا الحب، كل هذه المشاعر، ولا أجد مبررًا لتصرفكِ هذا! لماذا تُخفين آلامكِ؟ لماذا لا تمنحين نفسكِ حقّ البكاء أمام من يحبونك؟ هل تعتقدين أن إظهار المشاعر عيبٌ يجب إخفاؤه؟ أنتِ تحزنين وحدكِ، تبكين في صمت، كأن دموعكِ كنزٌ يجب حراسته من الأعين».

لكأن عزاء الشيبانية أرادت بهذا الكتاب أن تحقق أمنية ابنها المتخيلة: ألا تحزن وحدها، ولا تبكي في صمت، فواجهت الموت بالكتابة، وحوّلت الفقد إلى حكايةٍ ملهمة عن الشجاعة والإيمان بالله وقضائه، تروي لنا كيف يمكن للألم أن يتحوّل إلى معنى ضروري من معاني الحياة. إنه كتاب يذكّرنا بأن الموت ليس نهاية المطاف، بل بداية انتباهنا لأحبتنا الغائبين، ويقدم لنا دروسًا بليغة في التصالح مع فكرة الموت؛ وهو تصالحٌ لا يُلغي الحزن، بل يروّضه ويمنحه شكلًا من أشكال الجمال الآسر الجدير بالتأمل.

• تقديم لكتاب «اليوسف.. إلى أمي» للكاتبة عزاء الشيبانية الصادر مؤخرًا عن مكتبة كنوز المعرفة.tttt


** سليمان المعمري روائي وقاص عماني